أستاذ التاريخ القديم بجامعة صنعاء الدكتور عبدالله أبو الغيث لـ (اليمن): أساتذة التاريخ في الجامعات الإسرائيلية يستقبلون الوفود العربية
التاريخ هو صندوق خبرات الأجداد القدامى اللذين تمكنوا بوحدتهم السياسية والاجتماعية وتكاملهم الاقتصادي أن يبنوا واحدة من أرقى الحضارات القديمة
خاص - صحيفة اليمن - حوار : عبدالله عبدالسلام
في العالم رغم تعدد الدول في جغرافية واحدة، ولعل اليمن تعد من أبرز تلك الحضارات رغم أن ما وصل إلى أيدي المؤرخين من تاريخ اليمن القديم هو القليل جداً مقارنة بالحضارات الأخرى التي شهدت عملية تنقيب شاملة كمصر والعراق، ولأن للتاريخ مؤرخين يحافظون على إرثنا التاريخي والحضاري ويردعون كل الملفقين الذين هدفهم صنع تاريخ لا وجود له، التقت صحيفة (اليمن) بأحد المؤرخين اليمنيين واساتذة التاريخ القديم والعلاقات الدولية في (قسم التاريخ والعلاقات الدولية) بجامعة صنعاء هو الأستاذ الدكتور عبدالله أبو الغيث، إلى نص الحوار:
التاريخ حلقات مترابطة:
- رغم البعد الزمني بين التاريخ المعاصر والتاريخ القديم ... هل يرى الدكتور عبدالله تكراراً للأحداث أو تشابهاً بين تاريخين أو عصرين لاسيما في اليمن؟
-- هناك رأي يؤيد المقولة التاريخية التي تقول إن (التاريخ يكرر نفسه) ورأي آخر يرفض هذه المقولة ويقول إن التاريخ لا يكرر نفسه، أما الرأي الثالث الذي أميل إليه أنا يقول أن الأحداث تتشابه فيما بينها من عصر تاريخي إلى آخر ولكن بصناع جدد للأحداث.
وما دمنا نتحدث عن موقع جغرافي واحد الذي هو اليمن فيمكن أن نقول إنه إذا تشابهت الأسباب سنجد أن ذلك سيؤدي إلى تشابه الأحداث بشكل أو بآخر، قد لا نسميه تكراراً للتاريخ ولكن تشابها لأحداث التاريخ على مر العصور التاريخية المختلفة، ولذلك يقال عندما ندرس التاريخ أن الهدف من دراسته أخذ العظة والعبرة، ويُعرف التاريخ بأنه معرفة الماضي لنفهم الحاضر ونستشرف المستقبل، والتاريخ كما نقول دائماً لطلابنا هو مخزون خبرات الأجداد عبر آلاف السنين.
ويمكننا أن نستقي تلك العظات والعبر من ذلك المخزون عن طريق الرجوع إلى الأحداث المشابهة التي نمر بها الآن، ونرى كيف عالجها الأجداد بحنكة وذكاء وتمكنوا من الخروج من مشاكلهم، وبالتالي يمكن أن نستفيد من خبراتهم لنخرج من أوضاعنا الحالية الصعبة.
ونستطيع أن نقول إن التاريخ هو حلقات متسلسلة مترابطة القديم والإسلامي فالحديث وثم المعاصر، ومن المؤكد أن يحدث تشابه بين أحداث كل فترة وأخرى سواء في اليمن أو في أي بلد أخر.
أرقى الحضارات في العالم:
- برأيك.. ما الفرق بين أوضاع اليمن في التاريخ القديم والتاريخ المعاصر من الناحية السياسية والمعيشية؟
-- أنا بصفتي أستاذ (تاريخ اليمن القديم) أراه في معظمه كان عبارة عن أمجاد وإنجازات تحسب لليمنيين القدامى، وبرغم وجود تعدد سياسي بين الدول اليمنية القديمة لكن كانت هناك حضارة واحدة وتكامل تصنعه تلك الدول المتعددة سياسياً في كل جوانب الحياة.
