لكن هذا التحالف ورغم البداية المهولة لحملته وضرباته وحجم القوة العسكرية والعتاد والقوى البشرية التي استخدمت على الأرض في عشرات الجبهات المفتوحة فشل في حسم المعركة في نهاية المطاف وتاهت العاصفة وعصفت بها رمال ووديان وشعاب اليمن وترنحت الحشود وخفتت العنتريات الإعلامية حتى صمتت المدافع وتوقفت الطائرات ودخلت الحرب في هدن متعاقبة لا تنتهي بعد أن أدركت الرياض ومعها أبو ظبي أن لا سبيل للوصول إلى الأهداف التي وضعوها في لحظة وقوع في خطأ الحسابات والتقديرات .. تفاصيل في السياق التالي :
وسيم عبدالله حليف
نصف عقد من الحرب المتعثرة كان كفيلا بأن يجعل الرياض وأبو ظبي تعيدان الحسابات وتوقفان الحرب تحت وطأة ضغوط كثيرة أبرزها التعثر الميداني ومع ذلك تجسد حرصهما بوضوح أن لا يؤدي الأمر إلى إنهاء نفوذهما في اليمن أو إنهاء التدخل في شؤونه و بما لا يؤدي إلى انسحاب كامل أو الكف عن العبث في مناطق مختلفة من البلاد ما زالت تحت سيطرة قواتهما إلى اليوم .
تراجع وخلخلة وسباق سيطرة
من عوامل تراجع الدور الإماراتي في اليمن وفيما يتعلق تحديداً بالعمليات العسكرية المباشرة المخاطر الأمنية التي استشعرتها أبو ظبي مع تطور الضربات اليمنية التي كانت توجه حينها وبشكل مركز على مواقع ومناطق داخل السعودية الأمر الذي طرح عديد من التساؤلات عن استهداف السعودية دون الإمارات لفترة من الزمن في خطوة اعتبرت حينها بالذكية من صنعاء حد اتهام أصوات إعلامية موالية للتحالف أبو ظبي بالتخلي عن السعودية والدخول في تفاهمات سرية مع صنعاء تضمن تحييد أبو ظبي عن بعض الأمور ، لم يتسنى حينها التأكد من صحة ذلك إلا أن الأمر تطور الى ما يشبه الأزمة بين الرياض وأبو ظبي بشكل غير معلن كذلك .. لكن مصادر إعلامية عديدة كانت تتحدث عن ذلك وعزز حديثها حالة التنافس المحموم بين البلدين وسعي كل منهما للسيطرة على محافظات ومناطق عدة من اليمن سيما في الجنوب على وجه التحديد ، لكن كل ذلك لم يمنع من أن توجه صنعاء وبشكل صريح ولأكثر من مرة تهديداتها لأبو ظبي لإدراكها أن العبث واللعب الإماراتي حينها لم ينته بعد وهو العبث المستمر إلى اليوم في الساحل الغربي ومناطق أخرى.
لامأمن من المكر السعودي
بعد تزايد الضربات اليمنية الصاروخية والمسيرة على مواقع في السعودية وارتفاع نسبة التهديد وتسديد ضربات موجعة أبرزها الهجمات على منشآت نفطية سعودية رضخت الرياض أخيرا واضطرت لإيقاف عملياتها وتنويم الجبهات في الداخل اليمني وعلى الحدود ودخلت اليمن في حالة من اللا سلم واللا حرب استمرت إلى اليوم واستمر معها بكل تأكيد العبث السعودي المباشر وغير المباشر داخل الأراضي اليمنية وبشتى الوسائل كالحروب الاقتصادية التي تشن على اليمن بطرق مختلفة وتقاسم المدن والمحافظات والجزر اليمنية مع شريكتها الإمارات على مرأى ومسمع ، الأهم من كل ذلك أن لا مأمن من المكر السعودي المتوقع في أية لحظة خصوصا إذا ما تأكد لها أن صنعاء تمر بمراحل صعبة أو في حالة انشغال بخصوم آخرين كالكيان الإسرائيلي لتستثمر مثل هذه الأمور بالشكل الذي يؤدي إلى تحقيق ما لم تستطع تحقيقه إلى اليوم أن أمكنها ذلك .
