دراسات وبحوث

قدر التحرير اليمني المحسوم والحسابات السعودية الحرجة

الزيارات: 15

قبل أن تقرر الرياض المضي في تصعيد عدوانها على وطننا اليمني، كان لزاماً عليها أن تدرك حقيقة واحدة: أن ظهرها مكشوف، ولن ينقذها أحد. وهذه الحقيقة خلاصة قراءة باردة للمشهد، تضع السعودية أمام مرآة تعكس حجمها الحقيقي بعد اثني عشر عاماً من الحرب،

قدر التحرير اليمني المحسوم والحسابات السعودية الحرجة

قبل أن تقرر الرياض المضي في تصعيد عدوانها على وطننا اليمني، كان لزاماً عليها أن تدرك حقيقة واحدة: أن ظهرها مكشوف، ولن ينقذها أحد. وهذه الحقيقة خلاصة قراءة باردة للمشهد، تضع السعودية أمام مرآة تعكس حجمها الحقيقي بعد اثني عشر عاماً من الحرب،

وحجم اليمن العظيم الذي ظنته لقمة سائغة، فإذا به يصنع من الصبر سلاحاً، ومن الألم مدرسة، ومن الحصار مختبراً لإرادة لا تنكسر.. تفاصيل في سياق هذه القراءة التحليلية:

حميد منصور القطواني

بعد اثني عشر عاماً من الصبر اليمني على الألم والمعاناة التي تسبب بها هذا التحالف العدواني، بنهج متغطرس في الاستباحة لكل شيء: من تنفيذ مئات جرائم القتل الجماعي للكبار والصغار في المنازل والشوارع والأسواق والمدارس والجامعات وصالات المناسبات والمساجد، إلى التدمير الشامل لكل متحرك وساكن، إلى الحصار والخنق والحرب الناعمة والاقتصادية طيلة عقد من الزمن، كشفت عن أبشع وأقسى مظلومية في العصر الحديث، لا تنافسها إلا مظلومية غزة التي تعرضت للإبادة الصهيونية.

استحقاقات التحرير
بات تحرير كل شبر محتل من أراضي وطننا اليمني، دنسه تحالف الهيمنة والاستكبار والاستباحة والعدوان والاحتلال السعودي الأمريكي الصهيوني:
- استحقاق انتصار لإرادة الحرية والاستقلال والكرامة اليمنية، والتضحيات والصمود الأسطوري والملاحم البطولية، التي سطرها الشعب اليمني دفاعاً عن ذاته ووجوده وحقه في العيش والحياة الكريمة ودفاعاً عن مستقبل أجياله، وقد حان موعد ووعد هذا التحرير، وإفشال كل مخططات كسر أعتى حملات الغزو والعدوان التي شنتها إمبراطوريات الهيمنة والاستكبار العالمي وإسقاط أسطورة طغيانها وقوتها وجبروتها العسكري والمالي والإعلامي والاستخباري، وكل إمكاناتها في البر والبحر والجو.
- استحقاق تحرر يمني سيادي باجتثاث الأطماع الخارجية، وتنظيف مخلفات الاحتلال وأدوات العدوان وتفريخاته المتناحرة التي تفخخ المناطق المحتلة بالتمزيق والتدمير للدولة، وإنتاج بؤر ملتهبة بالفوضى والقمع وانتهاك الكرامة والحقوق الإنسانية والوطنية، والاستباحة للحرمات.
- استحقاق إقامة للدولة اليمنية القوية والعادلة التي يتوق إليها شعبنا، وتجسد إرادته وحقه في الحياة الكريمة في وطن يتمتع بالسيادة والاستقلال والحرية على كامل جغرافيا الحق اليمني.
- استحقاق تحرير للأراضي اليمنية المحتلة من قوات الاحتلال الخارجية ولفيف مرتزقتها وعصاباتها المتناحرة هو استحقاق تحقيق النصر الكبير الذي ظل شعبنا اليمني ينتظر لحظة تحقيقه، طيلة اثني عشر عاماً من الألم والأمل.

