تقارير

في الذكرى ال 62 لثورة ال 14 من أكتوبر 1963م: سردية الردع والصمود الجغرافي اليمني تفشل مشاريع الوصاية العدوانية المعاصرة

الزيارات: 214

في سفر التاريخ الوطني اليماني المجيد، لا تمثل ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م مجرد تاريخ يُحتفى به، بل هي "نقطة تحول عُظمى" و"قاعدة انطلاق راسخة"في سجل المواجهة الوجودية مع الغطرسة الأجنبية.

في الذكرى ال 62 لثورة ال 14 من أكتوبر 1963م: سردية الردع والصمود الجغرافي اليمني تفشل مشاريع الوصاية العدوانية المعاصرة

أصيل البجلي

برزخ الثورة وميثاق الانبعاث الأول (تعريف وتأصيل المبدأ)
كانت ثورة ال 14 من أكتوبر المجيدة عام 1963م ضد الاحتلال البريطاني ، في جوهرها، "قانوناً إلهياً" فُرض على الأرض، يُمثّل الإرادة الشعبية المُطالبة بـ"نهاية الميزان الصفري" (الوضع الذي يستفيد فيه المستعمر وحده على حساب الوطن) الذي حكم قرابة مائة وتسعة وعشرين عاماً من "التموضع المُهَيْمِن" والاحتلال البريطاني لمدينة عدن" وما جاورها من محميات وسلطنات. تلك الرقعة الجغرافية التي، كانت تُشكل، آنذاك، "العُمْق الاستراتيجي" لحماية مسارات إمبراطورية الاستعمار البريطانية العالمية.
لقد كانت الشرارة المُفجِّرة التي أشعلها الشهيد راجح بن غالب لبوزة في جبال ردفان الشمّاء، تجسيداً عملياً لـ استراتيجية حرب الفدائيين والكفاح الثوري كقوة مادية متواضعة لكنها أشد بأساً في مواجهة (قوات الاحتلال المدربة والمُسَلَّحة).
اعتمد الثوار على "المناورة غير المُتماثلة"، أي القتال بأسلوب لا يتوقعه الخصم ولا يملك أدوات الرد عليه. وبذلك، تحول الإيمان بوحدة المصير، ورفض الذل، إلى "العقيدة القتالية" المُتفوقة.
وهنا، تتجسد الحقيقة القرآنية المُؤَسِّسة لهذا التفوّق الروحي على المادي، في قوله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249). ولم تكن ثورة أكتوبر مجرد تمرد مسلح كما أراد وحاول توصيفها الاحتلال البريطاني ، بل كانت "ثورة كفاح وطني يمني بإرادة وعزيمة حرة رافضة ومقاومة للظلم والطغيان " أثبتت أن "السيادة اللوجستية" (تفوق الإمداد والتسليح) تنهار حتماً أمام "السيادة العقائدية" (تفوق الإيمان بالقضية)، لا سيما حين يتحول النضال المسلح إلى "سعي مقدس" يفوق كل حسابات القوة المجردة.

الانهيار البنيوي في تصريف المنْعَة وعلل الوحدة (تحليل المسار وما بعد الاستقلال)
على الرغم من تحقيق "الفتح المُبين" بجلاء آخر جندي من جنود الاحتلال البريطاني في 30 نوفمبر 1967م، فإن المأساة التاريخية لم تكمن في مرحلة التحرير، بل في مرحلة "تَصْرِيفِ المَنْعَة" (إدارة قوة الدولة واستقلالها) بعد الرحيل. لقد تحول الصراع من مواجهة العدو الخارجي إلى صراع داخلي مُفترس حول "صِيغة السيادة" و"هندسة البناء الداخلي".
هذا التحول أفرز انقسامات أيديولوجية عميقة وصلت إلى حدود "الاصطدام الأفقي"، أي الاقتتال الداخلي بين القوى التي كان يفترض أن تتوحد لبناء الدولة. لقد عانى النظام السياسي الوليد في جنوب الوطن من "عِلَّة تركيبية عميقة" (قصور بنيوي) في احتواء التنوع الثوري وصهره ضمن "ميثاق وطني جامع". تمثلت هذه العلة في التسرع في تطبيق الأيديولوجيات المستوردة على حساب الواقع اليمني المعاش، مما أدى إلى "استلاب سياسي داخلي" أغفل التأسيس لـ"اقتصاد وطني مُتكامل" قادر على امتصاص الأزمات.
هذا الإخفاق الداخلي هو التجسيد التاريخي للتحذير الإلهي في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46). ولذلك فقد أدت "مُتلازمة التنازع" إلى تآكل "الرِيح الثورية" (القوة والمنعة والهيبة)، ما مهد الطريق لعودة ما يُعرف بـ"الاستعمار الجديد"، ولكن هذه المرة بأدوات أكثر خفاءً ونعومة وأشد خبثاً.
ومن زاوية التحليل الأكاديمي، يمكن وصف هذا الانهيار بـ"مرحلة الاستهلاك الذاتي للموارد"، حيث تبدأ النُخب المُتحررة في تبديد المكتسبات، وتوجيه "الجهد القتالي" نحو الصراع على "مراكز النفوذ" بدلاً من تحقيق "الأمن التنموي المستدام" للشعب. إلى جانب الانهيار الأخلاقي قبل الانهيار السياسي، حيث تغلبت مصلحة الفصيل على مصلحة الوطن، فكانت النتيجة الحتمية هي الارتداد إلى التشظي.

