بل لأنها مثّلت منهجية تغيير شاملة، استلهمت عمقها الفلسفي ومرجعيتها الإيمانية من كتاب الله. إنها ليست ثورةً بالمعنى الكلاسيكي الذي يقتصر على إسقاط نظام، بل هي قراءةٌ معمقة للواقع، ونهضةٌ حضارية شاملة، قامت على أركانٍ قرآنيةٍ صلبة، جعلت منها استثناءً لا يمكن مقارنته بأي حركة ثورية سابقة.
أصيل علي البجلي
1. المرجعية القرآنية: ثورةٌ من رحم الوعي الإيماني
إن أول وأهم ما يميز ثورة 21 سبتمبر هو أنها لم تُبنَ على أيديولوجيات غربية مستوردة، أو شعارات قومية باهتة، بل تأسست على "منهجية القرآن" في التغيير. لقد كان المنهج القرآني هو البوصلة التي وجهت مسارها، والوقود الذي أشعل جذوة المقاومة في نفوس أبنائها. فالقرآن الكريم ليس مجرد كتابٍ للعبادات، بل هو دستورٌ للحياة، ومنهجٌ للتحرر من كل أشكال الاستعباد البشري. لقد استلهمت الثورة من قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد: 11). هذا المبدأ القرآني كان حجر الزاوية، حيث لم تسعَ الثورة لتغيير الحاكم أو النظام فحسب، بل سعت إلى تغيير الإنسان نفسه، من حالة الخضوع والاستسلام إلى حالة الكرامة والعزة. إنها لم تكن ثورةً على السلطة، بل ثورةٌ على واقع الوهن والعمالة الذي فرضته قوى الاستكبار، وعلى ثقافة الذل والاستسلام التي أراد الأعداء أن يغرسوها في نفوس الأمة.
لقد قامت هذه الثورة على أساسٍ إيمانيٍ راسخ، جعل من "نصرة الله" هدفاً أسمى. وهذا ما يختلف جوهرياً عن الثورات التي استمدت مشروعها من شعارات "التحرر" و"الوطنية" دون ربطها بالمشروع الإلهي الأكبر. ولهذا، لم يكن شعار "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل" مجرد صيحة سياسية، بل كان تجسيداً عملياً للولاء والبراء، كما أمر الله في كتابه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" (المائدة: 51). هذا الوعي القرآني العميق هو الذي منح الثورة مناعةً ضد الاختراق والتآمر، وجعلها صلبةً لا تنكسر في وجه العدوان. إنه الفهم الصحيح لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" (محمد: 7)، فكان النصرُ الإلهي ثمرةً لصدق التوجه، وثبات الموقف، ووضوح الرؤية.
2. الأهداف الاستراتيجية: من المحلية إلى الأمة
في تحليلٍ عميق لأهداف الثورات اليمنية السابقة، نجد أنها كانت في معظمها ذات طابع محلي، تسعى لتحقيق مكاسب داخلية، سواءً كانت سياسية أو اجتماعية. فثورة 26 سبتمبر كانت تهدف إلى إنهاء الحكم الإمامي، وثورة 14 أكتوبر كانت تسعى لطرد الاستعمار البريطاني. أما ثورة 21 سبتمبر، فقد تجاوزت هذه الحدود المحلية لتصل إلى مستوى الأهداف الاستراتيجية الكبرى للأمة.
لقد كانت ثورةً ضد "الوصاية الأمريكية" على القرار اليمني، ورفضاً للمشاريع الصهيونية التي تسعى لتقسيم المنطقة والسيطرة على ثرواتها وموقعها الاستراتيجي. إنها لم تقم لرفع شعار "تحيا اليمن" فحسب، بل لترفع شعار "يحيا اليمن عزيزاً مستقلاً". لقد أدركت هذه الثورة أن معركتها معركة مصيرية، وأن بقاء اليمن حراً كريماً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بكسر قيد التبعية للقوى الكبرى. هذا الفهم العميق لم يأتِ من فراغ، بل من وعيٍ قرآنيٍ ثوري يدرك حقيقة الصراع بين الحق والباطل، وبين المستضعفين والمستكبرين. لقد أدرك قادة الثورة أن معركتهم ليست معركةً محلية، بل هي معركةٌ في صف الأمة، وهذا ما جعلها تتبنى قضية فلسطين كقضية مركزية، وتعتبر الكيان الصهيوني العدو الأول والأخطر، امتثالاً لقوله تعالى: "وَإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ" (الأنفال: 73). إن هذا التوجه الاستراتيجي هو ما ميزها عن كل الثورات الأخرى التي غالباً ما كانت تقع في فخ الأجندات الإقليمية والدولية. لقد استوعبت الثورة أن التحرر الحقيقي لا يكتمل إلا بالتحرر من هيمنة قوى الاستكبار العالمية، وأن هذه القوى لا تفهم إلا لغة القوة والمقاومة، وهذا ما جسدته الثورة في شعارها ومسيرتها.