وبذلك استطاع أجدادنا أن يؤسسوا واحدة من الحضارات القليلة في العالم القديم، واستحقت أن تكون واحدة من أرقى تلك الحضارات، بينما ما نعيشه في تاريخنا المعاصر من حروب وتدخلات خارجية الجميع يعرف ما يحدث في اليمن.
وأتمنى من الساسة بكل تياراتهم واتجاهاتهم أن يعودوا للتاريخ لأخذ العظات والعبر، فمشكلتنا ليست في اليمن فقط ولكن العرب بشكل عام لم يستفيدوا من تاريخهم وماضيهم، وحتى إذا عدنا للتاريخ نعود لنجلب المآسي والحروب بينما أوروبا عندما عادت للتاريخ جلبت عصر الرقي اليوناني والروماني وأهملت العصور الوسطى التي كانت بالنسبة لهم عصورا مظلمة.
بينما نحن نغفل ونترك عصر الازدهار والنمو ونستقي فترات الضعف ونعود لمآسي "داحس والغبراء" من جديد، والمشكلة ليست في التاريخ المشكلة في طريقة تعاملنا معه، فكثير من الشعوب تستفيد من تاريخها وقبل دخولها في علاقاتها الدولية مع الدول المجاورة لها تستعين بأساتذة التاريخ، مثلا المحاور الإسرائيلي عندما يذهب لمحاورة أي وفد لدولة عربية، وللأسف نسمع بين الحين والآخر حركات التطبيع المخزية من قبل بعض الدول العربية، يذهب ومعه أساتذة التاريخ العربي بالجامعات الإسرائيلية لأنهم يقدمون له لمحة عن طبيعة هذا المجتمع عن أسلوب تفكيره.
فيما الجانب العربي آخر ما يفكر فيه هو أستاذ التاريخ، لأن حكامنا فهموا التاريخ على أنه قصص وحكايات لا فائدة منها، ولم ينظروا للتاريخ كنظرة الشعوب والأمم الأخرى إليه، وهي نظرة استراتيجية بعيدة المدى.
موقع اليمن نعمة ونقمة:
- كيف تقرؤون أهمية موقع اليمن بالنسبة للقوى الأجنبية على مر التاريخ؟
-- هناك علاقة يمكن أن نسميها العلاقة بين الموقع الجغرافي والموضع الجغرافي، فالموقع الجغرافي هو موقع أي بلد على طرق التجارة الدولية، أما بالنسبة للموضع هو وجود جغرافية نشطة داخلية، وميزة اليمن أنها جمعت بين موقع ممتاز وموضع أيضاً ممتاز، وثالث العناصر إنسان يمني نشط يشهد له عبر التاريخ إلى اليوم أنه أنشط العناصر السكانية.
هذه العوامل الثلاثة عندما تجمعت أنتجت حضارة زاهية في اليمن في عصور ما قبل الإسلام، لكن الموقع الجغرافي مثلما هو نعمة هو نقمة.
وأي بلد يتمتع بموقع جغرافي متميز على طرق التجارة الدولية كاليمن يكون موقعه الجغرافي نعمة ونقمة بنفس الوقت، فاليمن مطل على بحر العرب ومن ورائه المحيط الهندي، وعلى البحر الأحمر ومن ورائه دول البحر الأبيض المتوسط ويتحكم بمضيق باب المندب.
ويكون الموقع الجغرافي نعمة عندما يكون هناك دولة قوية موحدة متماسكة تستطيع أن تستغل ميزة هذا الموقع الجغرافي الفريد فيصبح نعمة.
وهو ما فعله أجدادنا القدامى في معظم تاريخهم، ويصبح الموقع نقمة عندما يحدث صراع داخلي وتفتت في الجبهة الداخلية وعندما يصبح الصراع الداخلي فإن ذلك يجلب أنظار الدول الطامعة إليك ويأتي كل طرف يريد أن يسيطر على هذا الموقع ويتحكم به، في حين لم يكن بمقدوره التحكم عندما كانت هناك سلطة قوية ومجتمع متماسك.
