تقارير

أبرزها مصادرة القرار السياسي ونهب النفط الخام اليمني.. خفايا وأسرار أطماع الوصاية والسيطرة السعودية على اليمن (2-2)

الزيارات: 402

خلال حربهما العدوانية على اليمن، التي تجاوز عمرها عشر سنوات وهي مرشحة للاستمرار إلى أجل غير مسمى، تكشفت حقيقة صراع النظامين (السعودي والإماراتي) لتحقيق مطامعهما الخفية.

أبرزها مصادرة القرار السياسي ونهب النفط الخام اليمني.. خفايا وأسرار أطماع الوصاية والسيطرة السعودية على اليمن (2-2)

حيث اتخذ النظامان من الخلافات السياسية الداخلية في اليمن مبرراً لشن حربهما العدوانية الهادفة إلى تحقيق المصالح والأطماع المُحدَّدة لهما في الأراضي اليمنية. وفي هذا التقرير نستكمل الحديث عن خفايا الأطماع السعودية وحقيقتها في اليمن، فإلى التفاصيل:

غالية حمود الحمادي

باتت السعودية اليوم ترى في اليمن - الذي مزقته الحرب وهي الطرف الرئيسي في العدوان عليه - فرصة مواتية لمد أنبوب لنقل النفط الخام السعودي عبر الأراضي اليمنية، وهو الهدف الأساسي الذي تدخلت من أجله ولا تزال تسعى لتحقيقه بدعم أمريكي بريطاني. لكن طول أمد الحرب جعل السعودية تكشف عن أطماعها الحقيقية في اليمن، وتجلى ذلك بوضوح في سيطرتها على الموانئ ومنابع الثروة النفطية وإبقائها تحت سيطرتها بشكل مباشر أو عبر مليشيات موالية لها.

وَمَرَدُّ ذلك أن اليمن يتمتع بثروة نفطية هائلة تقدر بحوالي 11.950 مليار برميل، المثبت منها 3 مليارات برميل، يقع القسم الأكبر منها في محافظات مأرب والجوف وشبوة وحضرموت، وتعد محافظة الجوف أكبر منابع النفط في اليمن.

وقد أكدت دراسات جيولوجية عدة أن اليمن يحتوي بحيرة نفطية هي الأكبر في الجزيرة العربية تقع بين محافظات مأرب، والجوف، وشبوة، وحضرموت، وأبين، وأن لديه من النفط ما يغطي احتياجات العالم لخمسين سنة مقبلة..وفي يناير 2013، كشفت محطة "سكاي نيوز" البريطانية أن أكبر منبع نفط في العالم يصل إلى مخزون نفطي تحت الأرض يوجد في اليمن، وأنه إذا كانت السعودية تمتلك 34% من مخزون النفط العالمي، فإن اكتشاف هذه الآبار من النفط يجعل اليمن يمتلك 34% من المخزون العالمي الإضافي.

سياسات وإجراءات سعودية لتنفيذ المطامع
مارست السعودية سياسات واتخذت إجراءات وخطوات عدة لنهب النفط اليمني، من بينها: اتفاقيات تستحوذ بموجبها على قطاعات ما يُعرف بـ"المثلث الأسود" في مأرب والجوف وشبوة. إلى جانب الحرص على إيقاف عمليات تنقيب كانت قد بدأت قبل عقود في محافظتي الحديدة والجوف، إضافة إلى نهب نفط اليمن من خلال الحفر الأفقي في المناطق الحدودية، خصوصًا في محافظة الجوف، ومنع تصدير النفط والغاز إلا بكميات قليلة جدًا، ومن ثم العمل مؤخرًا خلال حربها العدوانية على تحويل بعض المنشآت النفطية إلى ثكنات عسكرية.

