مستجدات حرب العدوان الاقتصادية وتداعياتها.. غياب تام للمبادئ الإنسانية وضغوط أمريكية متعددة المستويات

دخل الاقتصاد اليمني مع العام 2016 واحدة من أعقد مراحله الاقتصادية منذ عقود، نتيجة تضافر عوامل سياسية وعسكرية واقتصادية زادت من هشاشة البنى المؤسسية وأثّرت بشكل مباشر على قدرة البلاد على إدارة اقتصاد مستقر أو تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

مستجدات حرب العدوان الاقتصادية وتداعياتها.. غياب تام للمبادئ الإنسانية وضغوط أمريكية متعددة المستويات

دخل الاقتصاد اليمني مع العام 2016 واحدة من أعقد مراحله الاقتصادية منذ عقود، نتيجة تضافر عوامل سياسية وعسكرية واقتصادية زادت من هشاشة البنى المؤسسية وأثّرت بشكل مباشر على قدرة البلاد على إدارة اقتصاد مستقر أو تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

اليمن - المحرر الاقتصادي

في سياق حربه الاقتصادية على اليمن، يمارس العدوان السعودي الإماراتي الأمريكي الصهيوني حرباً دون مبادئ وبعيدة عن كل المواثيق الأممية والإنسانية؛ ففي إطار هذه الحرب مارست دول العدوان مؤخراً عدداً من السياسات والإجراءات التي انعكست بشكل سلبي على مختلف جوانب الحياة في المناطق الواقعة تحت سلطة حكومة التغيير والبناء، حيث يعيش نحو ثلثي سكان البلاد.

وتتخذ هذه الحرب ثلاثة مستويات:
أولا: حرب اقتصادية مباشرة تضمنت عقوبات على الحكومة اليمنية ورجال الأعمال، بالإضافة إلى الحصار المالي ومنع وصول العملة الأجنبية، وفرض قيود على التجارة والموانئ.
ثانيًا: تشظٍ مؤسسي نتج عن وجود بنكين مركزيين وسياسات نقدية مزدوجة، وانقسام في شبكات الاتصالات والمصارف.
ثالثًا: سياق دولي مضطرب شمل توترات البحر الأحمر، وارتفاع أسعار الشحن العالمية، والأزمة الاقتصادية الإقليمية.. هذه المستويات مجتمعة كوّنت بيئة اقتصادية شديدة الهشاشة والتقلب.
قبل العام 2015، كان الاقتصاد اليمني يعاني من مشكلات هيكلية أبرزها الاعتماد على النفط بنسبة 70% من الإيرادات الحكومية وضعف القاعدة الصناعية، مع بنية تحتية محدودة لا تتجاوز طاقتها 30%. ورغم ذلك حافظ الريال على استقرار نسبي بين 2010–2014 عند متوسط 215 ريالا للدولار.
ومنذ 2016 نشأ واقع اقتصادي مزدوج بين صنعاء وعدن، إذ قامت الأخيرة بطباعة كميات كبيرة من العملة الجديدة، ما أدى إلى انهيار حاد في سعر الصرف. وقد أثّر هذا الانقسام على الرواتب، وتحويلات المغتربين، واستقرار الأسعار، وتدفق المساعدات.
يقدّم هذا التقرير نظرة عامة لتحليل هذه السياسات وأثرها في الاقتصاد اليمني.
ومن الإجراءات العقابية قرار مجلس الأمن الدولي تمديد العقوبات المالية وحظر السفر لعام إضافي حتى 14 نوفمبر 2026، وتمديد ولاية فريق الخبراء حتى 15 ديسمبر 2026، مع تكليفه بتقديم تقرير حول المكونات مزدوجة الاستخدام وطرق تهريب السلاح بحلول أبريل 2026.. وقامت بريطانيا بصياغة مشروع القرار الهادف إلى تعزيز نظام العقوبات وفق توصيات فريق الخبراء الصادرة في أكتوبر الماضي، والتي تنص على توسيع نطاق القرار 2216 ليشمل عمليات تفتيش الشحنات في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية وفي أعالي البحار.
وتشمل العقوبات: تجميد الأرصدة، وحظر السفر، ومنع توريد أو بيع أو نقل الأسلحة لكيانات يمنية، كما طالت عدداً من رجال الأعمال والشركات.
كما عمدت الولايات المتحدة إلى تصنيف عدد من رجال الأعمال اليمنيين ضمن قوائم الإرهاب في مارس 2025، وفرضت إجراءات عقابية وحظر تعاملات مالية. وشملت العقوبات لاحقاً شبكات تمويل وشركات يمنية بهدف ضرب رأس المال الوطني.
وشنّ العدوان الأمريكي بمساندة العدوان السعودي الإماراتي خلال مارس–مايو 2025 ضربات جوية وبحرية على مئات الأهداف المدنية في اليمن، مع تنفيذ إجراءات أمنية في البحر الأحمر تحت غطاء حماية السفن التجارية، إضافة إلى ملاحقة شبكات تمويل بالحظر والتجميد.. كما تقوم السعودية بإغلاق المنافذ البرية بشكل متقطع، ما أثّر على حركة السفر وانسياب السلع..وتركزت العقوبات المالية على تجفيف مصادر التمويل واستهداف المنشآت الاقتصادية التي تخدم شريحة واسعة من السكان، خصوصاً قطاعات الكهرباء والنفط والموانئ.
وأصدرت الولايات المتحدة حزمة عقوبات جديدة (FTO – OFAC) استهدفت قيادات ومؤسسات اقتصادية يمنية، ووسّعت قوائم العقوبات لتشمل وسطاء وشركات تحت ذريعة تقويض قدرة اليمن على شراء أسلحة أو إجراء معاملات دولية.
بلغت خسائر اليمن المباشرة وغير المباشرة جراء إسناده للشعب الفلسطيني أكثر من عشرة مليارات دولار. ونفذت إسرائيل خلال العامين الماضيين نحو 18 هجمة جوية دمّرت أربع طائرات مدنية للخطوط الجوية اليمنية وعطّلت مطار صنعاء، إضافة إلى استهداف محطات الكهرباء في حزيز ورأس كثيب وذهبان وعصر.