أهداف التحرير
هذا الاستحقاق الذي أعد له شعبنا عدته واستعد لمواجهة كل السيناريوهات، وبسقوف تضحية مفتوحة في مسار الحسم، وبغض النظر عن الوقت والتوقيتات، وفق مبدأ ثابت ورؤية مبصرة، ويد تمسك بالحق ومفاتيح الحسابات الكبرى الحاسمة لإنجاز الوعد وتحقيق الغاية المقدسة.
يأتي بهدف بسط سيادة الإرادة اليمنية، وإنقاذ المجتمع والشعب اليمني المسحوق تحت نير تحالف العدوان والاحتلال وتفريخاته، ووقف العدوان وإنهاء الحصار والمعاناة، ووضع بلادنا على طريق الازدهار، وهو استحقاق مصيري لا يقبل المساومة.

فرص وحلول سلمية
وبالرغم من فاتورة الألم الثقيلة وحجم الجراح الغائرة، ومن موضع القدرة والجدارة والاقتدار، لا تشترط صنعاء هذا الاستحقاق بالانتقام وتدمير عروش النفط والزجاج الهشة والمتصدعة التي وصلت نقطة الاختناق وانفجار الأزمات الداخلية، أو تقديمها قرابين انتحارية للحروب الصهيونية التي تتربص برأسها كموطئ قدم للأطماع التوسعية.
ورغم ما حققته ولا تزال تحققه من انتصارات ونجاحات كبيرة في ميدان المواجهة الحالية لم تغلق صنعاء باب الحلول والمخارج لإنقاذ رأس المملكة المعتدية من مستنقع اليمن المميت، وذلك من منطلق حكمة الكبار في حماية المصالح الكبرى لشعبنا ولأمتنا، وعدم منح العدو الصهيوني، الذي يشكل تهديداً وجودياً للجميع، فرصة لاستغلال أنظمة الحماقة والعمالة التي ورطها في مستنقع الحروب والمقامرات الخاسرة بمصير ومصالح شعوب وممالك عربية، ذنبها أن حكامها يقتادون بحسابات الابتزاز وتنافس العبيد على دور المحظية لدى السيد الأمريكي، ومن فوق رأسه الصهيوني.
وعلى حكام النظام السعودي في المقابل، وهم على حافة الانزلاق إلى هاوية اللاعودة، أن يعلموا أن شعبنا مستعد بالله وإيمانه بحقه المشروع على أرضه من سقطرى إلى صعدة لمواجهة العالم بأسره، ناهيك عن تحالف المأزومين والرؤوس المطلوبة للجميع.

خيارات السعودية الحرجة
أولاً: الرضوخ الفوري بضمانات حقيقية للحق والحقائق اليمنية بقيادة صنعاء
بعد مسار من المناورة والمماطلة، التي جعلها النظام السعودي وأنظمة تحالف العدوان مساحة للاستمتاع والتلذذ بألم شعبنا، ومواصلة نهج الإجرام والاستباحة، وإطالة المعاناة وتعميق الجروح وتشديد الخناق، وتكريس الأطماع والظلم والتجويع والقمع والقهر والاستباحة والتمزيق، وتفريخ عصابات متناحرة تسحق عظام شعبنا في المناطق المحتلة.
لا يزال خيار رضوخ الرياض الفوري بضمانات استجابة حقيقية للحق والحقائق اليمنية خيارا ممكناً ومتاحا ومن شأنه أن يفتح باب المنطقة والعلاقات بين صنعاء والرياض، بعد تنفيذ استحقاقات السلام العادل والكامل للتعايش، وإغلاق صفحة العداء وطي فاتورته، والانفتاح على مسار التعايش والتعاون والتكامل بتوازن يكفل الحقوق والتطلعات، وإدارة التباين والتوافقات بقناعات وحسابات سيادية تتمتع بالاستقلالية.
ويغلق مسار الحروب والتصعيد والأزمات في المنطقة، ويضمن استقرار مسار تسويات عادلة، وتشكيل نظام جيوسياسي وأمني عربي وإسلامي لإدارة التنافس والتعاون وحل القضايا والتطلعات، بتوجه جماعي متزن ومتوازن يواكب التحولات الدولية، ويحجز موقعاً محورياً كركيزة استقرار وتوازن في العالم الجديد، والمساهمة في ازدهار مستقبله.
وقطعاً ستكون صنعاء داعمة لكل جهد وطموح عربي وإسلامي في تحقيق الازدهار والاستقرار والريادة، بغض النظر عن حسابات التقارب أو التباعد السياسي، طالما أن النهج ليس عدائياً أو متورطاً مع أجندة وأطماع عدو جماعي يمثل التهديد الوجودي للجميع، ومصدر الحروب والفوضى والاضطرابات.
كما أن جنوح السعودية للتسوية والسلام العادل سيغلق باب مخاطر كارثية على المنطقة والعالم، ويمنع خروج الصراعات والأزمات في المنطقة والعالم شرقاً وغرباً عن السيطرة، ويبقيها في إطار الظرف الآمن وبيئة التحول الصحي التي لا تسمح لأي طرف ثالث بالتوظيف لخلق نظام الفوضى، كما حدث قبل الحرب العالمية الأولى التي انتزع بها وعد وتذكرة الاحتلال لفلسطين، والثانية التي فرضت مخرجتها الاعتراف بالكيان ومنحه حصانة ونفوذاً بسياط معاداة السامية.