الاستحواذ والنهب للنفط الخام
منذ بدء استخراج النفط في مأرب في ثمانينيات القرن الماضي، اتجهت الأطماع السعودية إلى نفط اليمن، إذ وسعت تغلغلها الناعم على طول الشريط الحدودي عبر أدوات ووسائل مختلفة، منها: استقطاب كبار مشايخ القبائل ومنحهم الجنسية السعودية والإقامة في أراضيها، ومنح التجار ومشايخ القبائل استثناء من قوانين ممارسة النشاط التجاري الواسع في أراضيها، وتوسيع المشمولين بالرواتب والمخصصات المالية الشهرية والسنوية المقدمة من "اللجنة الخاصة".

وفي إحصائية يمنية لما تم رصده من عمليات النهب (منذ العام 2021 وحتى منتصف العام 2022)، فإن إجمالي ما نُهب بلغ 24 مليونًا و700 ألف برميل من النفط الخام، فيما بلغ إجمالي عمليات السرقة خلال عام واحد 12 مليونًا و500 ألف برميل نفط خام بتكلفة مليار و232 مليون دولار أمريكي. وفي المحصّلة النهائية، تشير الإحصاءات إلى أن كمية النفط اليمني المنهوب منذ عام 2018 وحتى يوليو 2022م تجاوزت 130 مليون برميل.

منع التنقيب في الأراضي المحاذية للحدود
عام 2018، كشفت صحيفة "الوحدوي" الناطقة باسم التنظيم الناصري، أن الرئيس اليمني الفار عبدربه منصور هادي رفض التوقيع على ملاحق لاتفاقية ترسيم الحدود، تمنع اليمن من التنقيب عن النفط والمعادن في الأراضي المحاذية للحدود مع السعودية لمدة 100 عام، وهي الملاحق السرية التي كان قد وقعها الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، وشخصيتان قبليتان تمثلان حاشد وبكيل، أقوى قبائل اليمن. وتقضي الملاحق بالتزام اليمن بالامتناع عن التنقيب عن النفط والغاز في صحراء الربع الخالي، والمناطق الواقعة بين محافظتي الجوف ومأرب إلى جانب محافظة المهرة، بالإضافة إلى السماح للسعودية بإنشاء ميناء نفطي في المهرة على الحدود مع عُمان.

اتفاقية مماثلة سعت إليها الإمارات، وتقضي بتأجير عدد من الجزر والموانئ اليمنية الهامة لدولة الإمارات لمدة 100 عام، من بينها جزيرتا ميون وسقطرى، وعدد من المواقع البحرية الاستراتيجية في البحر الأحمر وباب المندب، من بينها ميناء عدن.

استغلال الموانئ العميقة
من السياسات التي انتهجتها السعودية أيضًا لتنفيذ أطماعها في اليمن سياسة استغلال الموانئ اليمنية العميقة، وأبرز تلك الموانئ:

· ميناء الصليف: وهو ميناء ذو أهمية استراتيجية نتيجة لما يتمتع به من أعماق كبيرة تمكنه من استقبال السفن العمالقة، حيث يُعتبر من أعمق الموانئ اليمنية، وتحميه جزيرة كمران حماية طبيعية من الأمواج لتشكل منطقة رسو آمنة.
· مرسى رأس عيسى: الذي يتمتع بأعماق طبيعية كبيرة تصل إلى 50 مترًا وتصل بالقرب من الساحل إلى 16 مترًا، ما يؤهله لاستقبال سفن نفطية عمالقة، واستيعاب أكثر من خمسين سفينة وناقلة على المخطاف.
· ميناء المكلا: وتبلغ مساحته 126,900 متر مربع، ويبلغ طول الممر الملاحي الطبيعي عمقًا لا يقل عن 12 مترًا ودائرة دوران بقطر 250 مترًا وعمق 9 أمتار وغاطس بعمق 5.8 متر، بالإضافة إلى محطة للحاويات بمساحة 30,000 كم².
· ميناء عدن: وهو ميناء تاريخي ذكر في كتابات الرحالة عبر الزمن، لعب دورًا مهماً كحلقة وصل بين أميركا والهند لموقعه الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط الشرق والغرب، ويتمتع بحوض مائي واسع ويبعد 4 أميال بحرية عن الممر الملاحي الدولي. تبلغ قدرته الاستيعابية 60,000 حاوية سنويًا، وتصل أعماق الغاطس الخاص بالحاويات إلى 18 مترًا.