المقاطعة والقيود على الموانئ
استخدمت دول العدوان أدوات ضغط على الموانئ ومراقبة الواردات، وتزايدت مخاطر تعطّل الموانئ مع استهداف بنيتها التحتية، خصوصاً في الحديدة، ما أدى إلى تقييد استيراد الوقود والغذاء.

عقوبات على الشركات والشحن
صدرت تحذيرات تستهدف شركات شحن تتعامل مع موانئ مرتبطة باليمن، ومع التصنيفات الأميركية أصبح أي تعامل مع بعض الشركات ورجال الأعمال اليمنيين خطراً قانونياً ومالياً.

خسائر مالية لليمن
انخفاض صادرات النفط منذ 2022 جعل اليمن يخسر أكثر من مليار دولار سنوياً من الإيرادات النفطية، كما سجّلت الميزانية العامة عجزاً كبيراً، في ظل صعوبة دفع الرواتب وتوفير السلع الأساسية.

تكاليف إضافية عالمية
أدّت الإجراءات إلى ارتفاع كبير في أقساط التأمين والشحن وزمن النقل، وانعكست على سلاسل الإمداد عالمياً، وخصوصاً في البحر الأحمر.
بعد الهجمات اليمنية الداعمة للشعب الفلسطيني، ظهر ارتباك إسرائيلي انعكس في استهداف منشآت اقتصادية يمنية مركزية، كالكهرباء والنفط والموانئ. وشمل الاستهداف أيضاً مصانع الإسمنت في باجل وعمران، وموانئ الحديدة الثلاثة، وخزانات النفط والغاز، ما تسبب بخسائر أولية تفوق 1.3 مليار دولار.

استهداف المناطق التجارية
استُهدفت مناطق تجارية وسط صنعاء، ما ألحق خسائر كبيرة بالمحال التجارية ووسائل النقل. وأكدت منظمات حقوقية أن الهجمات الإسرائيلية تمثل انتهاكاً للقانون الدولي وتفاقم الأوضاع الإنسانية.
شاركت الولايات المتحدة بقصف استمر نحو شهرين مطلع 2025 ضمن ما يسمى "تحالف الازدهار"، إلى جانب ثلاث دفعات من العقوبات استهدفت شركات شحن وصرافة، وطاولت لأول مرة مؤسسة حكومية: شركة كمران للاستثمار والصناعة.

