حين يترجل فارس القلم الحر ويبقى الأثر
في وداع يثقله الحزن وتغشاه الدموع ترجل فارس من فرسان الكلمة الصادقة وغاب عن المشهد صحفي يمني ظل حاضرا بفعله قبل قلمه وبإنسانيته قبل مهنته.
إنه الصحفي المخضرم عبدالقوي علي الأميري الذي فقد الوسط الصحفي برحيله أحد أنبل رجاله وأكثرهم إخلاصا .. ذلك الرجل الذي عاش للصحافة كما عاش للناس وسخر عطاءه وعمره المهني الذي تجاوز خمسة وثلاثين عاما لخدمة الحقيقة والوطن والضمير المهني.
لم يكن عبدالقوي الأميري مجرد صحفي يؤدي عمله اليومي بل كان مدرسة قائمة بذاتها في الالتزام والانضباط وفي الإحساس العالي بالمسؤولية تجاه الكلمة وما تحمله من أثر.
عرفه زملاؤه قلما حرا لا يساوم وصوتا مهنيا هادئا لا يعلو بالضجيج لكنه يصل بعمقه وصدقه .. كانت كتاباته وتحقيقاته وتحليلاته السياسية تنطلق من وعي وطني صادق وتستند إلى معرفة دقيقة بالواقع فأسهمت في تعزيز الوعي العام وكرست مكانته كأحد الأقلام الموثوقة في الصحافة اليمنية.
تنقل الفقيد خلال مسيرته بين عدد من أبرز المؤسسات الإعلامية فكان حاضرا بجهده وتميزه في صحيفة وموقع “26 سبتمبر” كما عمل في صحف “الجمهورية” و“الجمهور” و“اليمن” وترك في كل مؤسسة بصمته المهنية الواضحة.
وفي أروقة المحاكم وقاعات النيابات عرف بدقته اللافتة وسرعته في الوصول إلى المعلومة حتى صار مثالا للصحفي الميداني اليقظ الذي لا يكتفي بالنقل بل يتحرى ويدقق ويستقصي واضعا شرف المهنة فوق كل اعتبار.
إلى جانب تميزه الصحفي والمهني تميّز عبدالقوي الأميري أكثر بحضوره الإنساني الطاغي .. كان قلبه الواسع يتقدم خطاه أينما حل لا يتأخر عن سؤال ولا يبخل بموقف ولا يتردد في الوقوف إلى جانب زميل أو صديق في محنة.
عرفه الجميع إنسانا نقي السريرة متواضعا كريم المشاعر شجاعا في الحق لا تأخذه لومة لائم حين يتطلب الموقف نصرة مظلوم أو مساندة محتاج.. ولذلك لم يكن رحيله فقدان صحفي فحسب بل خسارة إنسان نادر ترك أثرا عميقا في النفوس قبل أن يتركه في الصفحات.
كانت مراسم تشييع الفقيد في العاصمة صنعاء والصلاة عليه في جامع الكميم ثم مواراته الثرى في مقبرة ماجل الدمة شاهدا صادقا على مكانته ومحبة الناس له حيث شارك في وداعه مسؤولون وأكاديميون وإعلاميون وزملاء درب التفوا حول نعشه كما التفوا حول سيرته في حياته. ينحدر الفقيد من منطقة كشران بمديرية شرعب السلام في محافظة تعز وهي الأرض التي حمل معه قيمها وأصالتها أينما ذهب وظل وفيا لجذوره معتزا بانتمائه حتى آخر أيامه التي قضاها في صراع صبور مع المرض.
رحل عبدالقوي الأميري عن عمر ناهز التاسعة والخمسين عاما لكن أثره تجاوز حدود العمر وسيبقي حيا في ذاكرة زملائه ومحبيه وفي كل سطر كتبه بصدق وفي كل موقف إنساني سجله بصمت.
برحيله تتسع فجوة الغياب في الوسط الصحفي ويشتد الشعور باليتم المهني والإنساني غير أن سيرته العطرة ستظل نبراسا للأجيال القادمة من الصحفيين تذكرهم أن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة وأن الكلمة لا تكتمل قيمتها إلا حين يسندها قلب رحيم وضمير حي.
رحم الله الفقيد الصحفي عبدالقوي علي الأميري وأسكنه فسيح جناته وجعل ما قدمه في ميزان حسناته وألهم أهله وذويه وزملاءه ومحبيه الصبر والسلوان.( إنا لله وإنا إليه راجعون).