ابحثوا عن المخلصين!
لا ينهض بأي وطن إلا المخلصون له، والعاملون لأجل ارتقائه وتقدمه، وهذه النوعية من البشر لا بد وأن يطغى عددها في أي مجتمع ضمن قطاعاته المختلفة.
إن كنت تريد الاطمئنان عن الوطن، فلا تتوقع أن يتطور الوطن عبر قطاعاته إن كان كثير من القائمين على المسؤوليات لا يقعون ضمن خانة «الإخلاص» للوطن.
وحين نقول الإخلاص فنحن لا نشير إلى نقيضه المتمثل بـ«الخيانة» الصريحة، في حال كنا نتحدث عن تطوير وارتقاء؛ لأن الخيانة كمفهوم صريح تعني استهداف الوطن بهدف القضاء على أمنه واستقراره وعلى نظامه وإحلال شيء بديل عنه، وهذا توصيف الخيانة الذي يطرق العقل مباشرة.
لكننا حينما نتحدث مهنيًا عن تحمل المسؤولية والعمل بإخلاص لأجل الوطن، فإن هناك أنواعاً من «الخيانات المهنية»، هي لا تعني خيانة الوطن ونظام الحكم فيه، لكنها تعني خيانة الوطن من ناحية عدم الإخلاص مهنيًا له. وانعدام هذا الإخلاص يعني وجود خيانات في الحفاظ على مكتسبات الوطن، خيانات في صون المال العام، خيانات في الحفاظ على الكوادر البشرية، خيانات في إدارة مختلف القطاعات بطريقة صالحة تبني ولا تهدم.
لذلك يكون الحديث عن المخلصين للوطن وشعبه مهنيًا أمرًا هامًا جدًا؛ لأن هذا النوع هو الذي يحتاج إلى اكتشاف، وأعني من يخونون الوطن عبر انعدام الإخلاص «المطلق» له، إذ هذه الشريحة هي التي تصنع التراجعات، وهي التي ترتكب المخالفات، وهي التي تلعب بالمقدرات.
المخلص لوطنه هو الشخص المثالي في كل تعاملاته، هو صاحب الوطنية الساكنة في قلبه بحيث لا يوجد ما هو أغلى من الوطن عنده، وبناء عليه يكون مخلصاً لوطنه في عمله، وفي الحفاظ على أمواله، وفي إدارة المسؤولية بكل عدالة وإنصاف ونظافة ونزاهة، ويكون مخلصاً في سعيه لتحقيق الأهداف المرسومة؛ لأن تحقيقها يعني إفادة الوطن والارتقاء بها.
عملية البحث عن المخلصين ليست صعبة، صدقوني، فكثير من أبناء هذا الوطن مخلصون له حتى النخاع، ويمكنك أن تقيس ذلك عبر متابعتهم ولن أقول مراقبتهم؛ لأن أقوالهم وأفعالهم ستكشف لك وجود مبادئ وأخلاقيات كلها منبعها الحب للوطن.
المخلصون للوطن لا يسرقونه، ولا يلعبون في مقدراته، ولا يتفرعنون ويطغون لو وصلوا لمناصب قيادية، ولا يتهاونون أو يستهترون لو ولوا الثقة فيه، وهم من لا تغيرهم الكراسي، ولا تشكل شخصياتهم المناصب، وهم من ينجزون ويسعون جاهدين لحل مجمل المشاكل والأخطاء، بل لا يقبلون بالأخطاء أو استمراريتها.
تريدون المخلصين، والله ستجدونهم بسهولة؛ فأهم معيار أنهم أفراد لا يقبلون على أنفسهم ممارسة سوء الإدارة، وسوء التعامل مع المال العام، وسوء التصرف مع البشر. وهناك قاعدة ذهبية تقول بأن من تجده يرتكب الأخطاء ويواصل فيها، ومن تجده يتعايش مع الأخطاء ويحولها لنمط عادٍ جدًا، ومن ترى قطاعه يتراجع ويفشل في تحقيق أهدافه، فهذا أبداً ليس مخلصاً لمكانه وموقعه؛ لأن الإخلاص ليس الحفاظ على المال فقط، بل الإخلاص هو أن تنجح في المسؤوليات والمهام والأعمال الموكلة لك، وأن تكون أهلاً للثقة عبر تحقيقك الأهداف المرسومة لك.
المخلصون أصحاب الضمائر الحية والأيادي النظيفة، وأصحاب المبادئ والأخلاقيات هم من ينهضون بالوطن وشعبه، وهم من يحققون لك الأهداف، حتى وإن كانت مستحيلة.