طلال الشرعبي
دشنت أمريكا كقوة عظمى فصل تاريخها الدموي الإرهابي بإلقاء قنبلتين ذريتين على اليابان؛ الأولى على هيروشيما في 6 أغسطس 1945، والثانية على ناغازاكي في 9 أغسطس 1945 .. لتقتل بذلك أكثر من مئتي ألف إنسان في لحظات، وتترك أجيالاً كاملة تعاني من السرطانات والتشوهات. ومنذ ذلك اليوم صار الدم جزءاً من تعريف “الهوية الأمريكية”، وصارت الحرب هي اللغة الأكثر بلاغة في خطابها للعالم.
لم تكتف واشنطن بنقل أساطيلها إلى كل المحيطات، بل صنعت من الحروب وسيلة لدعم اقتصادها ، ومن العنف سياسة للتعبير عن دبلوماسيتها وديمقراطيتها المزعومة ، ومن الدماء وقوداً لفرض سطوتها وسيطرتها وهيمنتها على العالم حتى غدا النصف الثاني من القرن العشرين وما تلاه مرادفاً لآلة القتل الأمريكية التي سالت بسببها أنهارا من دماء جنودها ودماء الشعوب البريئة.
رغم الهزائم المثخنة بالخسائر
يكشف تاريخ أمريكا وحروبها العدوانية غير المبررة وبوضوح تام أنها دولة لا تجيد سوى إشعال النار، لكنها تعجز عن إطفائها، ولا تتقن سوى التدمير لكنها تفشل في البناء، وأنها الأكثر دموية وخطورة على البشر في هذا العصر .. والدليل على ذلك أن أمريكا لم تدخل حرباً منفردة إلا وخرجت منها مهزومة أو مثخنة بالخسائر ومن ذلك على سبيل المثال :
في كوريا، خاضت حرباً استمرت ثلاث سنوات (1950-1953) قُتل فيها أكثر من 36 ألف جندي أمريكي، وانتهت بتقسيم شبه الجزيرة لا بنصر مؤزر.
وفي فيتنام، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 150 مليار دولار آنذاك (ما يعادل تريليونات اليوم) وفقدت نحو 58 ألف جندي، لتنسحب في 1975 تحت ضغط المقاومة الشعبية، تاركة وراءها سمعة مشوهة وصور جنودها وهم يفرون من سايغون.
في العراق 2003، ورغم استخدام أحدث الأسلحة، فإن الاحتلال واجه مقاومة مسلحة أجبرت واشنطن على إنفاق أكثر من تريليوني دولار، وخسرت أكثر من 4500 جندي، إضافة إلى عشرات الآلاف من الجرحى والمصابين بإعاقات دائمة.
في أفغانستان، أطول حرب في تاريخها، أنفقت أمريكا أكثر من 2.3 تريليون دولار خلال عشرين عاماً، لتسقط كابول في غضون أيام بيد طالبان، وتهرب واشنطن في مشهد أذلّها أمام العالم.
في ليبيا وسوريا لم تجلب لها تدخلاتها نصراً، بل فتحت أبواب فوضى خلّاقة أكلت حلفاءها وأضعفت نفوذها.
وزارة حرب ترامب تسقط قناع الديمقراطية
وسط هذا التاريخ الملطخ بالدماء، جاء قرار إدارة ترامب بتغيير اسم “وزارة الدفاع” إلى “وزارة الحرب” في الخامس من سبتمبر الحالي كإعلان رسمي عن سقوط الأقنعة. فطالما ادعت واشنطن أنها تدافع عن الحرية والديمقراطية، لكن الخطوة الجديدة نسفت هذا الادعاء، لتقول للعالم: نحن دولة حرب ولسنا دولة ديمقراطية وسلام .
