شؤون رياضية وشجون سياسية: أولمبياد العرب (48)

شؤون رياضية وشجون سياسية: أولمبياد العرب (48)

ملاحظة: "أولمبياد" تسمية يونانية لمسابقات رياضية كانت تقام قبل الميلاد وتُقام كل أربع سنوات. ومؤخراً طالب الإعلام الرياضي الخليجي بأن تُقام بطولة كأس العرب كل سنتين على غرار بطولة الأمم الأفريقية.

وهذه المطالبة غير منطقية؛ كون البطولات والمسابقات الكروية العربية والأسيوية للكبار والناشئين والشباب وتحت سن 23 سنة كثيرة.
عودة إلى الموضوع:
في العدد الماضي ذكرت أن جملة جوائز كأس العرب تبلغ36,500,000 دولار (ستة وثلاثين مليوناً وخمسمائة ألف دولار أمريكي). وهذا المبلغ هو الأعلى في تاريخ البطولة، بل في تاريخ البطولات الإقليمية والقارية، إذ يعرف المهتمون بالشأن الرياضي أن جائزة كأس الأمم الأفريقية تبلغ 32,000,000 دولار (اثنين وثلاثين مليون دولار أمريكي) وكسور، وأن جائزة كأس آسيا تبلغ 15,000,000 دولار (خمسة عشر مليون دولار أمريكي) وكسور.

كأس العرب: مواقف وتقييم وأرقام
بطولة كأس العرب هي فكرة أربعة أشخاص من زعماء حركة التحرر العربي، وهم:
جمال عبد الناصر – رحمه الله –.
عبد الفتاح إسماعيل – سلام الله عليه –.
علي سالم البيض.
نايف حواتمة –الله يحسن خاتمته –.
انطلقت بطولة كأس العرب بتاريخ 16/11/1963م. كان المنتخب اليمني حينذاك من أقوى المنتخبات العربية، حيث أن أول نادٍ للعبة كرة القدم في عدن هو نادي الاتحاد المحمدي الذي تأسس عام 1902م (نادي التلال الحالي يُعتبر امتداداً له). لكن المنتخب لم يشارك حينها؛ لأنه كان يُسمى "منتخب اتحاد الجنوب العربي"، قالوا المنظمين: إن الجنوب العربي هو جنوب اليمن، وهو كيان غير معترف به.
وفي السنوات اللاحقة من ستينيات القرن الماضي حتى عام 2021م، لم تكن دورات كأس العرب ذات أهمية بالشكل المطلوب كجامع رياضي عربي. فقد تأخرت بعض دوراتها أشهراً، ولم تُقام بعضها. لكن بعد اعتراف الفيفا بالبطولة ودعمها المالي لها، انتعشت، والجمهور الرياضي العربي تفاعل كثيرا مع البطولة، ولسان حاله يقول: إن التقارب والتضامن العربي من نافذة السياسة والساسة والمسؤولين العرب "كذبة كبرى"، لذلك لذلك ما معنا إلا التقارب العربي من بوابة الرياضة.

من هم أبطال كأس العرب؟
منذ انطلاق البطولة قبل 62 عاماً وحتى هذا الشهر، الأبطال هم على النحو التالي:
المنتخب العراقي: أحرز البطولة أربع مرات.
المنتخب المغربي: أحرز البطولة مرتين.
المنتخب السعودي: أحرز البطولة مرتين.
ثلاثة منتخبات عربية أحرزت البطولة مرة واحدة: وهي مصر، اليمن، الجزائر.
ملاحظة: لو قارنا أو فاضلنا بين المنتخبات الخمسة المذكورة، لوجدنا أن منتخب اليمن كان خلال عقد الستينيات والنصف الأول من عقد السبعينيات من أقوى المنتخبات العربية، أما اليوم فقد أصبح الأضعف!!
وهنا يبرز سؤال مفاده: لماذا نحن الأضعف؟؟ الإجابة في بطون المسؤولين من المهرة إلى صعدة.. والأسباب عديدة ليس المجال هنا لذكرها، من بينها "بحشامة المقتيت" وانشغالنا نحن اليمنيين بالضم والسربلة. نعم نعم.. نحن مشغولون بالضم والسربلة.. الشعوب طورت نفسها وطورت كل مجالات حياتها، أما نحن فما زلنا مشغولين بالضم والسربلة والتنظير البيزنطي، ولا خرجنا إلى طريق.

عودة إلى الموضوع:
إلى قبل عشر سنوات،كانت منتخبات عرب أفريقيا أفضل من منتخبات عرب آسيا، لكن في الوقت الراهن انعكس الحال إذا استثنينا المغرب، قال الفيفا الأسبوع الماضي: "إن المغرب حافظ على صدارته العربية والإفريقية ويحتل المركز 11 عالمياً". هكذا قال "الفيفا" عنه، وهي شهادة يعتز بها المغاربة.. أما بالنسبة للمنتخب الأردني، فقد طوَّر مستواه بشكل لافت خلال العقد الثاني ونصف العقد الثالث من القرن الحالي.

ملاحظة: إني لا أتحدث عن المستوى الكروي للمغاربة والأردنيين حديثاً آنياً أو مناسبة آنية انقضت قبل أيام قلائل، بل إنني أعرف مستواهم من قبل سنين طويلة. فمثلاً: ذهبت إلى الأردن في عمل رياضي (شطرنجي) عام 1999م – أي قبل 26 عاماً – وخلال الأسبوعين اللذين مكثتهما هناك، زرتُ بعض الأندية الرياضية وشاهدتُ بعض المباريات الكروية، ووجدت أن المستوى الكروي في الأردن كان متواضعاً.. أما في الوقت الراهن، فقد حقق الأردن مركز الوصيف في كأس العرب، وقبل ذلك ضمن وصول منتخبه إلى منافسات كأس العالم ضمن الفرق الصاعدة، وهو إنجاز رياضي كبير.
المثال الثاني: في شهر مايو من عام 2005م، كنت في المغرب العربي وتحديداً في مدينة أغادير الجميلة (بل أجمل مدينة عربية قبل بيروت)، ومكثت فيها مدة 12 يوماً. وعرفت عن قرب أن هناك – وفي مختلف مدن وأرياف المغرب – اهتماماً كبيراً بالرياضة بمختلف ألعابها الفرقية والفردية بشكل عام، وكرة القدم بشكل خاص.
عودة إلى الموضوع: إن قوة المنتخب المغربي لكرة القدم ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل هي نتاج شرعي للاهتمام الرسمي والشعبي بهذه الكبة "الساحرة".
إن قوة المنتخبات الكروية العربية في بطولة كأس العرب لم تقتصر على الفرق التي صعدت إلى المربع الذهبي، بل وجدت منتخبات في دور الثمانية من عيار: المنتخب الجزائري حامل اللقب السابق، والمنتخب الفلسطيني، والمنتخب العراقي، والمنتخب السوري.. أما منتخبات دور الـ16 بالإضافة إلى منتخبات الملحق التي رسبت من أول اختبار(مثل منتخبنا)، فمستواها مطلع منزل.
خلاصة القول: في هذا المقال الرياضي المغلف بالسياسة،أود القول: إن جمهور الرياضة العربي المليوني الذين حضروا إلى مدرجات الملاعب لمشاهدة المباريات، وعشرات الملايين الذين شاهدوا مباريات كأس العرب من شاشات التلفاز، جميع لسان حالهم يقول للقادة والساسة العرب: لقد فشلتم في إيجاد تضامن وتقارب عربي من نافذة السياسة، وها نحن نعمل على إيجاد تقارب عربي من بوابة الرياضة.


طباعة