أبو عبيدة.. الملثم الذي أرَّق إسرائيل لعقدين من الزمان
على مدار نحو عقدين، شكل أبو عبيدة صوت القسام في الساحة الإعلامية، وأصبح ظهوره مقترنًا بالتهديدات والوعود بالرد، ما جعل شخصيته هدفًا دائمًا للتحريض الإسرائيلي ومحورًا رئيسيًّا في حرب الرواية بين إسرائيل وكتائب القسام.
وعلى مدار أشهر الإبادة الإسرائيلية في غزة، وحتى 29 أغسطس، ظهر أبو عبيدة بين الحين والآخر عبر تسجيلات مُصوَّرة أو صوتية وبيانات مكتوبة، متحدثًا عن "عمليات نوعية" ينفذها مجاهدو المقاومة ضد الجيش الإسرائيلي، ومتوعدًا أكثر من مرة القوات الإسرائيلية المتوغلة في القطاع بمزيد من الخسائر جراء مواصلتها الإبادة.
ورغم أن اسمه الحقيقي وصورته ظلا طيَّ الكتمان لعقدين من الزمان، إلا أن صوته فقط كان كفيلًا في كل مرة يطل فيها على الشاشة بأن يؤرِّق إسرائيل، لذا لم يكن مستغربًا أن تضعه على رأس قائمة أهدافها. فكانت تتحول الأصوات الهادرة إلى صمت مطبق لحظة بدء خطاب أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) – يأخذ خلالها المستمعون له جرعة من المعلومات والأمل الذي يبثه ذلك الملثم الذي اعتادوا عليه في مثل هذه المحطات منذ سنوات، وهو على قدر كبير من الصلابة والهمة وإدراك أهمية ما يقوم به سياسيًّا وعسكريًّا.
أبو عبيدة عُرِف بصوته الحاد وكوفيته الحمراء وعصبته الخضراء التي لا تفارقه في بياناته المصورة، ولطالما انتظرها وتابعها الملايين عبر العالم. فأبو عبيدة الذي اغتالته إسرائيل لم يكن مجرَّد لقب إعلامي عابر، بل تحول خلال نحو 20 عامًا مضت إلى أيقونة مرتبطة بمواجهة إسرائيل وجيشها، وكان الأكثر انتشارًا وتداولًا ليس فقط على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن في كافة أرجاء إسرائيل، كما في فلسطين والدول العربية والإسلامية ودول العالم. وكان آخر ظهور مصوَّر له في 18 يوليو 2025م قال فيه إن الفصائل الفلسطينية جاهزة لخوض "معركة استنزاف طويلة" ضد إسرائيل.
وبالتالي، بات أبو عبيدة رجلاً أقرب إلى الأيقونة أو الرمز، يختزل صوت المعركة والقضية برمتها أيام المواجهة. هذه وقد كان أبو عبيدة صوتًا لمرحلة أخرى من النضال الفلسطيني المسلح، فبين أجيال مختلفة ومشارب متنوعة، صنع أبو عبيدة لنفسه شعبية لم يطلبها ولم يكن ساعيًا وراءها، لكنها يندر أن تتكرر. فهو رجل من نوع آخر، فلا اسم ولا صورة أو ملف له لدى الموساد، أو الاستخبارات العسكرية، أو جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك)، وتظلُّ شخصيته مجرَّد تخمينات إسرائيلية.
وفي المقابل من ذلك، فقد لفت أبو عبيدة الأنظار منذ ظهوره عام 2006م بثباته وطلاقته وقدرته على اختزال المعلومات والأفكار، لكن حضوره في حرب غزة «طوفان الأقصى» بدا كبيرًا بحجم الإنجاز العسكري الذي تحقق يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023م، وبحجم ثبات المقاومة الفلسطينية على الميدان، وبحجم الارتباك الإسرائيلي. بالإضافة إلى أنه كان يمتلك المهارات الاتصالية الأساسية للتأثير، فهو أولاً الناطق الرسمي باسم أقوى فصيل سياسي وعسكري فلسطيني في غزة، مما يعطيه أولوية المتابعة. وكوفيته مفتاح رئيسي للمتابعة، فهي رمز فلسطيني عالمي، كما يعطي غموض شخصيته ولباسه نوعًا من الكاريزما اللازمة للتأثير، ويمزج في المخاطبة بين المرونة والبأس بنبرات صوته وهزات يده وطريقة تحريك أصابعه، ويسرد تفاصيل الأحداث والمعلومات العسكرية والسياسية بدقة وفق الأولويات، ودون إطالة وبلا انفعالية زائدة. وهكذا بنى أبو عبيدة صورته وحضوره المؤثر، بلا اسم حقيقي معروف، وبوجهه المخفي بشماغ أحمر وزيه العسكري مع علم فلسطين على الذراع اليسرى. وقد أعطى أبو عبيدة روحًا وقلبًا لمهمة الناطق العسكري الذي عادة يتكلم حقائق لا يرمي من ورائها كسب تعاطف، ولكن شخصية أبو عبيدة وحضوره وطبيعة المعركة جعلته أكثر من مجرَّد ناطق عسكري، فقد أصبح صوت معركة وقضية، وصوتًا يبعث على الأمل ويسكت السرديات الإسرائيلية آنذاك.
في 29 ديسمبر 2025م المؤلم، أعلنت كتائب القسام رسميًّا استشهاد أبو عبيدة بعد غارة إسرائيلية على موقعه في حي الرمال بغزة. وقد نعته الحركة وأشارت إلى أنه ترك وراءه إرثًا من الصمود والإعلام المقاوم.
اليوم، وبكل فخر وإجلال، يُنظر إلى أبو عبيدة على أنه أيقونة للمقاومة الفلسطينية ولمحور المقاومة في كل البلدان، حيث تجاوز دوره الإعلامي ليصبح رمزًا للثبات في وجه الاحتلال. فهناك أغان شعبية وأشعار تردد اسمه في مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي، وتظلُّ كلماته مصدرًا للأمل لدينا.. رحل أبو عبيدة مقبلًا غير مدبر، مواجهًا ومتحديًا مع رفاق دربه في النضال والجهاد والتضحية ضد العدوان الإسرائيلي الوحشي. وكلمته الأخيرة في نهاية كل خطاب له ما زال صداها يتردد في مسامعنا: "إنه لجهاد.. نصرٌ أو استشهاد".. أبا عبيدة، سلامٌ عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تُبعثُ حيًّا.