الضفة الغربية والحرب الإسرائيلية الصامتة
تشهد الضفة الغربية تصعيداً عسكرياً واستيطانياً غير مسبوق بالتوازي مع حرب غزة، حيث كثف الاحتلال عمليات الاقتحام وتدمير البنية التحتية، لا سيما في جنين وطولكرم، ونور شمس..
ووثقت تقارير مقتل المئات واعتقال الآلاف، وتزايدت هجمات المستوطنين ضمن سعي صهيوني لفرض واقع جديد وضم مناطق واسعة مقطعة أوصال المحافظات الفلسطينية، فيما تستهدف العمليات العسكرية تدمير الشوارع والممتلكات العامة والخاصة، مما خلف دمارًا كبيرًا، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين بشكل غير مسبوق بما في ذلك الانتشار في البؤر الاستيطانية الرعوية وتهجير التجمعات البدوية، بالإضافة الى ارتفاع أعداد المعتقلين الفلسطينيين مع توثيق مقتل المئات برصاص الجيش والمستوطنين.
وبالتالي تعمل الحواجز العسكرية الصهيونية على تمزق أوصال الضفة وتُقيّد حركة الفلسطينيين بشكل مشدد وتعمل حكومة الاحتلال على استغلال الوضع لترسيخ "خطة الحسم" وضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية وفق مخطط ممنهج يهدف بشكل رئيسي إلى تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الأصليين، فالصراع القائم هو صراع وجودي في المقام الأول، حيث يؤمن اليمين الإسرائيلي المتطرف بأيدلوجية تقوم على الاستيطان وإلغاء الوجود الفلسطيني.
وفي المقابل من ذلك هناك رابط وثيق بين ما يجري في قطاع غزة وما تشهده الضفة الغربية المحتلة فالاحتلال يستغل انشغال العالم بالأحداث الإقليمية والدولية المتواترة لشن هجمات مكثفة على المخيمات الفلسطينية في الضفة، وتوسيع مشروع "E1" الاستيطاني الذي يهدف لعزل مدينة القدس تماماً عن محيطها العربي والإسلامي، بالتزامن مع نشر أكثر من 1100 حاجز عسكري لتقطيع أواصر المدن والقرى، كما أن استهداف البنية التحتية وكافة مرافق الحياة يهدف لجعل القطاع منطقة غير قابلة للحياة لدفع السكان نحو الهجرة القسرية، فيما وصف المفوض العام للأونروا ما يجري من أحداث في الضفة الغربية بـ "الحرب الصامتة" لأن ما تمارسه إسرائيل هو "إرهاب صامت" يستهدف المؤسسات الدولية والشاهدة على قضية اللجوء الفلسطينية.
بالإضافة الى خطورة المحاولات الإسرائيلية لمنع عمل أكثر من 37 منظمة إغاثية ودولية داخل الأراضي الفلسطينية تحت ذرائع واهية بهدف طمس الحقائق ومنع توثيق الجرائم، فالتقارير الصادرة عن تلك المنظمات الدولية، كالأمم المتحدة والعفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تلعب دوراً محورياً في كشف الوجه الحقيقي للاحتلال المجرم والمخادع أمام المجتمع الدولي، وتدحض الرواية التي تحاول تصوير إسرائيل كدولة ديمقراطية تلتزم بالقانون الدولي.
باختصار إن ما يحدث في الضفة الغربية "حرب إسرائيلية صامتة" لم تحظ بالتغطية الكافية، فبالتزامن مع بدء "حرب الإبادة" على قطاع غزة، كثف الاحتلال عبر جيشه ومستوطنيه ارتكاب الجرائم في الضفة والتي شملت القتل وهدم المنازل وتهجير الفلسطينيين والتوسع الاستعماري وأسفرت هذه الاعتداءات عن استشهاد 1110 فلسطينيين، وإصابة أكثر من 11500 آخرين، بينما تجاوز عدد المعتقلين 21 ألفا، بالإضافة إلى أن اعتداءات المستوطنين تتواصل دون هوادة، حيث تتعرض التجمعات الفلسطينية للترهيب والاقتلاع من أراضيها وتدمير سبل عيشها وسط حالة من الإفلات من العقاب، وما يزال عشرات الآلاف نازحين بعد مرور عام على إطلاق إسرائيل عملية "الجدار الحديدي"، وهي أكبر عملية نزوح منذ عام 1967م، فيما تقوم إسرائيل بهدم منازلهم تدريجيا لمنع عودتهم.