من كسوة الكعبة إلى جزيرة إبستين: حين تُدار العواصم العربية من غرف الرذيلة الغربية
لم تعد فضيحة جيفري إبستين مجرد ملف أخلاقي عابر، ولا قصة رجل منحرف انتهى منتحرًا في زنزانته؛ بل تحوّلت اليوم إلى مرآة كاشفة لوجوهٍ سياسية حاولت طويلاً الاختباء خلف الأقنعة الدبلوماسية والبروتوكولات الدولية.
أحدث التسريبات فضائح عربية، وهذه المرة باسمٍ إماراتيٍّ ثقيل الحضور في دهاليز الأمم المتحدة. دبلوماسية عملت مستشارة في المنظمة الدولية، وسبق لها الانخراط في الخارجية الإماراتية، يظهر اسمها في وثائق إبستين مئات المرات، في سياق لا يمكن وصفه بالعرضي أو العابر، بل ضمن شبكة علاقات وثيقة تُدار بالرسائل، والهدايا، وترتيب اللقاءات العابرة للقارات.
باريس، لندن، نيويورك، والإمارات… مدنٌ لم تكن مجرد محطات سفر، بل مسارح لعلاقة شخصية مع رجل تحوّل اسمه إلى عنوان عالمي للاتجار بالبشر واستغلال النفوذ. مراسلات مشحونة بالاشتياق، شكاوى من التجاهل، تبادل هدايا، وتعريفه على أفراد من العائلة، وصولًا إلى طلب تدخلاته في قضايا شخصية معقّدة، ورسائل شكر تُختتم بعبارات حميمية لا تحتاج إلى تفسير.
كل هذا يجري بينما كان الإعلام المموّل يحدّثنا عن “الدبلوماسية الناعمة”، و”تمكين المرأة”، و”صورة الإمارات الحديثة”. وهنا تُطرح الأسئلة التي لا يريدون سماعها:
أي دبلوماسية هذه؟ وأي قيم تمثلها من يفترض أنها واجهة دولة في المحافل الدولية؟
ومن هنا، لا يعود الحديث عن أفراد أو علاقات شخصية، بل عن منظومة كاملة من الولاءات القذرة.
فمن لا يزال يدين بالولاء لمحمد بن سلمان أو لمحمد بن زايد، إنما يدين بالولاء لجيفري إبستين نفسه، بكل ما يمثله من انحطاط أخلاقي، واستغلال، وجرائم مغطاة بالنفوذ والمال.
إنها ذات السلسلة، ذات العقلية، وذات المستنقعات، وإن اختلفت الأسماء والواجهات.
في الجهة الأخرى من المشهد، كانت السعودية تُقدَّم نفسها كقائدة للعالم الإسلامي، بينما تُستغل الرموز الدينية في تلميع التحالفات، لا في حماية القيم. كسوة الكعبة، التي تُعد من أقدس الرموز وأطهر المقدسات في وجدان المسلمين، جرى التعامل معها وكأنها هدية سياسية تُداس تحت أقدام جيفري إبستين وأمثاله، في مشهد يلخّص كيف تُهان المقدسات حين تتحالف السلطة مع الرذيلة.
وهنا نصل إلى جوهر القضية: محمد بن زايد ومحمد بن سلمان ليسا مجرد حاكمين؛ بل مهندسا عدوان استمر عشر سنوات على اليمن، تحت شعار كاذب اسمه “إعادة اليمن إلى الحضن العربي”، بينما الحقيقة كانت إخضاع اليمن، وكسر قراره، وتجويع شعبه.
فأي شرف سياسي يتحدّثون عنه، والتحالفات تُدار مع أمثال إبستين وأشباهه؟
اليوم، ومع تسرّب الوثائق، لم تعد الصورة ضبابية. الشمس ساطعة، والحقائق فاقعة، ومن لا يراها اليوم إما أعمى البصيرة أو شريك بالرذيلة.
وهنا يُختبر الرجال: ما هو موقف كل يمنيٍّ حرّ؟ هل يبقى أسير وهم “السعودية”، أم ينحاز لكرامته، لتاريخه، لدماء أطفاله التي سالت تحت قنابل هذا التحالف؟
وتبقى الخلاصة التاريخ، لا يرحم. لا يرحم من قتل، ولا من موّل، ولا من برّر، ولا من صمت.
والنعمة الحقيقية في زمن الفتن ليست المال ولا التحالفات، بل القيادة التي ترى بنور الله، وتسمّي الأشياء بأسمائها، ولا تساوم على الدم ولا الكرامة، وهي القيادة التي بفضلِ اللهِ تعالى نعيشُ تحتَ قيادتها.