ينحدر معظم هؤلاء من الجنسية الإثيوبية، لكن اليمن بالنسبة لهم -وكما هو معتاد- مجرد أرضية عبور، والمقصد التالي يكون السعودية التي يرون فيها الملاذ الأكثر جذبًا من حيث فرص العمل وفعالية المكاسب المادية، حتى لو تعذر ذلك وزادت المخاطر، وزاد احتمال أن يدفعوا بأنفسهم نحو مصائد الموت، ونيران حرس الحدود السعودي العشوائية في المنطقة الحدودية مع اليمن، وتحديدًا في بعض مديريات محافظة صعدة التي تشهد من حين لآخر تكدسًا لهؤلاء.
وسيم عبدالله حليف
أبرز ما يتعلق بذلك
كان الأمر الأكثر إثارة للاهتمام والجدل مؤخرًا، مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع يظهر مجاميع كبيرة من هؤلاء الأفارقة، زعم ناشروه أنه من إحدى المناطق الحدودية. واللافت أكثر ذلك الكم الكبير من الأسلحة الشخصية التي بحوزتهم، التي أظهرها المقطع الذي تزايد الحديث عنه دون الجزم بحقيقة الدور المراد لهم، أو الجهة التي تقف وراء هذا التحشيد الجديد من نوعه، وإن كانت معظم الترشيحات تتجه نحو المملكة العربية السعودية، وهو ما لم يتم تأكيده رسميًا من أي جهة على الأقل في حين تزايد الحديث أكثر عن خطر هذه التجمعات بعد خروج هذه المادة المصورة إلى العلن. مع الإشارة هنا أننا حتى هذه اللحظة ننقل ما تحدث عنه من تداولوا ذلك الفيديو والصور، لكن الحقيقة تقول غير ذلك، وهو ما سنبينه لاحقًا.
انتهاكات متعددة
لمرات عديدة، تحدثت منظمات أممية ودولية عديدة عن انتهاكات متفرقة تعرض لها المهاجرون الأفارقة في عدد من المحافظات اليمنية، توزعت بين القتل والتعذيب والاحتجاز. وبهذا الشأن تحدث لنا عمال من الجنسية الإثيوبية في أحد أرياف اليمن عن الرعب الذي ينتظر هؤلاء المهاجرين على سواحل مدينة عدن من قبل عناصر تابعين لجهات رسمية هناك. وقال أحد الذين تحدثوا إلينا أن عددًا منهم قُتلوا فور وصولهم إلى المنطقة البحرية المحاذية للبر، بينما تعرض البعض منهم للابتزاز والمساومة بالمال مقابل العبور الآمن إلى الأراضي اليمنية، التي يعتبرها معظمهم مجرد محطة عبور مؤقتة إلى المملكة العربية السعودية، التي يعانون على أبوابها مرارات أخرى قد نأتي عليها لاحقًا. مضيفًا أن البعض منهم يدفعون ما يصل إلى 4 آلاف دولار ثمنًا لهذا العبور، بينما يتم احتجاز العديد منهم في ظروف اعتقال سيئة للغاية، حيث تحدثت تقارير أممية عن انتهاكات جسيمة تعرض لها أفارقة في سجون تديرها الإمارات في عدن.
مجازر في مراكز احتجاز
في 28 أبريل 2025، أسفرت غارة عدوانية للجيش الأمريكي عن سقوط العشرات من المهاجرين الأفارقة بين قتيل وجريح، باستهداف مركز احتجاز في محافظة صعدة، في مجزرة مروعة وصفتها منظمة العفو الدولية بجريمة الحرب، ودعت إلى التحقيق الشفاف فيها، واعتبرت هذه الغارات استهدافًا لأعيان مدنية. وفي العام 2022، قصف تحالف العدوان بقيادة السعودية مركز احتجاز في المجمّع نفسه في صعدة، ما أسفر عن مقتل 91 شخصًا على الأقل وإصابة 236 آخرين. ورغم نفي التحالف بقيادة السعودية ذلك في بداية الأمر، غير أن منظمة "أطباء بلا حدود" قالت في بيان صادر عنها -نقلاً عن أحد موظفيها في صعدة- إنه "لا توجد أي طريقة لإنكار أن ما تعرض له المهاجرون كانت غارة جوية". وأكد رئيس بعثة المنظمة في اليمن، أحمد مهات، في البيان أن "هذه الأحداث في سلسلة طويلة من الضربات الجوية غير المبررة التي نفذها التحالف بقيادة السعودية على أماكن مثل المدارس والمستشفيات والأسواق وحفلات الأعراس والسجون". وأضاف: "منذ بداية الحرب، شهدنا مرارًا الآثار الرهيبة لقصف التحالف العشوائي في اليمن".