الحياد بهدف إعادة الحسابات
تراجع الدور الميداني للإمارات في اليمن لم يكن هو الآخر نابعا من القناعة الرسمية في الإمارات بأهمية أن يترك اليمن وشأنه أو على سبيل تصحيح الأخطاء أو نحو ذلك إنما كان الأمر عبارة عن إعادة حسابات بعد اصطدام عمليات تحالف العدوان بمتانة وقوة صد أثبتتهما صنعاء طيلة سنوات من الحرب العدوانية من مارس 2015 حتى توقفت العمليات بشكل رسمي وظلت الأمور كما هي عليه الآن من استمرار استنفار وتحشيد وتعبئة على مختلف الجبهات ومن مختلف الأطراف في الداخل اليمني ، وبالرغم من أن الإمارات كانت سباقة في إيقاف عملياتها العسكرية عموماً وغاراتها الجوية على وجه التحديد إلا أن أطرافا في الداخل تدين بالولاء المطلق لها وتمويلها بالكامل من أبو ظبي لم تتوقف يوما عن التهديد والوعيد ومحاولاتها الواضحة استغلال انشغال صنعاء بالمواجهة من القوى الكبرى تباعاً من أمريكا وتحالفها إلى تحالف أسبيدس الأوروبي إلى المواجهة المباشرة مع الكيان الإسرائيلي وقد شهدنا خلال الفترات الماضية نداءات عديدة من الأطراف اليمنية الموالية للرياض وأبو ظبي بضرورة تحريك جبهات الداخل بالتزامن مع مواجهة صنعاء لهذه القوى التي ذكرناها لولا أن حائل سعودي إماراتي ما يتعلق بقلقهما من أي تصعيد محتمل أوقف ذلك على ما يبدو ولكون هذه الأطراف لا تستطيع تجاوز رغبة البلدين وتوجهاتهما كان حتماً من الطبيعي أن خفتت وتوارت كل هذه الأصوات وتلاشى التصعيد الفيسبوكي لجماهيرهم بشكل مفاجئ ودفع البعض منهم لاتهام قادتهم بأنهم مجرد دمى لا تمتلك قرارا أو ما يشبه ذلك.
الترويج المفتعل وغير المفتعل
منذ ما قبل سنوات وبين الفينة والأخرى يجري الحديث عن شخص أحمد علي عبدالله صالح النائم الصامت في مقر إقامته بأبو ظبي والترويج المفتعل وغير المفتعل له بأنه المنقذ والوحيد الذي بإمكانه إدارة المراحلة العصيبة والحساسة من تاريخ اليمن لكنه ما يلبث أن يتم اتهامه بالتخاذل والعجز عن الظهور وإعلان مواقفه بشكل صريح تجاه أي من القضايا سيما تجاه صنعاء لدرجة أن يعود ليصبح شخصا ميؤس منه بالنسبة لهم خصوصا بعد حالة الصمت التي لازمته بعد وأثناء أزمة الثاني من ديسمبر التي كان والده طرفا فيها ولقي حتفه خلالها لكن يفترض أن لا غرابة في كل ذلك سواء تحرك أو بقي صامتاً لكون الأمر يتعلق بما يتناسب مع موقف ورغبة أبو ظبي بكل تأكيد حاله حال من أسلفنا الحديث عنهم هنا ، لكن أبوظبي بكل تأكيد لن تبقى على قناعة واحدة ومسار واحد فمن خلال بعض تحركات الرجل المعلن وغير المعلن عنها في الفترات الماضية يتضح دورا إماراتياً مشبوها يقف وراء هذه التحركات التي كان آخرها ظهوره في خطاب متلفز بدا فيه كطامح للعودة وحالم بالملك الأمر الذي تسبب في سجال حاد على منصات التواصل الاجتماعي من مؤيد ومعارض وبرز الرفض لفكرة تسويق الرجل من جديد والتأكيد على استحالة القبول بذلك على صفحات ومنابر ( ناشطي صنعاء ، ناشطي الانتقالي ، ناشطي توكل كرمان وبعض أجنحة حزب الإصلاح).
