بل جاءت وفق تكتيك عسكري دقيق تم تنفيذه عبر سلاح الجو المسيّر اليمني، وبسلسلة من الطائرات التي نجحت في تجاوز منظومات العدو الدفاعية، بما فيها الأمريكية ، وحققت أهدافها بدقة، شلّت حركة الملاحة في بعض المطارات، وأربكت أجهزة الرصد والردع داخل الكيان .. وعلى الرغم من محاولة العدو التكتم الإعلامي على حجم الأضرار، إلا أن الإرباك الواضح في إعلامه، وتخبط تصريحاته الأمنية، كشفت حجم التأثير والوجع الذي تسببت به هذه الضربات.. تفاصيل في السياق التالي :
اليمن – متابعات
قالت صحيفة غلوبس العبرية أن اليمنيين يغيرون أساليب عملياتهم الهجومية وبأن خطر الطائرات المسيرة اليمنية بات يمثل تهديدًا متزايدًا على عمق الكيان بعد سلسلة من العمليات النوعية التي كشفت عن هشاشة منظومات الدفاع الإسرائيلية.
وأشارت الصحيفة إلى أن طائرة مسيرة يمنية تمكنت من اختراق الدفاعات وضرب مطار رامون بشكل مباشر ودون سابق إنذار، فيما حلقت مسيرة أخرى في أجواء فلسطين المحتلة لمدة نصف ساعة كاملة واعتبرت الصحيفة أن هذا التطور يعكس تغيّر أساليب عمل اليمنيين في اختيار المسارات، وأوقات التنفيذ، وأهداف الهجمات، وهو ما يضع جيش الاحتلال أمام تحدٍ نوعي متصاعد.
تل أبيب تعترف بالعجز
وأكدت غلوبس أن هذه هي المرة الثانية خلال أربعة أشهر التي ينجح فيها اليمنيون في إصابة مطار داخل الكيان بعد الضربة الباليستية التي استهدفت مطار بن غوريون في مايو، وأن حادثة رامون الأخيرة تندرج ضمن استراتيجية يمنية واضحة لفرض حصار جوي على المطارات الإسرائيلية، في وقت تعترف فيه تل أبيب بأنها عاجزة عن منع تكرار هذه الاختراقات. وأضافت أن الطائرات المسيرة، بخلاف الصواريخ، صغيرة الحجم، منخفضة الارتفاع، سهلة المناورة، وبصمتها الرادارية منخفضة، الأمر الذي يجعل اكتشافها واعتراضها مهمة بالغة الصعوبة.
قدرة على إصابة أهداف حساسة
وذكرت الصحيفة أن الهجمات اليمنية لم تعد مجرد عمليات تكتيكية محدودة، بل تحولت إلى مصدر تهديد استراتيجي قادر على إصابة أهداف حساسة والتأثير على الاقتصاد الإسرائيلي وقطاع الطيران بشكل مباشر. وبينت أن أنظمة الدفاع مثل القبة الحديدية وقبة الدرع قد أظهرت قدرة جزئية على مواجهة المسيرات، لكنها لم تُصمم أساسًا لهذا النوع من التهديد، كما أن تكلفة تشغيل الطائرات المقاتلة والمروحيات لمطاردة المسيّرات توازي أو تفوق تكلفة السلاح اليمني البسيط، ما يجعل المعادلة في صالح اليمنيين.
وأشارت غلوبس إلى أن الجيش بات يعتمد على وسائل إضافية، منها تقنيات الطيف والحرب الإلكترونية لتعطيل اتصالات المسيّرات، لكن النتائج ما تزال محدودة، والدليل أن بعض الطائرات اليمنية وصلت إلى أهداف استراتيجية داخل العمق.
واختتمت الصحيفة بالتأكيد على أن الضربات الأخيرة تمثل تحولًا خطيرًا، وأن استمرار اليمن في تطوير أساليبه وتصعيد وتيرة عملياته يعني أن إسرائيل تقف أمام تهديد متواصل لا يمكنها التعايش معه أو تطبيع وجوده.
فشل استراتيجي إسرائيلي مستمر
إلى ذلك نشرت صحيفة هآرتس العبرية تحليلًا مطولًا اعتبرت فيه أن الاحتلال الإسرائيلي بات عالقًا في ما وصفته بـ"حرب العصابات " مع اليمن، بعد أن انسحبت الولايات المتحدة من المواجهة المباشرة مع صنعاء ووقّعت اتفاق وقف إطلاق نار معها، ما ترك إسرائيل وحيدة في مواجهة الضربات اليمنية.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الحرب تعزز مكانة اليمنيين داخليًا وإقليميًا، في وقت أخفقت فيه كل الاستراتيجيات العسكرية الإسرائيلية في تحقيق أي تغيير ملموس على أرض الواقع.