ودعني أحدثك من خلال تاريخنا القديم والإسلامي والحديث حتى اليوم عندما يكون المجتمع متماسكا ومتفاهما ويكون هناك اتفاق بين كل مكوناته تكون هناك دولة قوية، ولا يستطيع أحد أن يتدخل في شؤونها والعكس عندما يحدث بعد ذلك تنازع وصراع بين الطرف وذاك وكل طرف يريد أن يستأثر بالحكم لنفسه.
لا أستطيع أن أقول أن موقع اليمن نعمة بشكل مطلق ونقمة بشكل مطلق، لكن نحن نجعله نعمة ونحن من نجعله نقمة بسلوكياتنا، أما أجدادنا في التاريخ القديم من مطلع الألف الثاني قبل الميلاد فقد أنشأوا طريق البخور الذي يربط بين الهند ودول البحر الأبيض المتوسط، واستطاعوا أن يجعلوا من موقعهم نعمة ويتحكمون به إلى ما قبل بداية العصور الميلادية، حتى بدأت الدول تتصارع وتتنافس وبدأت الأطماع تظهر بدايةً بالحملة الرومانية وما أتى بعدها من تدخلات في العصر القديم أو العصر الإسلامي أو الحديث.
الرد على الربيعي:
- الكثير اليوم يتحدث عن أحداث التاريخ القديم لاسيما في منصات التواصل وتحديداً اليوتيوب .. ترى كيف تتابع ذلك وما صحة ما ينشر؟
-- نعم نتابع بعض ما ينشر وسأستغل المقابلة هذه لأحذر مما ينشر، لأن البعض يعتقد أنه من حقه أن يتحدث في التاريخ وهذا غير صحيح، لأن التاريخ علم مثله مثل أي علم آخر، فأنا وأنت لا يمكن لنا أن نفتي في موضوعات خاصة بالطب أو الهندسة أو الشريعة أو الإعلام أو غيرها من الجوانب المختلفة، أيضاً ليس من حق أي أحد لم يدرس التاريخ بشكل منهجي أن يفتي بالجوانب التاريخية، ومن له الحق في ذلك هم أهل التاريخ ودارسوا التاريخ.
وللأسف الأبحاث التي يقومو بها هؤلاء الطلاب أو أساتذة التاريخ لا يلتفت لها أحد أو على الأقل من ينشر لك بحثك، بينما من يبحثون في التاريخ عن الإثارة ويجعلونه نوع من الاستعراض مع الأسف تنتشر فيديوهاتهم ومقابلاتهم سواء كانوا يمنيين أو غير يمنيين وتنتشر بصورة أكبر.
دعني أتحدث عن بعض المقابلات التلفزيونية خصوصاً ما يفعله من يسمي نفسه مؤرخاً "فاضل الربيعي" وهو ليس مؤرخاً هو أستاذ لغة ويتحدث عن تاريخ يصنعه هو عبارة عن تشابه الألفاظ أو المسميات، مثلاً اسم "حضور" في اليمن يقول هي "مملكة حصور" في فلسطين، ومثل هذه الأمور ومع الأسف مقابلاته تنتشر، بينما التفنيدات التي نقدمها نحن لا تلتفت لها وسائل الإعلام لتفنيد ما يطرح.
وأتمنى أنا من القنوات الفضائية اليمنية أن تتفرغ لذلك وتستضيف عددا من الدكاترة المختصين في قسم التاريخ بجامعة صنعاء أو غيرها من الأقسام في الجامعات اليمنية المختلفة، وتطلب منهم تفنيد هذه المزاعم ومنها القول أن أرض التوراة كانت في اليمن وليست في فلسطين.
وعلينا أن نعرف ماهي أهداف الربيعي وكمال الصليبي من قبله وغيرهم ممن يروجون لهذه الفكرة، وعلى القنوات أن تضع برامج إعلامية تاريخية وتستعين بدارسي التاريخ من الدكاترة ومن الطلاب المختصين في مجالهم.
