مقابل مساهمة البنت مع أبيها في بناء العمارة

مقابل مساهمة البنت مع أبيها في بناء العمارة

إذا ثبت أن البنت كانت موظفة وتسلم راتبها إلى أبيها، ولم يكن الأب في حاجة إلى راتب البنت، فإنه يجوز للأب أن يُقر باستحقاق ابنته لجزء من عمارته مقابل المبالغ المدفوعة من البنت، فلا يعد ذلك حيلة على بقية الورثة،

حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 21-3-2016م في الطعن رقم (57419)، الذي ورد ضمن أسبابه: ((وحيث إن الحكم المطعون فيه قد جاء موافقاً من حيث النتيجة للشرع والقانون لما علل به واستند إليه لقضائه بتأييد الحكم الابتدائي، فالثابت من الأوراق أن الطاعن لم يقدم شيئاً أمام الشعبة الاستئنافية مما يثبت مزاعمه بشأن المحرر المتضمن إقرار المورث والدهم بالتنازل عن هواء العمارة لابنته، بل إن الطاعن ظل يتهرب عن حضور بعض الجلسات ولم يقدم أية دفوع أو طلبات حسب زعمه، وقد ناقشت الشعبة الاستئنافية عريضة استئنافه مناقشة كافية، ومن ثم لا يُعوَّل على ما أثاره الطاعن لعدم صحته))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

•الوجه الأول: مساهمة البنت في بناء منزل أبيها في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا
كانت البنت موظفة تعمل في الصباح في جهة حكومية، وبعد الظهر في مدرسة خاصة، وكانت تتقاضى راتبين، وكانت تُسلم راتبيها إلى والدها أثناء قيامه ببناء العمارة، وأيضاً كانت تدفع راتبها لأبيها بعد الانتهاء من بناء العمارة وقبل ذلك. وبعد أن تقدّم العمر بالأب، أراد أن يُثبت حق ابنته الموظفة حتى لا تتعرض لجحود إخوتها الورثة من بعده، فقام بتحرير إقرار بأن هواء العمارة المشار إليها ملك خاص وخالص لابنته نظير المبالغ التي كانت تدفعها إليه من راتبها حينما كان يبني العمارة وبعدها؛ لأن الواجب وفقاً لقانون الأحوال الشخصية أن يقوم الأب بالإنفاق على ابنته وليس العكس. ولذلك فإن الأب يُعد مديناً للبنت بالمبالغ التي دفعتها إليه، خاصة أنه لم يكن محتاجاً للمبالغ المدفوعة إليه من ابنته.

•الوجه الثاني: تكييف تنازل الأب عن علو العمارة (هواء العمارة) لابنته
ورد في الحكم محل تعليقنا أن الأب قد تنازل عن هواء العمارة لابنته مقابل المبالغ التي كانت البنت تدفعها له أثناء بناء العمارة، وفي ضوء هذا الفهم يتحدد تكييف تصرف الأب. فتصرف الأب في هذه الحالة هو عبارة عن إقرار من الأب بأنه قد استلم مبالغ من ابنته، وأنه قد استغل تلك المبالغ في تمويل جزء من تكاليف العمارة، وأن تلك المبالغ المدفوعة من البنت تساوي قيمة علو العمارة. وتبعاً لذلك، فإن التصرف الصادر من الأب ليس تنازلاً أو وصية لوارث؛ لأن الوصية والهبة تكون من غير مقابل ولا تكون لوارث. كما أن هذا التصرف ليس هبة أو هدية؛ لأنهما يكونان من غير مقابل، في حين أن إقرار الأب بأن العلو من حق ابنته كان مقابل المبالغ المدفوعة من البنت. وقد أقر الحكم محل تعليقنا بصحة التصرف الصادر من الأب لابنته، ورفض إدعاءات بقية الورثة الذين نازعوا البنت على أساس أن ما صدر من أبيها كان وصية لوارث أو هبة؛ لأنه تنازل حسبما ورد في المحرر الصادر من الأب.

•الوجه الثالث: ماهية حق العلو (المساطحة)
كان الأب قد أقر بأن (هواء العمارة) لابنته مقابل المبالغ التي دفعتها ابنته أثناء بناء العمارة، وهذا الحق (هواء العمارة) يعني أن للابنة أن تتصرف في سطح العمارة بأي تصرف شرعي، باعتبار سطح العمارة ملكاً لها، فلها أن تبني على سطح العمارة، ولها أن تؤجره وغير ذلك من أنواع التصرف.

•الوجه الرابع: كيفية تقدير مساهمة البنت في بناء العمارة
باعتبار الأب هو المطلع على مقدار المبالغ المدفوعة إليه من ابنته، فهو الأدرى بمقدارها ومقدار مساهمتها في بناء العمارة، فقد قبل الحكم قول الأب في ذلك، ولم تُندب المحكمة خبيراً لتقدير مقدار مساهمة البنت في البناء؛ لأن الورثة الآخرين – إخوة البنت – لم يطلبوا من المحكمة ذلك، حيث اقتصر دفاعهم على الادعاء بأن التصرف كان تنازلاً، وأنه حيلة، وأنه وصية لوارث، وأن تنازل أبيهم صوري، ولكنهم عجزوا عن إثبات ذلك حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا، والله أعلم.
*الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء


طباعة