وأوضحت الصحيفة أن واشنطن، ومعها دول كالإمارات والسعودية، اضطرت في السنوات الماضية للانسحاب أو توقيع اتفاقيات تهدئة مع صنعاء بعد أن فشلت في تحقيق أهدافها،
بينما لا تزال إسرائيل تكرر الأخطاء نفسها بمحاولة استهداف قيادات مدنية أو مواقع استراتيجية اعتقادًا منها أن ذلك سيؤدي إلى إضعاف قدرات اليمنيين، لكن ما يحدث هو العكس تمامًا. فحتى بعد اغتيال رئيس الوزراء اليمني أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، جاءت ضربة مطار رامون لتعيد إسرائيل إلى "مربع الصفر"، وتثبت أن القدرات اليمنية لا تزال قائمة ومتطورة.
وأكدت هآرتس أن الضربات الجوية والاغتيالات وتدمير البنية التحتية المدنية لم تشكل رادعًا كافيًا، وأن مجرد نجاح طائرة مسيّرة واحدة أو صاروخ واحد في اختراق العمق الإسرائيلي يُعد كافيًا لإثبات استمرار الفشل الاستراتيجي.
معتبرة أن هذه ليست حربًا بين جيشين ولا مواجهة مع "وكيل إيراني" يمكن الضغط على دولته، بل حرب طويلة الأمد ضد قوة وطنية مستقلة لا تعتمد بشكل أساسي على التمويل الخارجي، وتمتلك مواردها الذاتية من الضرائب ورسوم العبور وصناعاتها العسكرية المحلية.
استراتيجية حصار جوي وبحري
وأوضحت أن استهداف المطارات والموانئ الإسرائيلية ليس مجرد رد فعل على أحداث معينة، بل جزء من استراتيجية حصار جوي وبحري ممنهجة تهدف إلى إلحاق أكبر ضرر بالاقتصاد الإسرائيلي وبنيته التحتية.
واعتبرت هآرتس أن هذه المعطيات كلها تضع إسرائيل أمام معركة لا يمكن كسبها بالمنطق العسكري وحده، إذ إن اليمنيين كيان وطني مستقل يربط استمرار هجماته بوقف العدوان والحصار على غزة، وهو ما يجعل نهاية الحرب على غزة وحدها الخيار الوحيد القادر على إغلاق هذه الساحة التي تواصل فضح "حدود القوة" الإسرائيلية.
وختمت بالقول إن إسرائيل تكرر نفس ما جربته أميركا وبريطانيا والسعودية والإمارات، بالاعتماد على القوة العسكرية وحدها، لكنها تجد نفسها في مواجهة تهديد متجدد يتطور كلما استمر العدوان على غزة واستمر الحصار، مؤكدة أن نهاية الحرب على غزة قد تكون وحدها مفتاح إغلاق هذه الجبهة التي تصر على تعليم إسرائيل "حدود قوتها".
اعترافات جديدة بالفشل
في السياق نشرت صحيفة إسرائيل هيوم العبرية تصريحات لافتة أدلى بها القائد السابق لمديرية الدفاع الجوي في جيش الاحتلال، العميد احتياط زفيكا هايموفيتش، اعترف فيها بتطور القدرات اليمنية وتحوّلها إلى تهديد استراتيجي متصاعد على الكيان. وقال هايموفيتش إن "الحوثيين يتعلمون ويصقلون عملياتهم"، موضحًا أنهم خلال السنوات الأخيرة باتوا قادرين على تصنيع صواريخهم وطائراتهم المسيّرة داخل اليمن بشكل كامل. وأضاف أن سلاح الجو الإسرائيلي بات يواجه "تهديدًا جويًا متعدد الجبهات"، يفرض عليه جاهزية فورية بزاوية 360 درجة، إذ لم يعد الخطر يأتي من الجنوب وحده، بل يمكن أن يظهر من الغرب أو الشرق أيضًا. واعتبر أن ما يميز اليمنيين هو قدرتهم على تطوير تكتيكاتهم، سواء في طريقة نشر التهديدات، أو اختيار المسارات، أو توقيت العمليات، أو الأهداف الاستراتيجية، مؤكّدًا أنهم "يختبرون منظومة جيش الدفاع الإسرائيلي ويواصلون تحديها".
وأشار القائد السابق إلى أن التهديد اليمني قد يبدو تكتيكيًا في بدايته، لكنه قادر على التحول إلى "مشكلة استراتيجية" خطيرة، مستشهدًا بفشل اعتراض صاروخ أصاب منطقة قرب مطار بن غوريون وما سبّبه من قلق واسع. وأوضح أن أي إصابة مباشرة في هدف استراتيجي، سواء كان مطارًا أو منشأة حيوية، تحمل "إمكانات ضرر هائلة" على الكيان، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وختم هايموفيتش بالقول إن "إسرائيل لا يمكنها أن تطبع التهديد القادم من اليمن أو أن تعيش في ظله"، محذرًا من أن تجاهل هذا الخطر سيجلب على الكيان أضرارًا "غير مقبولة".