لدينا في اليمن من التاريخ ما يكفي ويجعلنا أكثر فخراً وزهواً أمام العالم، ولسنا بحاجة لتلفيقات تضاف هنا أو هناك، لأن التلفيقات تلجأ لها الدول والشعوب التي لا تاريخ لها، لكن نحن لنا تاريخ إذا اهتمينا به وأبرزناه وحفظناه من الاندثار يكفينا عن التلفيقات التي لا حاجة لها، فاليمن لديه حضارة قديمة قبل الإسلام، وبعده كان لليمن نصيب من إحدى أزهى الحضارات التي عرفها العالم.
وأحياناً مع الأسف نجد بعض اليمنيين سعداء لما يقوله فاضل الربيعي أولاً هم ولا يدركون خطورة من يقف وراءه ولماذا يقول أن أرض التوراة في اليمن هل يخدم اليهود، ثانياً فاضل يعتمد على تشابه أسماء كما قلت في البداية، مثلاً التوراة تتحدث عن اورشليم التي هي القدس وتتحدث عن المناطق القريبة منها ضواحي القدس، هو يبحث عن مسميات متشابهة ويلفقها ويقول القدس هي قدس وجبل برع التي هي في التوراة هي جبل برع في تهامة، مع أن المسافة بين قدس وبرع حوالي 200 كيلو، ويبوس التي هي من أسماء القدس هي بيت بوس في صنعاء كما يقول الربيعي، ولك أن تقيس المسافة بين قدس وبرع وبيت بوس.
ذات مرة كنت في جدال مع أحد المدافعين عنه، قلت أخبره أن في تعز حي أسمها (صينه) فالصينيين من ذلك الحي وهناك في تعز منطقة اسمها كندة ولا بد أن دولة كندة من اليمن نسبة لهذا، والسواد في صنعاء يمكن أن نقول أن دولة السويد من هذه المنطقة، وبلاد الروس هي أصل روسيا وممكن أن نصنع من ذلك التاريخ الكثير والكثير.
فوظيفة المؤرخ هي توثيق الأحداث بأدلة ووثائق تثبت صحة كلامه وليس من مسميات، وأنا مستعد لإجراء مناظرة في أي قناة مع الربيعي نفسه وليس مع أحد المدافعين عنه، وأتمنى أي قناة فضائية عربية أو يمنية تستدعي فاضل وتستدعي أي مؤرخ يمني ممن يرفضون أفكاره سواء انا أو غيري.
مصادر التاريخ القديم:
- البعض لا يعرف ما هي مصادر التاريخ القديم .. هل الروايات المتداولة تستند إلى أسس علمية واضحة بالنسبة لكم كأكاديميين؟
-- نحن في التاريخ القديم مصادرنا معروفة وهي اللغات القديمة والآثار التي تركها صناع الأحداث أنفسهم، هذه بالنسبة لنا تعتبر مصادر أساسية، تأتي بعدها المصادر المعاصرة لها كالمصادر اليونانية والرومانية والآشورية، وفيها ما يمكن أن نستفيد منه وفيها ما يمكن أن نرفضه، وكذلك كتب الروايات العربية الإسلامية التي أتت بعد ذلك أنا اعتبرها مصدر من مصادر التاريخ القديم لكن بحذر.
ونعتبرها مصدرا من مصدر التاريخ الإسلامي لأنها عاصرت الأحداث لكن بالنسبة لي هي لم تكن معاصرة لأحداث التاريخ القديم، مثلا عندما تأتي تلك الروايات العربية تتحدث عن ملكة سبأ في القرن العاشر قبل الميلاد والقران الكريم كان صريحاً وذكرت القصة في التوراة وهي متشابهة مع القران مع بعض الاختلافات، ولم نصل لقصة الملكة سبأ من النقوش التي تسميها كتب الروايات باسم بلقيس، والتاريخ لا يكتب إلا بمصادر موثوقة ولا يفهم من كلامي ألا نتخذ الروايات العربية مصدر لكن نخضعها للتحقيق والتحليل حتى نتأكد منها.