العنف والقتل هوية وعقيدة أمريكية
الكثير من السياسات التي انتهجتها والحروب العدوانية التي شنتها أو أذكت نارها ودعمتها أثبتت أن العنف هوية والقتل عقيدة بالنسبة لأمريكا وإدارات حكمها المتعاقبة ورغم محاولات التستر والتغطية على هذه الحقيقة بقناع الديمقراطية وادعاءات الدفاع عن حقوق الإنسان .. أزال الغموض وأسقط القناع المزيف تصريح وزير الدفاع الأمريكي “بيت هيغسيث” الصريح والواضح عقب قرار إدارة ترامب بتغيير اسم “وزارة الدفاع” إلى “وزارة الحرب ولم يوارِ بيت هيغسيث شيئاً حين أعلن قائلا : “ستخوض وزارة الحرب معارك حاسمة، لا صراعات لا نهاية لها. ستقاتل من أجل الفوز، لا من أجل الهزيمة. سنعتمد أسلوب الهجوم، لا الدفاع فقط. سنستخدم أقصى قوة فتك، لا أسلوباً قانونياً فاترًا. سنستخدم أسلوب العنف، لا أسلوباً يعتمد على الصوابية السياسية. سنُنشئ محاربين، لا مجرد مدافعين”.
هذا النص وحده يكفي ليكون وثيقة دامغة تكشف جوهر أمريكا: العنف هو هويتها، والهجوم هو عقيدتها، والحرب هي قدرها. فالتغيير لم يكن في الاسم فقط، بل في إعلان العقيدة التي حكمت وتحكمت بسياسات وممارسات أمريكا لعقود، وأصبحت الآن تُقال علناً بلا مواربة.
أمريكا والكيان وجهان لعملة واحدة
الحقيقة التي لا يمكن لأحد إنكارها هي حقيقة أن الرئيس الأمريكي ترامب أراد بقرار تغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب تذكير العالم بهوية أمريكا الإرهابية الحقيقية وأنها ليست دولة ديمقراطية وسلام بل دولة حروب عدوانية لا حدود لها وساحاتها بلدان العالم كله، وأهدافها فرض الغطرسة والاستكبار والسطوة والسيطرة والهيمنة الأمريكية على الشعوب ونهب ثرواتها وخيراتها.
وما من شك في أن هذه الأهداف والمصالح التي يسعى إلى تحقيقها ترامب ليست معزولة عن أهداف ومصالح كيان الاحتلال الصهيوني، بل تتقاطع مع مصالحه بعمق.
لذلك يندفع قادة كيان الاحتلال الصهيوني، وعلى رأسهم نتنياهو، لاعتبار الزمن الراهن هو اللحظة التاريخية والفرصة الذهبية لتحقيق الحلم التوراتي بدولة دينية تمتد من النيل إلى الفرات ويرون في الدعم الأمريكي فرصة تاريخية للتمادي في جرائمهم ضد الفلسطينيين ولتوسيع مشروعهم الاستعماري في المنطقة .
كما أن الكيان، الذي نشأ على الاغتصاب والاستيطان والقتل، يدرك أن وجوده مرتبط بالآلة العسكرية الأمريكية، وأن أي تحول أمريكي نحو نهج شن الحروب العدوانية الصريحة يمثل فرصة ذهبية لتحقيق أهدافه في غزة ولم تعد هذه الحقيقة موضع جدالٍ لا سيما بعد أن أصبحت العُدوانية أهم صادرات أميركا الثقافية والشذوذ الأميركي السافر في دعم حرب الإبادة الإسرائيلية في غزّة طيلة 700 يوم أبرز الشواهد على هذه الحقيقة.
خلاصة وبداية النهاية
وتبقى الخلاصة أن الكيان الصهيوني يضع مصيره في سلة قوة تتراجع عالمياً، ويتمادى في فتح جبهات مع شعوب المنطقة في وقت يتوسع فيه محور المقاومة ويزداد صلابة، من لبنان وغزة إلى اليمن والعراق وسوريا. وما يعتبره الكيان اليوم مظلة أمريكية للحماية قد يتحول غداً إلى عبء وجودي عليه ، لأن أمريكا التي تخسر حروبها لن تستطيع أن تنقذ ذراعها الاستعماري إذا اشتعلت كل الجبهات في وقت واحد ليبقى بذلك رهان الكيان قصير الأمد وما "الحربُ" التي أعلنت إدارة ترامب مسمّىً رسمياً لإحدى واجهاتها سوى تأكيد للمؤكّد وإعادة رسّم للمعروف والمعلوم.