شهر التوبة.. بين قدسية العبادة وفوضى المفرقعات
رمضان شهر التوبة والرحمة والمغفرة، شهر تتنزل فيه السكينة، وتسمو فيه الأرواح، وتفتح فيه أبواب الخير. غير أن مشهدًا مؤلمًا بات يتكرر كل عام حتى كاد يعكر صفو هذه الأيام المباركة، ويتمثل في ظاهرة انتشار المفرقعات بين الأطفال.
قبل حلول الشهر الفضيل بأسبوعين، ومع نهاية اختبارات الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية، بدأت ظاهرة العبث بالظهور مجددًا في الشوارع. ورغم تحذيرات عقال الحارات وتشديدهم على وجود أوامر تمنع بيع هذه الألعاب الخطرة، وفرض غرامات وعقوبات على من يتاجر بها، إلا أن الواقع يؤكد أن تلك التعليمات بقيت حبرًا على ورق، فما تزال تباع في بعض البقالات دون رادع، وكأن لا قرار صدر ولا توجيه وُجِّه.
المشهد يتكرر يوميًا: يبدأ الإزعاج من ساعات الصباح، ويتصاعد مع مرور الوقت، خصوصًا بعد العاشرة صباحًا، حين تتحول الأحياء إلى ساحات ضجيج متواصل، أصوات انفجارات صغيرة، صراخ، فوضى، وإزعاج يمتد حتى ساعات متأخرة من الليل. المرضى يتألمون، وكبار السن ينزعجون، والطلبة يجدون صعوبة في المذاكرة.
المؤلم أن بعض أولياء الأمور يسهمون في تفاقم الظاهرة، حين يعمدون إلى إعطاء أطفالهم المال لشراء هذه المفرقعات فقط للتخلص من إلحاحهم أو لإبقائهم منشغلين خارج المنزل. غير أن هذا الحل المؤقت يتحول إلى أذى دائم يصيب الجيران، ويقوض روح التراحم التي ينبغي أن تسود في رمضان.
إن أذية الجار محرمة شرعًا، والرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالجار حتى ظن الصحابة أنه سيورثه، فكيف نرجو القبول لصيامنا وقيامنا ونحن نسمح بإيذاء من حولنا؟ إن التقوى لا تقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل تشمل كف الأذى وضبط السلوك واحترام حقوق الآخرين.
ولا يتوقف الأمر عند المفرقعات فحسب، بل يتعداه إلى مشاهد مؤسفة قبيل أذان المغرب، حين يشتد الزحام وتتعالى الأصوات في الشوارع. بعض سائقي الباصات والسيارات والدراجات النارية يتلفظون بكلمات سوقية لا ترضي الله ولا رسوله، في لحظات يفترض أن تكون مفعمة بالذكر والاستغفار. كلمات جارحة، انفعالات غاضبة، وسلوكيات تجرح قدسية الصيام، وكأننا نسينا أن رمضان مدرسة للأخلاق قبل أن يكون امتناعًا عن المفطرات.
رمضان فرصة حقيقية لمراجعة الذات، وتربية الأبناء على القيم، وتعزيز ثقافة الاحترام المتبادل. مسؤولية الظاهرة لا تقع على الأطفال وحدهم، بل تبدأ من الأسرة، وتمر بالتاجر، وتنتهي عند الجهات المعنية بتطبيق النظام. وإذا أردنا مجتمعًا متماسكًا، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا، وأن نجعل من بيوتنا منارات للوعي لا مصادر للضجيج.
فلنحسن استغلال شهر التوبة، ولنجعل من أيامه مدرسة عملية في تهذيب السلوك، وحفظ وصون حرمة الجار، حتى يبقى رمضان كما أراده الله شهر رحمة وسكينة، لا شهر فوضى وإزعاج.