ثانياً: خيار الهروب باتجاه التصعيد والإصرار على الغرق في العدوان على اليمن
وهو الخيار الذي سيقود السعودية إلى الارتماء في أحضان الكيان الصهيوني مقابل وهم الاستعانة، ومنحها طوق نجاة من مأزق يتعاظم كحبل يشتد حول رقبة المملكة في مستنقع مميت معزولة، تحت ضغط تبعات تسحق هياكل العرش في الرياض وتخنق شرايينه، وتحطم دورة اقتصاده الزجاجي الهش والمتصدع.
وسيفتح مساراً لنفوذ صهيوني استغلالي أناني بشكل مفرط، كسرطان يتفشى ويتوغل في كل اتجاه، يبدأ من فتح المملكة نقطة وصول ومدخل عمليات في مساحة النفوذ السعودي في اليمن، وينتهي بهيكلة معادلة الحكم في الرياض، وفق سيناريوهات هندسة إغراق وتوريط وابتزاز تغلق كل أبواب التسوية، وتقوض أي احتمالية معدومة للسيطرة السعودية على الأحداث، لأن المطلوب وضع عنق المملكة تحت سكاكين الأطماع الصهيونية، وجرها إلى مربع تنفيذ مهام انتحارية والقفز على كل حسابات الداخل والخارج، كما تعمل اليوم السعودية بمرتزقتها في اليمن.
وستكتشف الرياض أن تجربتها مع مسلسل الغدر والأنانية الإماراتية لم تكن سوى مقلب طريف أمام الابتزاز الصهيوني الفتاك، وهندسة الأزمات والإغراق وتعقيد المخارج ومفاقمة ظروف العزلة والانكشاف، من أجل الاستفراد والتوغل والسيطرة على التوازنات والاختراق لمؤسسات العرش السعودي، وصولاً إلى إطلاق ماراثون التنافس الأميري وفق توازن محمي بحصانة سياسية وأمنية صهيوأمريكية كاملة للاعبين، لضمان التزام من يمسك القرار بالنص الصهيوني في توظيف نفوذ وموارد المملكة في مسار التدمير الذاتي، وتقديم رأسها قرباناً في الحرب على إيران، ثم الانتقال لتمويل مخططات تدمير وتمزيق مصر وتركيا وباكستان.
وستكون الفرصة الأكبر إذا نجح بن سلمان في تحويل اتفاق مكة إلى فخ لجر أنقرة وإسلام آباد إلى الحرب الإسرائيلية على إيران، لتنتهي لعبة الروليت الصهيونية بنقل ماراثون التنافس الأميري إلى الصراع في حلبة الموت، في مسار التمزيق والدمار الذاتي للمملكة، بعد أن تنتهي الحاجة إليها وتنتهي مهمتها في سياق السيناريو الصهيوني الكبير.
ملاحظة: هذا لا يعني أن حكام المملكة ودول الخليج ليسوا متورطين في الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وقبلها حملة الإبادة في غزة. بل معظم حكام الخليج متورطون إلى أذنيهم بالتمويل المباشر وغير المباشر للأجندة، وبطريقة مهينة كتوابع ليست لها أي حق حتى في الإشعار بساعة الصفر.
ومع عجز وفشل الحملة الإسرائيلية والأمريكية على إيران، يحتاج المهندس الصهيوني خلف صناع قرار الحرب في واشنطن إلى دفع دول الخليج للتورط العسكري المباشر. وهذه مهمة أكبر من سقف دول الخليج، بسبب عوائق وكوابح متعلقة بالوضع الداخلي المحتقن، والحسابات الإقليمية المتمنعة التي ترى في هذه الحرب الإسرائيلية تهديداً وجودياً للمنطقة بأكملها. وهذا يقيد قرار حكام الخليج في الانخراط المباشر، مما يجعل القفز على تلك الحسابات انتحاراً حرفياً يفتح الأبواب على طوفان من التداعيات الكارثية من كل اتجاه، في وضع فوضوي غير قابل للتنبؤ.