حقيقة الفيديو والصور المتداولة
قبل أيام قليلة، انتشر على المنصات المختلفة فيديو وصورة لعدد كبير من المسلحين الأفارقة، زعم ناشروها أنهما لمعسكر تجنيد يضم مهاجرين أفارقة. وتحدث ناشطون -وكثر منهم من مختلف الأطراف في اليمن- أن المشهد من الحدود اليمنية السعودية. وتعددت الحكايات المزعومة حول الدوافع والجهة التي تقف خلف ذلك، فبينما تحدث البعض عن أن هؤلاء يستعدون للقتال لصالح السعودية، وأنها من تقف خلف تجنيدهم وتدعمهم بالمال والسلاح، طالب آخرون السلطات المعنية في صنعاء بالتحرك العاجل لمواجهة خطر هؤلاء قبل أن تصل الأمور إلى ما لا يحمد عقباه . وهكذا تعددت الحكايات التي قيلت بشأن هذا الفيديو والصور التي راجت على مستوى واسع جدًا في مختلف المنصات والمنابر الإعلامية، وحتى بعض وسائل الإعلام التقليدية، سيَّما المرئية منها.
وبشأن صحة هذه الأخبار من عدمها، فقد فند موقع "الجزيرة نت" هذه الحكاية من خلال تحقق دقيق بواسطة فريق مختص، خلص إلى أن الفيديو نُشرت منه نسخة في 31 أكتوبر 2025 على حساب إحدى الصفحات الإثيوبية، حيث أشار الحساب إلى أن الفيديو يوثق مشهدًا لواحدة من التجمعات العسكرية في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، والذي يظهر فيه علم منطقة تيغراي باللونين الأصفر والأحمر، الأمر الذي ينفي صلته بالوضع في اليمن.
أما بخصوص الصورة المتداولة، فقد ذكر موقع الجزيرة نت أن فريق "الجزيرة تحقق وفحص الصورة وتبين أنه تم التلاعب بها عبر برامج الذكاء الاصطناعي لزيادة أعداد الأشخاص بها، على عكس الصورة الأصلية التي نُشرت في أبريل 2020 ضمن سياق المخاوف اليمنية من توافد أعداد كبيرة من المهاجرين الأفارقة إلى منطقة "الرقو" على الحدود اليمنية السعودية، في ظل تفشي فيروس كورونا في البلاد في تلك الفترة.
تحريض واسع
المؤلم في الأمر -وبما أن الحكاية من أساسها زيف- أن موجة تحريض كبيرة ضد المهاجرين الأفارقة قد شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي والساحة الإعلامية اليمنية، تزامنًا مع تصدّر هذه الإشاعة للمشهد الإعلامي اليمني. وهذا الأمر غير مقبول، وقد يترتب عليه معاناة إضافية إلى جانب ما يعانيه عدد كبير من هؤلاء المهاجرين بحثًا عن لقمة العيش في دروب محفوفة بالنار والمخاطر بحرًا وبرًا، بصرف النظر عن الإشكالية التي يمثلها هذا التدفق، والأعباء التي تعانيها اليمن إلى جانب أعبائها الداخلية الكبيرة في ظل أزمات متواصلة. وكون هذا الفيديو والصور لا تمت للحقيقة بصلة، لا يعني أن لا أخطار قد تترتب على تفاقم هذه المسألة، التي يبدو أن الأمم المتحدة بمنظماتها المعنية باللجوء والهجرة لا توليها الاهتمام الكافي، ولا نسمع لها صوتًا إلا عند حصول كارثة ما لهؤلاء أو على صلة بهم، عبر جملة تصريحات لا تخلو في كثير من الأحيان من المغالطة أو سوء التقدير.
قد لا يخرج التدفق الإفريقي على اليمن من دائرة الخطر، وقد لا يمكننا استبعاد أن يتم استغلال هذه الهجرة غير المنظمة من قبل أي أطراف، بما في ذلك استخدامهم كوقود لحرب إذا ما قُدّر لحرب قادمة أن تنشب في اليمن، واحتمال أن تفعل ذلك السعودية وارد جدًا، وأحد السيناريوهات المطروحة على الدوام على الأقل إعلاميًا. لكن الأمر الذي نحن بصدد توضيحه الآن، هو أن لا علاقة لما تم ترويجه من أخبار وما تم تداوله من فيديوهات وصور، فجميعها لا تمت للأزمة والجغرافيا اليمنية السعودية بصلة كما أسلفنا، وإن كان قد صدّق ذلك كثير من الناس وما زالوا. ولا يمكننا أن نستند إلى الشائعات أو أن نبني عليها، حتى لو رأى البعض في ذلك فرصة للدفع بالجهات المعنية للتعامل بحزم مع أي خطر محتمل ومن أي نوع كان، فالكلمة مسؤولية.