العقوبات على البنوك
في مارس 2025، دخل أمر تنفيذي أميركي حيّز التنفيذ، مكّن واشنطن من استخدام أدوات اقتصادية قوية شملت تجميد الأصول وفرض عقوبات على الكيانات التي تتعامل مع اليمن.
أدرجت الخزانة الأميركية بنك اليمن والكويت والبنك اليمني الدولي ضمن قائمة العقوبات، ما أثّر على التحويلات والمساعدات.
وفي 22 يونيو 2025، فرضت الخزانة أكبر عملية عقوبات طاولت 12 كياناً و4 أفراد وسفينتين تستخدمان لتفريغ المشتقات النفطية في الموانئ اليمنية.

السياسات الأميركية
خلال 2024–2025، فرضت واشنطن عقوبات على شركات ورجال أعمال ومؤسسات مالية يمنية، بهدف:
تجفيف مصادر النقد الأجنبي
إضعاف البنوك في صنعاء
تعطيل تحويلات المساعدات
خفض صادرات النفط (انخفض الإنتاج من 51 ألف برميل/يوم إلى 17 ألفاً)
كما فُرضت قيود على المنافذ البحرية، وضغطت اتفاقات مالية على العملة دون تحقيق استقرار دائم.

التأثيرات المالية والمصرفية:
انهيار الثقة البنكية.
عزل البنوك في صنعاء دولياً.
تآكل الودائع.
توسع الشبكات غير الرسمية للتحويلات.
نقص السيولة والدولار في الشمال.
اتساع الفجوة النقدية بين الشمال والجنوب.

سعر الصرف
في الجنوب هبط الريال من 1619 إلى 2065 ريالاً للدولار
في صنعاء بقي بين 530–600 ريالاً للدولار للإصدار القديم مع ندرة الدولار النقدي.

التجارة وسلاسل الإمداد
أدّى اعتماد اليمن على الاستيراد لأكثر من 90% من غذائه إلى تفاقم أزمات الشحن والتأمين والأسعار، وظهور فروقات سعرية واسعة بين المناطق.

الموانئ والطرق البحرية
يتعرض ميناء الحديدة باستمرار لضربات تتسبب بتعطيله جزئياً أو كلياً، مع تسجيل أكثر من 450 حادثة تأمين بحرية مرتبطة بتوترات البحر الأحمر في 2024.

قطاع الطاقة
توقف صادرات النفط، وتراجع إنتاج الكهرباء بسبب استهداف المحطات، ونقص الوقود رفع تكلفة النقل والزراعة والسلع.

الأمن الغذائي
وفق مركز صنعاء للدراسات، فإن 18.1 مليون شخص مهددون بالجوع في 2025، وارتفع سعر سلة الغذاء 37% في الجنوب، و50% خلال ثلاث سنوات، مع انخفاض قدرة الأسر الشرائية بأكثر من 30%.

المساعدات الإنسانية
تم فقط جمع 10.7% من تمويل خطة 2025، وارتفعت تكلفة إيصال المساعدات بسبب الشحن والتحويلات والقيود على الموانئ. ويحتاج ما بين 18–19.5 مليون شخص إلى المساعدة في 2025.

التداعيات الاجتماعية
تدنّى دخل المواطنين بشكل كبير، وفقد القطاع الخاص أكثر من 55% من قدرته التشغيلية منذ 2015، وارتفعت نسبة الفقر لأكثر من 80%، والبطالة بين الشباب لأكثر من 60%، وبلغ عدد النازحين أكثر من 5 ملايين.

التحديات المستقبلية:
غياب الاستقرار السياسي.
انقسام المؤسسات.
تراجع الثقة بالقطاع المالي.
ندرة النقد الأجنبي.
ضعف الاستثمارات.
استمرار التوترات البحرية.
لذا يتطلب لتحقيق تغيير ملموس في هذه الواقع: توحيد السياسة النقدية تدريجياً، مكافحة السوق السوداء، تعزيز الحوكمة، فصل المسار الإنساني عن السياسي، دعم اقتصاد البرمجيات والعمل عن بعد، إنشاء صندوق دولي لإعادة تأهيل الموانئ، توسيع التجارة الإلكترونية واعتماد وسائل دفع بديلة، دعم الزراعة لخفض
الاعتماد على الواردات.
ختاماً، شكّلت السياسات الاقتصادية تجاه اليمن نموذجاً واضحاً لحرب اقتصادية متعددة الأطراف، وأفرزت بيئة خانقة خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ما يجعل التعافي مرهوناً بتغيّرات سياسية واقتصادية عميقة تشمل تخفيف القيود وتحسين أداء المؤسسات وتبنّي سياسات إنقاذ على المستوى الوطني والدولي.


طباعة