حسابات الصهيوني ومنظوره لمستقبل المنطقة
بعد تكسر مجاديفه وانهيار مخططاته بفضل السابع من أكتوبر بعد الله، وصمود وتضحيات حلفاء غزة وإيران، يسعى الكيان الصهيوني إلى إعادة تدوير مؤامراته التي تمزقت واحترقت وتعرت، وإحياء فرص تحقيق أطماعه بجر العالم للمرة الثالثة إلى وضع ملتهب خارج السيطرة، يذهب بالجميع تحت ضغط الابتزاز وهندسة التطرف إلى هرمجدون نووية ثالثة تحرق العالم، من أجل إحياء خرافاته العنصرية ونزعاته النازية والإبادية، وقطع الطريق أمام الصحوة العالمية تجاه الصهيونية وكيانها كتهديد وجودي للجميع يجب أن ينتهي.
ولقد أصبح من الثابت والمعلوم أن صنعاء باتت تشكل للعدو الصهيوني عدواً جيوسياسياً يحاصر حسابات الحروب الصهيونية في زاوية الاختناق الاستراتيجي، وتشكل مع محور المقاومة خندق ردع استراتيجي فتاك، وعائقاً جيوسياسياً تتحطم عليه مخططات الأطماع التوسعية للكيان الصهيوني ومؤامراته الكبرى لهيكلة جغرافيا المنطقة، بتمزيق الدول العربية والإسلامية ذات الثقل الإقليمي:
من الجزائر التي توجه رأس حربة الكيان الصهيوني في المغرب، إلى مصر المصلوبة على صليب سدود دول منبع النيل، والمفخخة بأزمات اقتصادية والاختراقات الصهيوإماراتية، والمكشوف ظهرها للتهديدات الأمنية بالحروب والفوضى، إلى تركيا القابعة على حقل ألغام صامت من الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، والمطوقة بخناجر قوى انفصالية بعقيدة عرقية وقومية بتعبئة صهيوأمريكية، وعداء أوروبي مفتعل ومتطرف، ودإضافة إلى ظهرها المكشوف بالفراغ الجيوأمني في سوريا الذي تحول إلى مسرح للاستراتيجيات الصهيونية، وبؤرة طبقية محتقنة معدة للانفجار والتشظي، ومهيأة لاحتضان التهديدات متعددة الاتجاهات والدوافع الموجهة لتركيا ولبنان والعراق بشكل مباشر.
وصولاً إلى المملكة السعودية المتصدعة من الداخل، والمحكومة بهياكل رخوة بعد تفكيك مراكز القوة التقليدية والصلبة، في مواجهة تسونامي الغرق في رمال اليمن المتحركة التي تضع مستقبلها على طريق الدمار الذاتي، بالرهان على مواصلة المقامرة في العدوان على اليمن، الذي حولته إلى تهديد وجودي لها بنهجها العدواني والاستعلاء على كل فرص الحلول التي تمنحها صنعاء للرياض، في سبيل ملاحقة سراب وحسابات أطماع تحولت إلى مستنقع هلاك يفتح على المملكة أبواب الجحيم من كل اتجاه، ويطلق العنان لماراثون سكاكين الابتزاز المتربصة برأسها المطلوب للجميع.
أيضاً باكستان المفخخة بالأزمات، والمحاطة بالجراح المفتوحة وجبهات حروب مفتوحة بتهديدات نووية في لحظة تعليق، وينتظر المتربصون بها وقوع باكستان في فخ مستنقعات الاستنزاف، وهم يتوقعون ذلك لأنهم يتخادمون مع أجندة الأولويات الصهيونية التي تضع رأس باكستان على القائمة.
وعليه، لابد أن يدرك الجميع ، أن هدف الكيان الصهيوني ليس تأمين وضعه بهياكله الحالية، بل هو التوسع رأسياً وأفقياً على مستوى الإقليم، والذي يقتضي تفكيك وتمزيق الدول ذات الثقل الإقليمي لتغيير خارطة المنطقة بمقاسات ومحددات التموضع الجيوسياسي اللازم للتربع على عرش الزعامة والسيطرة الإقليمية.
وفي هذا السياق تأتي غاية وأهداف أجندة التمزيق الصهيوني من حسابات العنصرية الجيوسياسية التي تقتضي تفكيك مراكز القوة التي تشكل بؤر تهديد محتملة لأمن ومستقبل السيطرة والزعامة الصهيونية على المنطقة.