استغلال الجزر وحرمان اليمن من فوائدها
تشير الأرقام الرسمية إلى أن اليمن يمتلك 183 جزيرة، 25% منها غير مسماة، يقابلها شريط ساحلي بطول قرابة 2500 كيلومتر، وهي موزعة في أربعة أرخبيلات رئيسية، يضم أرخبيل البحر الأحمر 151 جزيرة، وأرخبيل خليج عدن 20 جزيرة، وأرخبيل البحر العربي 5 جزر، وأرخبيل سقطرى في المحيط الهندي 7 جزر. لكن هذا العدد ظل متغيرًا، ولم يستقر على رقم معين، بسبب الانفجارات البركانية في أعماق البحر الأحمر التي تتولد بها جزر أو تنهار أخرى، وبسبب عدم وجود وحدة أرصاد خاصة بالجزر، وإغفال الحكومة للكثير من الجزر لصغر مساحتها وتناثر معظمها في البحر، بالإضافة إلى خلو عشرات الجزر من السكان وسلطة الدولة. وتتوفر في هذه الجزر مقومات طبيعية كالمرتفعات الجبلية والشواطئ الرملية والأحياء المائية، وتتواجد فيها كل المقومات الاستثمارية التي تشمل القطاع السياحي والنقل البحري والزراعي والسمكي، ولذلك فقد حرصت السعودية ولا تزال على استغلال هذه الجزر وحرمان اليمن من فوائدها.

استغلال اليد اليمنية العاملة
تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن السعودية استقبلت في العقود الخمسة الأخيرة موجات كبيرة من اليمنيين، تقترب أعدادهم من مليون عامل في العام 2010، وفقًا لتقرير البنك الدولي. وتتميز اليد العاملة اليمنية بأنها رخيصة، وتتمتع بالخبرة في مجال الصناعات الحيوية، ولديها قدرة على تعزيز المهارات الحيوية واكتساب المعارف المتراكمة في مختلف المراحل الإنمائية للاقتصاد، كما أنها يد عاملة شابة وقادرة على الإنتاج والتكيّف نظرًا لطبيعتها المرنة.

التحكم بالاقتصاد وعمليات الاستيراد والتصدير
تخضع التجارة من وإلى اليمن للرقابة السعودية، بل ويمر قسم كبير منها عبر المملكة، كما أن للسعودية قواعد منتشرة على الحدود اليمنية العمانية، وتحديدًا في المهرة.

ومنذ نوفمبر من العام 2017، دخلت القوات السعودية المحافظة واستولت على مرافقها الحيوية، بما فيها مطار الغيضة وميناء نشطون ومنفذي صرفيت وشحن على الحدود مع عُمان، كما نشرت السعودية قواتها في أكثر من 12 موقعًا على طول ساحل المهرة، وشرّدت موظفي المطار، وأصبحت السعودية مؤخرًا هي المسيطرة على إدارة شؤون المهرة.

شراء المنتجات الزراعية بثمن بخس
وفقًا للتقرير السنوي الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء، فقد استورد اليمن من السعودية ما قيمته 145 مليار ريال، بينما صدّر اليمن إلى السعودية منتجات زراعية وسمكية قيمتها 33 مليار ريال خلال عام 2009. فيما وصلت قيمة ما استورده من السعودية في عام 2008 إلى 140 مليار ريال، وبلغت قيمة الصادرات إلى المملكة من أسماك ومنتجات زراعية 42 مليار ريال يمني. وبحسب وزارة التجارة اليمنية، فإن معظم الصادرات إلى السوق السعودية تتمثل في الصادرات الزراعية، مثل الموز والمانجو، والتي أصبحت في السوق السعودية تشكل النسبة الأكبر. وتشير الأرقام إلى أنه في الفترة من عام 2002 وحتى 2013، حصلت السعودية على ما يقارب 8 مليارات دولار، غالبيتها من الأغذية والخضروات والعسل.