اليمن قبل الإسلام:
- هل بالفعل أن اليمن كان من القوى العالمية الكبرى في التاريخ القديم وتحديداً ممالك معين وسبأ؟ ووصول نفوذ تلك الدول الى كل الجزيرة العربية؟
-- الممالك اليمنية القديمة كانت متعددة ويمكن أن نقسم تلك المرحلة إلى قسمين قسم شهد تعددا سياسيا كان من مطلع التاريخ حتى نهاية القرن الثالث الميلادي، وقسم شهد وحدة سياسية بدأت علي يد التبع الحميري شمريهرعش من أواخر القرن الثالث الميلادي حتى مطلع القرن السادس الميلادي عندما سقطت اليمن على يد الأحباش.
وررغم وجود تعدد سياسي كانت دولة سبأ بمثابة دولة مهيمنة على اليمن القديم وفي فترات معينة كانت تذهب الهيمنة لدولة أخرى كقتبان أو حضرموت وبرغم التعدد السياسي ظلت الحضارة واحدة، لدينا دول متعددة ولكن حضارة واحدة لن نستطيع ان نقول الحضارات اليمنية بل الحضارة اليمنية.
وكان اليمنيون يتحكمون بطريق الحرير وطريق البخور الذي كان طريق عالمي ودولي، وكانوا يديرون تلك التجارة العالمية وظلوا يتحكمون بهذا الطريق على الأقل من مطلع الألف الثاني قبل الميلاد إلى بداية العصور الميلادية، عندما ظهر المنافسون وحرص البطالمة في مصر على أن يحولوا الطريق التجاري إلى البحر الأحمر، ولكن مع ذلك ظل الطريق البري يحتفظ بمكانته قرون عديدة.
وتمكنت دولة سبأ من فرض هيمنتها على كل شبكة الطرق في الجزيرة العربية كانت كلها واقعة تحت سيطرتها سواء بنت مستوطنات أو عن طريق الحملات العسكرية أوعن طريق تأليف القبائل واشراكها وجعلها تدور في فلك السبئيين.
أيضاً تمكن السبئيون خلال الألف الأول قبل الميلاد أن يمدوا نفوذهم إلى بلاد الحبشة وعلى الأقل من مطلع القرن السابع قبل الميلاد عندما تمكن كرب ايل وتر من القضاء على دولة أوسان ووصل بنفوذه إلى باب المندب وعبرت من خلاله الجيوش السبئية إلى الحبشة.
كان نفوذ السبئيين في البداية نفوذا تجاريا حتى تطورت ووجدت مستوطنات سبئية على أرض الأحباش واستمرت حتى مطلع العصور الميلادية عندما ظهرت مملكة اكسوم وانحسرت بعد ذلك الدولة اليمنية في الحبشة.
وكان نفوذ اليمن في الجزيرة العربية والقرن الأفريقي أرض الحبشة التي تشمل مفهومها التاريخي ليس أثيوبيا الحالية بل جيبوتي وأرتيريا وأثيوبيا والصومال، كان بمثابة جناحين لجنوب الجزيرة العربية وكانت بمثابة المجال الحيوي الأقرب للدولة اليمنية.
وكان لليمن علاقات تجارية مع العالم وصلت للهند وفارس وللعراق والشام ومصر وأوروبا وبلاد المغرب لكن الجزيرة العربية والقرن الافريقي كانت المجال الحيوي والسياسي والاقتصادي لليمن وكانت اليمن هي المركز في تلك الأحداث بالجزيرة العربية قبل الإسلام.
وبالنسبة للجزيرة العربية كانت اليمن قبل الإسلام هي المركز السياسي والحضارة على مستوى الجزيرة العربية وهي من تنظم العلاقات السياسية والاقتصادية عن طريق تحكمها بطريق البخور وتنظيمه وبالعلاقات السياسية بصفتها الدولة المركزية ليس في اليمن القديم بل في الجزيرة العربية بالكامل.