حقائق اللحظة الحاسمة
أولاً: الكيان الصهيوني وأمريكا وجهان لأجندة واحدة تخدم أطماع خرافة إسرائيل الكبرى، وهما مصدر التهديد الوجودي لشعوب ودول منطقتنا العربية، وفي المقدمة حلفاؤهما في الخليج، بتقديمها قرابين في حروب النازية الصهيونية قبل أن يأتي دور إخضاع الكنتونات الصغيرة وتمزيق الأحجام الكبيرة في الخليج. وهما مصدر الفوضى والاضطرابات والحروب والأزمات في المنطقة، بتواطؤ وتورط دول خليجية بشكل مباشر وغير مباشر.
ثانياً: الكيان الصهيوني وصل نقطة الانكسار، وهو على بضعة أسابيع من دخول مسار الدمار الذاتي والاندثار، بعد أن تحطمت خرافة إسرائيل الكبرى بمطرقة طوفان السابع من أكتوبر المجيد، وتضحيات وإنجازات صمود غزة ومظلوميتها الكبرى، وقطع آخر أنفاسهه بسيف العنفوان الإيراني.
ومع ذلك، يجب النظر بعين الاعتبار إلى إن التهديد الصهيوني الذي يتربص بالجميع في مستوى عالي الخطورة، ويستمد آماله الأخيرة من بقاء اليمن في وضع اللاحرب واللاسلم، وإصرار الرياض على تصعيد عدوانها ومواصلة الرهان على مقامرة خاسرة، سيمنح العدو الصهيوني فرصة الانتعاش من بوابة ابتزاز السعودية والصعود على ظهرها للعودة إلى مسرح الأحداث الإقليمية، لهندسة ظروف إشعال المنطقة وإغراقها في حروب فوضوية على قاعدة الجميع ضد الكل، في سياق الاستغلال والابتزاز من أجل استعادة زمام السيطرة على مسار الأحداث.
ثالثاً: أمريكا مفخخة بالأزمات المتفاقمة، وهي قريبة من لحظة اشتباك داخلي قد تشعل شرارة انفجار تلك الأزمات في لحظة اختناق استراتيجي شامل، وتمنعها من تقديم العون للرياض الغارقة في مستنقع الحرب على اليمن، التي خاضتها بحسابات دور الوكيل في خدمة الهيمنة الأمريكية على اليمن والمنطقة. وذلك لسببين:
الأول: استغلال حالة العزلة والانكشاف والاستنزاف الحاد والوضع المتأزم والمتفاقم كحبل يشتد حول عنق الرياض، لابتزازها وإخضاعها في سياق خدمة الأطماع الصهيونية الصرفة.
الثاني: حالة العجز والاختناق الاستراتيجي الذي تواجهه الحسابات الأمريكية، وبلوغ حدود القوة الجيوعسكرية المستنزفة والمتصدعة التي وصلت الحد الحرج، بالإضافة إلى وضع اقتصادي وسياسي في أمريكا يقبع على فقاعة الديون والتكنولوجيا، ووضع اجتماعي ومعيشي ملتهب ومحتقن في ذروة صراع انتخابي مفصلي يشهد استقطاباً محموماً قد يدفعان إلى فوضى وانهيارات تخرج عن السيطرة في حال حدث إرباك أو تعطل لشرايين التجارة وسلاسل الإمداد الأمريكي.
رابعاً : أي تدخل أمريكي أو تصعيد سعودي في مضيق باب المندب أو يستهدفه يعني عسكرة المضيق والبحر الأحمر، ولن تكون ساحة معركته محصورة بالكيلومترات الفاصلة بين ضفتي باب المندب أو جزيرة ميون وسواحل ذباب، بل ستمتد عبر مظلة نارية تمتد من جبال صعدة والوسط إلى مضيق باب المندب وخليج عدن وبحر العرب، وعندها سيتم إغلاقه رسمياً. وقد جرب الأمريكي هذه المعادلة التي لا يملك أنفاس خوضها من جديد.
خامساً : إن لم يكن هدف حلف اتفاق مكة إعادة السعودية إلى الحضن العربي والإسلامي، وإغلاق دوامة الحروب والصراعات التي تورطت فيها بأجندة أمريكية مقابل صفقات شخصية مشبوهة تبيع لبن سلمان وهم التتويج، بعد أن انكشف زيف وعود الحماية والأمان، ومدى الأنانية والاستغلال والامتهان الأمريكي بابتزاز الرياض في كل حدث وأزمة .. فإن هذا الاتفاق سيتحول إلى فخ يقوده بن سلمان لجر باكستان وتركيا إلى مستنقع استنزاف في لحظة خطيرة وحساسة، أعداؤهما ومن خلفهم مهندس الفخ الصهيوني ينتظرون لحظة وقوع أنقرة وإسلام آباد في الفخ، وعندها لن يسمحا لهم بالخروج إلا إلى انتكاسة أخطر من انتكاسة مصر في 67.