مصادرة القرار والتحكم بالعلاقات الخارجية
خلال أحداث الصراع السياسي التي شهدها اليمن وبدأت في العام 2011، بادرت السعودية إلى فرض "تسوية سياسية" عُرفت بالمبادرة الخليجية، وبموجبها تم ترسيم الأوضاع بما يخدم القوى النافذة الموالية لها ويحول دون تشكل التوازنات الحقيقية التي تخرج اليمن من دائرة التبعية لها. وأسهمت هذه المبادرة، بحكم إسنادها للقوى التي كانت تتربص بما عُرف بثورة الشباب، في تجدد الثورة ونجاحها في 21 سبتمبر 2014م، وهي الثورة التي سعت السعودية للقضاء عليها بإعلانها تشكيل تحالف "عاصفة الحزم" في خطوة لضبط حساباتها الاستراتيجية الرامية إلى تأمين عمقها الاستراتيجي في اليمن وإحكام الوصاية عليه مرة أخرى. وعملت السعودية على مصادرة القرار السيادي لليمن من خلال تعيين أدوات فاعلة لها في الحكم، وتحكمت بعلاقات اليمن الخارجية، من ضمنها منعه من توسيع العلاقات مع إيران لستين عامًا. وكانت صنعاء قد كشفت عام 2020م عن بعض من عرقلة السعودية لإعلان وثيقة تفاهم لإنهاء الحرب، تتلخص بإصرارها على استبعاد أي نص يشير إلى منع تدخل أي طرف خارجي في شؤون اليمن.

التقسيم ومنع أي تحالف معاد للكيان الصهيوني
في الرابع من سبتمبر 2019، نشر مركز أبحاث الأمن القومي (INSS) الصهيوني تقييمًا حول اليمن، يوصي بإنهاء الصراع في اليمن على قاعدة أن يكون اليمن منزوع السلاح إلى حد كبير، وأن تقدّم السعودية مبلغًا كبيرًا من المال، يُوزَّع على القوى السياسية القبلية المسلحة من أجل شراء موالاتها، وفك الحصار عن اليمن. فيما اعتبر مركز "موشيه ديان" لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا الصهيوني أن الحل يكمن في تقسيم اليمن وإعادة بنائه، وفق نظام فيدرالي، بحيث لا يكون لأي طرف سيطرة كاملة عليه. وعليه فإن الأطماع الإسرائيلية في ثروات اليمن، فضلًا عن موقعه الاستراتيجي، وحاجتها إليه في تشكيل محور إقليمي يضم السعودية والإمارات ضد إيران ومحور المقاومة، تحتم عليها إبقاء قراره السيادي مصادَرًا وتابعًا للإرادة السعودية التي تخدم المصالح الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة.

التوسع نحو بحر العرب
منذ سنوات والجانب اليمني الموالي للسعودية يرفض التعليق على الطموح السعودي في الوصول إلى بحر العرب. غير أن تناولات تاريخية وفكرية وسياسية تطرقت إلى ما أسمته "الأطماع السعودية في حضرموت"، والتي بلغت حد تمويل ودعم تحالفات قبلية في حضرموت ورعاية تجمعات كبيرة لحضارم في المملكة السعودية، خاصة مع انطلاق مؤتمر الحوار الوطني 2013م. ويُعد تطرق التلفزيون اليمني الرسمي في سبتمبر 2015م لمحاولة السعودية التوسع نحو بحر العرب ضمن أسباب الحرب الأخيرة هو التناول الإعلامي الوحيد حتى اللحظة، حيث لم يسبق التعليق على المشروع السعودي القديم الجديد، ولا توجد حتى مواقف أو ردود أفعال من الجانب اليمني الرسمي المشلول أصلاً والمسلوب الإرادة.

طباعة