رهان سعودي خاسر

كانت السعودية تراهن منذ بداية العدوان على اليمن على أن دخول صنعاء في مواجهة مباشرة مع العدو الإسرائيلي سيؤدي إلى إنهاكها واستنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية، ظنًّا منها أن معركة الإسناد لغزة ستكون عبئًا يفوق طاقة اليمن، وأنها ستفتح باب الضعف والانهاك أمام القوى الوطنية.

رهان سعودي خاسر

لكن الواقع جاء مغايرًا تمامًا لتلك الحسابات. فبدلًا من أن تضعف اليمن، نمت قدراتها، وتراكمت خبراتها، وتوسّعت ميادينها، حتى غدت اليوم — كما أكد قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي — أقوى من أي وقت مضى بفضل الله تعالى وبفضل صمود شعبها وتكامل جبهاتها.
لم تكن الحرب مع العدو الإسرائيلي والأمريكي في معركة الإسناد لغزة فصلًا جديدًا منفصلًا عن سياق العدوان، بقدر ماكانت امتدادًا طبيعيًا لمسارٍ بدأ منذ سنوات، وتحوّل اليوم إلى معركة إقليمية عنوانها الدفاع عن فلسطين ومواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة.
هذه الحرب لم تمحُ الملفات السابقة ولم تُغلقها، بل أعادت ترتيبها في سياق أوسع يربط بين العدوان على اليمن والعدوان على غزة باعتبارهما وجهين لعدوان واحد تقوده واشنطن ويُنفّذه الكيان الصهيوني عبر أدواته في المنطقة.
تحاول السعودية اليوم أن تُظهر وكأن المشكلة بدأت من جديد، وأنها تسعى إلى التهدئة والانفراج، لكن الحقيقة أن الرياض لم تتنصل من التزاماتها تجاه اليمن، بل استمرت في العدوان بأشكال متعددة، انتقلت من القصف المباشر إلى العدوان الاقتصادي، ومن الحرب العسكرية إلى الحرب الناعمة والاستخباراتية.
فالسعودية لا تزال — كما تشير المعطيات الميدانية والاستخباراتية — تُقدّم خدمات أمنية ومعلوماتية للكيان الصهيوني في البحر الأحمر، وتساهم في محاولات رصد النشاط اليمني العسكري والبحري، بالتنسيق مع الأمريكيين والإسرائيليين، ضمن أدوار “التحالف الجديد” الذي يتخذ من البحر الأحمر ميدانًا للسيطرة والابتزاز.
كما أنها تواصل دعمها العلني والخفي للفصائل المرتزقة في المحافظات المحتلة، وتستحدث تشكيلات جديدة تحت مسميات مختلفة، في عدن وحضرموت والمهرة وسقطرى، لتبقى هذه المناطق رهينة النفوذ الأجنبي، ولتستخدم تلك الفصائل كأدوات ضغط سياسي وعسكري ضد صنعاء.
هذه الممارسات، إلى جانب التضييق الاقتصادي المستمر وإغلاق المنافذ وعرقلة حركة التجارة والوقود، تشكّل استمرارًا ممنهجًا للعدوان لا يقلّ خطورة عن الغارات الجوية.
اليمن من جانبه لم يعد كما كان في بدايات الحرب. فالسنوات الماضية شكّلت مدرسة عسكرية وسياسية متكاملة، بنت قدرات متطورة في كل المجالات: من التصنيع العسكري إلى الدفاع الجوي والبحري والصاروخي، ومن الوعي الاستراتيجي إلى الصلابة الاقتصادية والإدارية.
ومعارك البحر الأحمر أثبتت أن اليمن اليوم يملك زمام المبادرة، وأن توازن الردع تجاوز حدود الجغرافيا ليصبح معادلة إقليمية تفرض حضورها على الأمريكي والإسرائيلي والسعودي معًا.
إن الرهان السعودي على إنهاك اليمن بعد المواجهة الطويلة مع العدوين الإسرائيلي والأمريكي هو رهان خاسر، لأن هذه المعركة بالنسبة لليمنيين ليست عبئًا بقدر ماكانت شرفًا ومسؤولية دينية وإنسانية، ولأنها أعادت تعريف موقع اليمن في معادلة الصراع الكبرى في المنطقة.
اليمن الذي كان هدفًا للعدوان أصبح اليوم محورًا في معادلة التحرر، وصوتًا حاضرًا في معركة الأمة.
تعيش السعودية الآن حالة ارتباك استراتيجي بعد أن وجدت نفسها أمام يمنٍ أقوى، وجيش أكثر صلابة، ومعادلات جديدة فرضتها صنعاء بوعي سياسي وميداني متنامٍ... فاليمن الذي واجه تحالفًا من أكثر من عشر دول، ثم واجه أمريكا وإسرائيل في البحر الأحمر، لم يعد يُخيفه الحصار ولا يُرهقه الاستنزاف، بل بات أكثر تماسكًا وثقةً بنصره، وهو ما تؤكده مواقف قيادته التي تُدرك أن العدوان لم يتوقف، لكنه تغيّر في الشكل والأسلوب، وأن المواجهة مستمرة حتى ينتهي الاحتلال ويرحل العدوان عن كل شبر من أرض اليمن.
يدرك اليمن أن العدوان لم يتوقف، لكنه تغيّر في الشكل، وأن معركة التحرر لم تنتهِ إلا بخروج آخر جندي أجنبي من أرضه، وباستعادة كل الموارد والموانئ والثروات.
اليمن اليوم يسير في مشروعٍ استراتيجي للتحرر الكامل — سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا — وصولًا إلى بناء دولةٍ مستقلةٍ بقرارها، تشكّل نموذجًا في الحرية والسيادة وتكافؤ المصالح، بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية والسعودية.


طباعة