الخلاصة
تقف المنطقة اليوم على مفترق طرق تاريخي، لا يحتمل التأجيل ولا المناورة. فبعد اثني عشر عاماً من الحرب على اليمن، وبعد أن انكشفت كل الأوراق، وسقطت كل الأقنعة، لم يعد هناك مجال للشك في حقيقة واحدة هي : حقيقة أن الرياض لم تعد تملك فرصة الاختيار بين خيارات متعددة، بل أصبحت أمام خيارين فقط: إما العودة إلى رشدها والرضوخ للحق، وإما الانتحار السياسي والاقتصادي والوجودي.
كما لم يعد لدى كافة أنظمة تحالف العدوان المتفكك والمأزوم، منفردة أو متجمعة، بما فيها أمريكا وإسرائيل، ما يمكن أن تفرضه أو تغير به واقع الحقيقة. فالكل قد استخدم كل الخيارات المتاحة في العدوان على شعبنا، واختبر صلابة إرادته، فوجدها صلبة كالصخر، راسخة كالجبال.
واليمن، الذي ظنته الرياض وجميع حلفاءها لقمة سائغة، أصبح اليوم قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها وهو من يمسك بمفاتيح الحسابات الكبرى في المنطقة، من مضيق باب المندب إلى البحر الأحمر، ومن خليج عدن إلى قلب الجزيرة.

طباعة