التسويق الممنهج واستحالة العودة
بغض النظر عن محاولات التسويق والترويج الممنهجة قد يرى البعض أن أحمد علي يختلف عن غيره من قيادات الخارج والأطراف الموالية للرياض وأبو ظبي وأنه يحظى بالقبول الأكبر بين الجماهير الموالية لتلك الأطراف وعند دول كالإمارات التي تتحين الفرص كما هو واضح لفرضه على مختلف الأطراف التي تقاتل بجانبهم منذ انطلاق عاصفة الحزم المعصوفة والكل يعلم مدى عدم تقبل هذا البلد لفكرة أن يسود المشهد في أي بلد عربي الأخوان المسلمون لذلك من الملائم بالنسبة لها الإبقاء على الرجل منذ أعوام على أراضيها كورقة تريد الدفع بها في أي لحظة إلى صدارة المشهد السياسي اليمني حتى منذ ما قبل شن حرب تحالفهما في اليمن وقبل سيطرة المكبرين على صنعاء والحديث الذي كان يدور عن محاولة الإمارات إسقاط ما جرى في مصر على اليمن وأن يكون نجل علي صالح هو (سيسي اليمن) كما كان يحلو للحالمين من أنصارهم تسميته آنذاك إلا أن المستحيلات أمامه بالجملة ولا ترتبط فقط بعقبة صنعاء التي وكما يبدو ترفض حتى التعامل مع الرجل كطرف سياسي في أي عملية تفاوضية قادمة فما بالك وهي على استعداد لكبح كل محاولات تسويق وتمكين الرجل إن تبدت أكثر فأكثر بشتى الطرق والوسائل والتي من بينها شن عمليات عسكرية ما في الداخل أو في الخارج أو ممارسة ضغوط من أي نوع على الإمارات إن وصل الأمر حد أن تتجاوز الأخيرة حدود ما يمكن أو توصف بالخطوط الحمراء التي تعلم أن صنعاء لا تقبل بتجاوزها وهي التي على ما يبدو تعيها جيدا منذ بدء تراجع دورها العسكري في اليمن بعد تطور قدرات وعمليات صنعاء الصاروخية والمسيرة ولا ننسى هنا الطائرة المسيرة التي ضربت أبو ظبي فقلبت كل الموازين.
ولو تحدثنا عن أسباب أخرى تمنع إعادة تدوير أسرة علي صالح فسنجد أنه من المغالطة ما يذهب إليه البعض من أن هناك ما يشبه الإجماع على نجل صالح أوساط الأطراف الموالية للرياض وأبو ظبي كرجل مرحلة مع أن الكل يدرك أن قوى وأحزاب وتيارات بل ومناطق ترفض عودته أو الحديث عنه كمنقذ فلا الانتقالي بصرف النظر عن حتمية انصياعة للإمارات وإملاءاتها ولا قوى جنوبية عديدة ولا تيار شعبي واسع هناك ولا تيار واسع داخل حزب الإصلاح - وإذا ما تحدثنا عن القناعات بعيدا عن الضغوط فكان بإمكاننا أن نقول ولا الإصلاح كحزب سيقبل بذلك ولا تيارات شبابية عديدة ولا أجنحة عسكرية وقوى قبلية ومجتمعية في أكثر من منطقة ومحافظة ، جميعها لا تقبل بعودة النمر الوردي كما يحلو لبعض رواد المنصات التفاعلية تسميته.
ربما لا يعلم بعض الحالمين أن طائرة مسيرة واحدة إلى أبو ظبي كفيلة بإعادة أحمد صالح للنوم عشر سنوات أخرى قادمة وبتوجيه من الكفيل الإماراتي نفسه لتغيب مع ذلك كل الشعارات الرنانة التي توشح بها في خطابه الأخير من الوطنية إلى الثورة إلى الجمهورية إلى غير ذلك وسيشغّل وضع الصامت ليعود هؤلاء من جديد إلى نغمتهم السابقة بأنه العاقل الحصيف الذي يعرف متى يتكلم ومتى يظهر ومتى يعود للمشهد من جديد وحجر وسيري سائرة.!!