الجنوب بين التفريط والارتهان: حين يصبح صُنّاع الأزمة أوصياء الحل

الجنوب بين التفريط والارتهان: حين يصبح صُنّاع الأزمة أوصياء الحل

في مشهدٍ سياسيّ بالغ الدلالة، يتكشّف واقع الجنوب اليوم بوصفه نتيجة حتمية لمسار طويل من التفريط والارتهان، لا كأزمة عابرة أو خطأ طارئ. فالذين تصدّروا المشهد يومًا تحت لافتات السلطة والتمثيل، هم أنفسهم من أوصلوا الجنوب إلى هذه الحالة من التشظي،

ثم عادوا ليقفوا على أنقاض ما صنعوه، يطلبون النجدة ممن كانوا شركاء في الهدم.
المفارقة الصارخة أن خطاب هؤلاء لم يتغيّر، رغم تغيّر الوقائع وسقوط كل المبررات. فما زالوا يتحدثون عن "حلول" من خارج السياق الوطني، وكأن التجربة المريرة لم تكن كافية لإثبات أن الارتهان لا ينتج استقرارًا، وأن من يسلّم قراره يفقد حق الادعاء بالإنقاذ. الجنوب، في هذا المشهد، لا يُدار بعقل الدولة، بل يُستنزف بعقل الوكالة.
لقد قادت هذه النخب الجنوب إلى الفوضى حين أدارت ظهرها للاستحقاقات الوطنية، وفتحت الأبواب لتدخلات عبثت بالجغرافيا والإنسان معًا. واليوم، وبعد أن تآكل حضورها وسقطت أوراقها، تحاول إعادة تقديم نفسها كوسيط حل، متناسية أنها أصل الأزمة لا ضحيتها. إنها محاولة مكشوفة لإعادة تدوير الفشل، وتغليفه بخطاب "الثقة" و"الحرص"، فيما الواقع يفضح خواء الكلمات.
الأخطر في هذا المشهد ليس التوسل بحد ذاته، بل تسويقه كخيار سياسي عقلاني. فكيف لمن أضاع البوصلة أن يدّعي القدرة على تحديد الاتجاه؟ وكيف لمن أشعل نار الانقسام أن يتحدث عن إطفاء نيران التشرذم؟ إن ما يُطرح اليوم ليس مشروع إنقاذ، بل هروب إلى الأمام، وتأجيل للاعتراف بالمسؤولية التاريخية.
الجنوب، في جوهر القضية، لم يكن يومًا بحاجة إلى أوصياء من الخارج، بل إلى إرادة وطنية مستقلة، ورؤية صادقة تعترف بالأخطاء قبل أن تبحث عن المخارج. غير أن من فرّط بالأرض والسيادة، لا يملك اليوم سوى الخطاب، ولا يقدّم سوى وعود مستهلكة لا تصمد أمام اختبار الواقع.
هكذا يتكرّس المشهد: الجنوب رهينة لمن فرّطوا به، وخطابات مصقولة تحاول تجميل الانهيار، بينما الحقيقة أكثر قسوة ووضوحًا. فالتحرر من الفوضى يبدأ بالتحرر من صانعيها، وأي حديث عن إنقاذ لا يمر عبر هذا الإدراك، سيظل مجرد كلمات... تُضاف إلى سجل طويل من الخسارات.


طباعة