الاغتيال الذي فتح أبواب الغضب

الاغتيال الذي فتح أبواب الغضب

لم يكن اغتيال القائد الجهادي الكبير الشهيد هيثم علي الطبطبائي "أبو علي" في قلب الضاحية الجنوبية مجرد عملية عابرة، بل كان اختراقًا غادرًا يعكس حقيقة كيانٍ لا يستطيع العيش إلا على الدم، ولا يجد نفسه إلا وسط الخراب والنار.

كيانٌ وُلد من رحم الجريمة، ونشأ في بيئة الخيانة، وتمت تربيته على ثقافة نقض العهود وتجاوز القانون الدولي، وازدراء كل ما يمتّ للإنسانية بصلة..فالكيان الإسرائيلي لم يلتزم يومًا، لا في لبنان ولا في فلسطين، بأي اتفاق لوقف إطلاق النار، لأنه ببساطة لا يعترف إلا بمنطق القوة والغطرسة، ولا يرى في المنطقة شعوبًا لها حقوق، بل فرائس يجب اصطيادها كلما احتاج إلى رفع معنويات جنوده أو ترميم صورته المتداعية أمام العالم.
وليس خافيًا على أحد أن هذا السلوك العدواني ينمو تحت مظلة أمريكية تمنح إسرائيل شيكًا مفتوحًا على كل المستويات: دعم عسكري مباشر يشمل أحدث الأسلحة، ودعم استخباراتي يمكّنها من تنفيذ اغتيالات داخل عواصم عربية، ودعم إعلامي يقلب الحق باطلًا ويصوّر الضحية مجرمًا والجلاد مدافعًا عن نفسه..أما مجلس الأمن الدولي، فقد تحوّل بفضل الفيتو الأمريكي إلى منصة لإجهاض العدالة ودفن القرارات الدولية، وتمرير الجرائم الصهيونية تحت غطاء الحماية الغربية. لم يعد المجلس مجلسًا للأمن، بل غرفة عمليات سياسية تحمي القاتل وتحاصر الضحية..هذه ليست مجرد انحيازات، بل شراكة كاملة في الجريمة.
إن ما حدث في الضاحية الجنوبية امتداد طبيعي لكيان مرتبك فقد هيبته في غزة، وتكسرت أساطيره البحرية في البحر الأحمر، ووجد نفسه عاجزًا في كل الجبهات المفتوحة..فاختار أن يهرب إلى العمليات النوعية التي تستهدف القادة، ليثبت صورة القوة التي انهارت في الميدان، لكنه لم يدرك أن زمن رهانه على الاغتيالات قد انتهى، وأن معادلة الردع التي فرضتها المقاومة في لبنان منذ 2006 لم تعد مسألة حدود أو صواريخ، بل تحوّلت إلى رعب استراتيجي يلاحق تل أبيب ليلًا ونهارًا، ويدفع مستوطنيها للهرب من الشمال وكأنها منطقة منسية على حافة الانهيار.
اليوم، تعيش المنطقة تحوّلًا جذريًا في موازين القوى، فاليمن فرض معادلة بحرية قلبت حسابات واشنطن وتل أبيب، ولبنان يستنزف العمق الاستراتيجي للعدو كل يوم، وغزة حطمت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، فيما العراق وسوريا أنهيا زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة..هذه الوقائع ليست شعارات، بل مؤشرات على أن زمن التفرد الإسرائيلي انتهى بلا رجعة، وأن زمن الشعوب قد بدأ. وفي هذا السياق، تتقاطع رؤية السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي — يحفظه الله — مع طبيعة المرحلة، حين أكد أن العدو يعيش آخر فصول مشروعه، وأن كل تصعيد يقوم به ليس إلا صرخة يأس يحاول من خلالها أن يخفي خوفه وانهياره الداخلي.
لقد أراد الاحتلال بهذا الاغتيال أن يرسل رسالة قوة، لكنه لم يفهم أن دم القادة لا يطفئ جذوة المقاومة، بل يشعلها أكثر. وأن الشهيد "أبو علي" لن يكون نهاية معادلة، بل بداية مرحلة أشد وجعًا على العدو، وأثقل كلفة عليه، وأكثر إحراجًا لحُماته في واشنطن والعواصم الغربية..السؤال الحقيقي اليوم ليس ماذا أرادت إسرائيل، بل هل هي مستعدة لنتائج ما اقترفته؟ والإجابة يعرفها العدو جيدًا، وهي التي تجعله يرتجف كلما سقطت قذيفة في شمال فلسطين المحتلة، وكلما أعلن اليمن عن عملية جديدة في البحر الأحمر، وكلما ارتفعت راية المقاومة في أي ساحة من ساحات الأمة..الاغتيال رسالة، لكن الرد سيكون الرسالة الأكبر، والأيام القادمة ستكشف أن الكيان لم يفتح بابًا على الضاحية فحسب، بل فتح على نفسه أبواب غضب لن يستطيع إغلاقها.


طباعة