أما من أواخر القرن الثالث الميلادي عندما ظهر الحميريون لكن بالواقع هم ظهروا من القرن الثاني قبل الميلاد ولكن ظلوا كمنافسين حتى تمكنوا من حسم المعركة لصالحهم وتوحيد اليمن القديم بالكامل في عصر التبع الحميري شمر يهرعش، والذي سمى نفسه ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمانة.
واستطاع أن يقول لنا من خلال لقبه هذا أنه سيطر على جنوب الجزيرة العربية القديم، واستطاعت الدولة الحميرية ان تمد نفوذها ليشمل كل الجزيرة العربية الذي جعل ملكها الحميري التبع أسعد الكامل بعد ذلك بمائة عام أن يضيف لقبه والأعراب في الطود وتهامة الطود هي الجبال وتهامة هي السهول كأنه يريد ان يقول لنا أنه اصبح ملك كل الجزيرة العربية، وبذلك وصفت المصادر العربية الإسلامية بما فيها ابن خلدون في كتابه العبر بأن التبع الحميري كان للعرب بمثابة الخليفة للمسلمين، بمعني أنه كان رأس كل العرب وكانت اليمن هي المركز التي تدور من حولها كل المناطق الأخرى حتى ظهور الإسلام.
- برأيك لماذا ازدهر اليمن قديماً؟ هل الأمر له علاقة بالتجارة؟ ماذا عن الاستقرار السياسي؟ عن القوة العسكرية؟ عن العلاقة مع القوى الخارجية؟ عن الوحدة الداخلية؟
-- كل الأمور مرتبطة بكل ما ذكرته في سؤالك، فاليمن ازدهرت لأن أهلها أجادوا عملية التوفيق بين كل العناصر التي ذكرتها فتوحدوا اجتماعياً ونظموا إدارتهم، ونشأ في اليمن ما يمكن أن نسميه بالنظام اللامركزي في التاريخ القديم، الملك يحكم وهناك أقيال واذواء يحكمون مناطقهم المحلية، في ظل ارتباطهم بالملك.
والدولة احترمت خصوصية كل المجتمعات من الناحية الدينية والسياسية وكان لكل منطقة معبودها الديني ويعبد في إطار المعبود المركزي للدولة التي يتبعها هذا المخلاف أو المنطقة كل هذه الأمور ولدت نوعا من التوحد والازدهار الحضاري.
وإذا أتى من يحاول أن يخل بهذا بسبب أطماعه وأنانيته كان يتم ردعه عسكرياً.
التاريخ اليمني المدفون:
- اليوم هناك اكتشافات أثرية جديدة .. منها كما قالت وزارة الثقافة مومياء تعود إلى ما قبل 4 آلاف سنة؟ في منطقة همدان شمالي غربي العاصمة؟ هل تعتقد أن التاريخ اليمني لا يزال مخفياً أو لم يصل الينا الا القليل منه؟
-- نعم مع الأسف تاريخنا القديم معظم أسراره تحت الأرض كنا نتمنى أن تحدث تنقيبات ليخرج هذا التاريخ إلى ما فوق الأرض، لكن الملاحظ أن كل ما يعثر عليه يتم نهبه من قبل هذا الطرف أو ذاك أو من قبل المواطنون الذين يستبقون الجهات الرسمية المتخصصة في الآثار، وفي هذه الحالة ربما لا نحبذ اخراج الآثار نحن بحاجة لإخراج الآثار لكن بشرط المحافظة عليها.
لأنه إلى الآن عندما ندرس طلاب تاريخ اليمن القديم نعطيهم تواريخ تقريبية في القرن كذا في منتصف القرن كذا لا نستطيع أن نعطيهم تواريخ يقينية كما يدرس في تاريخ اليونان أو الرومان أو مصر والعراق، وهذا بسببه أن آثارنا ونقوشنا لا زالت معظمها تحت الأرض.
ونحن نأمل أن تخرج حتى تكتمل عملية التكوين واستعادة التاريخ اليمني القديم كما هو بازدهاره وقوته وللأسف كثير ما تخرج من بعض آثارنا تذهب لتجار الآثار وهذا الوضع ليس وليد اللحظة، وانما عند بدأ التركيز على الآثار اليمنية في القرن السابع عشر والثامن عشر.