الوصاية العُدوانية وتحوُّل جغرافية السيادة (قراءة في الحاضر المُعَقَّد)
اليوم، يمر الاحتفال بذكرى أكتوبر عبر "نفق جيوسياسي معقد. فالوطن يواجه منذ العام 2015م حرب محاولة لفرض الوصاية العُدوانية بشكل جديد ( يسميها البعض "الوصاية الارتدادية") التي تهدف إلى تفكيك الدولة المركزية وإعادة تشكيلها وفقاً لـ"مبدأ تفكيك الكيان الموحد" على مسارات ومستويات متعددة منها.
أ- الجانب السياسي والعسكري: تحولت الجبهات من حرب تحرير كلاسيكية إلى "صراع بالوكالة" (حرب تُدار من قِبل أطراف خارجية)، يتميز بـ"اغتراب الهوية القتالية"، حيث يُستخدم جنوب الوطن اليوم كـ"ساحة ارتكاز" (منصة عمل) لإعادة تمرير مشاريع التجزئة تحت شعارات مخادعة. هذا المسعى يهدف إلى تفعيل "نظرية التوازن السلبي للقوى"، وهي حالة لا يسمح فيها للاعب محلي بأن يحقق قوة نهائية، ما يُبقي الجميع في حالة تبعية للوصي الخارجي.
ب- الجانب الاقتصادي والثقافي: اقتصاديا تتعرض الثروة الوطنية لـ"الاستنزاف المُهيكل"، حيث يتم التحكم في مسارات النفط والغاز والموانئ، ليس بهدف النهب، بل أيضا بهدف خلق "تبعيات اقتصادية قسرية" تُبقي القرار السياسي رهينا للتمويل الخارجي. أما ثقافياً، فقد برزت محاولات متعددة لـ"اغتيال الهوية الجامعة"عبر بث "النعرات المناطقية" و"التصنيفات المذهبية"، وهو تكتيك استعماري قديم يهدف إلى إحداث "تفتيت اجتماعي عمودي" يُنهي فكرة "المواطنة الموحدة" التي ناضل من أجلها ثوار أكتوبر.

تأصيل الرؤية اليمانية المُعاصرة لـ14 أكتوبر: (العقيدة والقيادة):
هنا تبرز أهمية وجود الإطار الفكري والعقائدي الذي يُعيد الروح لـ"ميثاق ردفان" ولثورة أكتوبر المجيدة .. ولليمن الواحد والموحد من جبال مران إلى جبل حديد ولذلك فإن الرؤية التي يقودها السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، حفظه الله، ليست مجرد خيار سياسي، بل هي تجديد لـ"المسار القرآني" في مواجهة التبعية، واستعادة وحدة وعزة وكرامة وتلاحم الوطن والأمة التي يقود معركة استعادتها اليوم القائد الرباني السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي الذي لم يكتفِ بـ"رفض الوصاية"، بل قدَّم مشروعاً لإحياء "عقيدة الاستعلاء بالإيمان"، حيث تتحد البوصلة السياسية مع "التوجيه الإلهي".
وهكذا وفي زمن الذوبان والتشرذم، بات منهج وتوجه وخطاب السيد القائد يمثل "القانون الفكري المُضاد" الذي يشدّ أبناء اليمن إلى ثوابت هويتهم الأصيلة، ويُحوّل "الضعف المادي" إلى "قوة معنوية" لا تُقهر. إنه مثال يُحتذى به في الوضوح والصلابة، ويُعيد رسم ملامح "الجهاد الأكبر" ضد "الاستلاب الثقافي والسياسي"، ليظل اليمن، بقيادته، حامل راية التحرير كما كان في أكتوبر الأول.
وهذا الموقف يستمد "شرعية المُقاومة المُضادة" من الآية الكريمة: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141). إن ثورة أكتوبر هي التعبير التاريخي عن "إسقاط السبيل" للعدو على الأرض، والمقاومة الحالية هي امتداد لهذا الإسقاط في مواجهة أدوات السيطرة الجديدة التي تسعى لـ"الاستعباد الاقتصادي" بعد الفشل في "الاستعباد العسكري المباشر". هذه الرؤية تضع المواجهة الحالية في إطار "معركة الإخلاص الكبرى" للوطن، مقارنةً بـ"الإخلاص" الذي تجلّى في ردفان.