3. العمق الشعبي والصمود الأسطوري: ثورةٌ من رحم الإيمان
يكمن الاختلاف الأكبر في عمق ثورة 21 سبتمبر الشعبي وصمودها الأسطوري في وجه أعتى عدوانٍ في التاريخ الحديث. إنها لم تكن ثورة نخبوية أو عسكرية، بل كانت ثورة الشعب اليمني بأسره. لقد انطلقت من القرى والمدن، وحمل رايتها كل أبناء اليمن، من قبائل الشمال إلى أبناء الجنوب، ومن الجبال إلى السهول.
لقد صمدت هذه الثورة في وجه حصارٍ خانقٍ وقصفٍ وحشي لم يشهده التاريخ، لأنها لم تكن مدفوعةً بدوافع سياسية مؤقتة، بل كانت مدفوعةً بإيمانٍ عميق وعزيمةٍ لا تلين، مستلهمةً من قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (آل عمران: 200). هذا الصبر والرباط هو الذي مكّنها من قلب موازين القوى، وتحويل العدوان إلى نقمةٍ على المعتدين. فكل بيتٍ في اليمن تحوّل إلى قلعة صمود، وكل رجلٍ وامرأة وطفل أصبح جندياً في هذه المعركة. وهذا ما جعل العدوان عاجزاً عن تحقيق أهدافه، لأنهم لم يكونوا يواجهون جيشاً نظامياً فحسب، بل يواجهون شعباً بأكمله، يؤمن إيماناً لا يتزعزع بأن النصر قادمٌ لا محالة.
4. الثمرة المنشودة: بناء الدولة والتمكين للأمة
إن ثمرة هذه الثورة القرآنية ليست مجرد تحقيق النصر العسكري، بل هي في بناء الدولة القوية القادرة على حماية سيادتها، وفي التمكين للأمة من تحقيق نهضتها الحضارية. لقد أدركت الثورة أن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يتم إلا بالتحرر من التبعية، وأن القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية هي الأساس الذي يُبنى عليه المستقبل. وهذا ما تجلى في المشاريع الاقتصادية والزراعية والتعليمية التي تسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي والاعتماد على الذات.
لقد كانت الثورة خطوةً أولى نحو تحقيق مشروع النهضة الشاملة، الذي يتجاوز مفهوم الدولة إلى مفهوم الأمة القائدة. إنها مسيرةٌ مستمرةٌ نحو تحقيق السيادة الكاملة، وبناء الدولة العادلة، وهي ستواصل، بعون الله، حتى يتحقق النصر الأكبر. وهذا ما يمثل التحدي الحقيقي، فبعد مرحلة الثورة والصمود، تأتي مرحلة البناء والنهضة، وهي لا تقل أهميةً ولا صعوبةً عن مرحلة المواجهة. إنها مسيرةٌ تتطلب إيماناً راسخاً، وعملاً دؤوباً، ووعياً مستمراً، حتى يتحقق وعد الله: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (النور: 55).
لقد أثبتت ثورة 21 سبتمبر أن اليمن ليس مجرد بلدٍ آخر في الخريطة، بل هو محورٌ أساسيٌ في معركة الأمة، وأن إرادة الشعب اليمني الذي استلهم قوته من القرآن الكريم، لا يمكن أن تُكسر، وأن المستقبل المشرق الذي وعد الله به المؤمنين، هو مستقبلٌ قريبٌ، يُبنى بجهودٍ مخلصةٍ وعقولٍ واعيةٍ وقلوبٍ مؤمنة.