وبالفعل لو حدثت عملية تنقيب شاملة كما حدث في العراق ومصر وإيطاليا وغيرها لتغير مسار أحداث هذا التاريخ، مع انه نحن ما نملك من تاريخ قديم قبل الأسلام يعطينا حضارة زاهية ولكن لو اكتشفنا آثار أكثر سيزيدنا فخراً وتباهياً بالتاريخ المشرق الذي عاشته اليمن..
- لماذا هناك اختلاف لدى بعض المؤرخين اليمنيين .. مثلاً هناك خلاف حول عمر الدول اليمنية القديمة معين وسبأ .. وخلاف حول الملوك بل خلاف كذلك حول التوسع اليمني للخارج وتحديداً في عهدي شمر يهرعش وأسعد الكامل؟ السؤال .. لماذا نختلف أكثر مما نتفق فيما يتعلق بتاريخنا؟
-- الخلاف بالنسبة للتاريخ القديم قد يكون سببه أولا ما ذكرناه قبل قليل عدم وصول النقوش والآثار التي تركها اجدادنا، والسبب الثاني ما شرنا اليه في سؤال سابق وهو الخلط الذي احدثته الروايات العربية مثلاً عندما تحدثت أن شمريهرعش وصل إلى حدود الصين، النقوش المكتشفة معي لا يوجد ما يثبت ذلك وأنا كمؤرخ لا أتحدث الا بمصادر وأن يصل شمر يهرعش إلى حدود الصين لا بد أن يمر بالعراق وإيران ودول في وسط آسيا ولم نعثر إلى اليوم في مصادر تلك الدول ما يدل على ذلك.
نحن نريد توجه رسمي وطني لننسق بين كل أقسام التاريخ في الجامعات اليمنية ونضع أهداف وأسس توضح الهدف من دراسة التاريخ وماهي الأبحاث التي نحتاجها وبالتالي نضع عناوين للطلاب المتقدمين للأبحاث على أن يبحثوا في مجالات تحتاجه الدولة.
ويحدث في كثير من البلدان أن تأتي الدولة لتعطي الجامعات ماهي الأبحاث التي تحتاجها وما هي الجوانب التي لم تبحث، ومع الأسف نفتقد لهذه الرؤية الأساسية في البلد منذ أن أسست جامعة صنعاء وجامعة عدن وإلى اليوم.
العودة لأمجاد الأجداد:
- برأيك كيف نستفيد من تاريخنا القديم في وقتنا الحالي؟ وهل هناك اهتمام بالتاريخ لاسيما من قبل الجهات المختصة؟
-- أن ندرس التاريخ بغرض استقاء العظات والعبر والاستفادة من خبرات أجدادنا اللذين استطاعوا الحفاظ على وحدتهم، وأن نعرف كيف استطاعوا أن يحافظوا على سيطرتهم على الطريق الدولي الذي يربط بين انحاء العالم.
وكيف ازدهرت تجارتهم وحضارتهم بسبب ذلك نعود للتاريخ لكي نجسد هذه الأمور وأيضاً نعرف كيف تمكنوا الخروج من الحروب والنزاعات.
ومهمتنا نحن كمؤرخين أن نكون وسيلة الوصل بين التاريخ وصناع القرار لإيصال هذه الخدمة لهم، ونحن مستعدين في قسم التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة صنعاء أو أقسام التاريخ الأخرى في الجامعات اليمنية أن نقدم هذه الخدمة لكن الأمر يحتاج أن يلتفت الساسة بمختلف تكويناتهم إلى قسم التاريخ ويعتبروها كمصدر لنقل خبرات الأجداد إليهم.
وذلك لكي نصحح حاضرنا بناءً على ما لدينا من معلومات تاريخية توارثناها عبر الأجيال حتى وصلنا لحاضرنا المعاصر الذي نعيش أحداثه في هذه اللحظة الراهنة.