الرَّدع الاستراتيجي وحتمية الإظهار (الخاتمة والبلاغة المُستقبلية)
وتبقى الخلاصة هي أن حفظ ثمرة 14 أكتوبر لا يكون بالاحتفاء الحنيني للماضي، بل بتحقيق "الرَّدع الاستراتيجي" (إيجاد قوة تمنع الخصم من التفكير في العودة أو العدوان) وفي التحليل الأكاديمي العسكري المُعاصر، يمثل "الردع" القدرة على تغيير حسابات الربح والخسارة لدى الخصم. وهذا هو ما يُشاهَد اليوم في "جغرافيا المواجهة المُمتدة" التي تشمل الممرات المائية الحيوية. حيث انتقل اليمن، بفعل تطوير قدراته الدفاعية، من مجرد "رفض الوصاية" إلى ممارسة "آلية الإكراه الجيواقتصادي" (الضغط العسكري في نقاط حيوية تؤثر اقتصادياً على الخصوم) ضد قوى الهيمنة العالمية والإقليمية. وهذا التحول هو الامتداد العسكري المُتطور للعقيدة الثورية التي ولدت في ردفان. إنه "تَبَدُّلُ الموازين" الذي يُعيد لليمن "منعة القرار".
ويبقى السؤال المهم هنا هو : كيف ننتقل من "ذكرى أكتوبر" إلى "إنجاز أكتوبر"؟ .
تكمن الإجابة على هذا السؤال في "استدامة الرفض الوطني " لكل أشكال التبعية، والعمل على بناء "منظومة دفاعية وسياسية مُستقلة" تضمن حرية وسيادة واستقلال القرار الوطني من خلال ما يلي :
* اقتصاد الكرامة: إنهاء التحكم الخارجي في الثروات السيادية (النفط والغاز والموانئ) وتحويلها إلى أداة لخدمة "التنمية الذاتية".
* ثقافة الوحدة: مقاومة تيار التفتيت والمناطقية عبر "إحياء الميثاق الثقافي الوطني" الذي يؤكد أن دماء سبتمبر وأكتوبر سالت من أجل يمن واحد.
* قرار السيادة: الحفاظ على قوة الردع المكتسبة كـ"صمام أمان" يُجبر القوى الكبرى على الاعتراف باليمن كـ"فاعل إقليمي"لا كـ"ساحة صراع".
*في الختام تبقى الحقيقة التي يجب أن يعيها ويدركها الجميع هي أن الثورة لا تصان كرامتها بالهتافات، بل بـ"العُبور الآمِن" من بَرَزَخِ التنازع إلى فضاء الوحدة الفعلية والسيادة الكاملة. فالوحدة هي "النتيجة العادلة" و"جَزَاءُ المُحْسِنين"في هذه الدنيا. وهذا هو جوهر الرهان الأعظم: في أن نُحقّق "الإظهار" المنشود لوطن يرفض الوصاية، عملاً وامتثالاً لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 33).
ولذلك فإن "إظهار اليمن" كدولة حرة وذات سيادة ، يمتد تأثيرها إلى محيطها الإقليمي، هو الاستقلال الذي لم يكتمل بعد، وهو القسم الذي يجب أن يُقسمه جيل اليوم أمام ضريح كل شهيد من شهداء أكتوبر المجيدة، قسماً على استكمال "ميثاق التحرير الثاني" تحت راية العلم الهادي والقائد الرباني السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله .

طباعة