شجع ذلك تعاطي بعض أبناء الأمة مع هذا الأمر بما يتوافق وأجندات الأعداء وبما يخدم هذا المشروع الذي أريد به تدمير الأمة من الداخل والنيل منها دونما خسارة تذكر بالنسبة لهم .. لكن منتصف العقد الثاني للقرن الحالي كان ثمة حراك وتحرك مضادان لهذه المشاريع أسهما بشكل ملحوظ في وأد ما أمكن من جهود الأعداء الهادفة لإذكاء الفتنة بين المسلمين وصنع مزيد من التباينات وكان لانطلاق معركة طوفان الأقصى أواخر العام 2023م وما تلاه الدور الأبرز في إسناد ذلك التوجه المقاوم والرافض لمشاريع ومؤامرات الطغيان والصهيونية العالمية .. مزيد من التفاصيل في سياق التقرير التالي :
تقرير : وسيم عبدالله حليف
شهدت العديد من البلدان العربية خلال العقدين الأول والثاني من الألفية الثالثة وقوع عدد من التفجيرات الانتحارية بواسطة إما سيارات مفخخة وعبوات ناسفة أو عبر أشخاص جرى تفخيخهم والدفع بهم إلى تجمعات هنا وهناك في مناسبات مختلفة .. وفيما رأى البعض أن الأمر يأتي في سياق الأعمال العدائية التي يقف وراءها أعداء هذه الأمة بتنفيذ أعمال مخابراتية هدفها النيل من وحدة الصف داخل البيت الإسلامي وإلهاء المسلمين بتصفيات بينية وتناحر مميت خطره أكبر من أي خطر .. رأى البعض الآخر أن هذه العمليات قد جرى تنفيذها لاعتبارات طائفية ونتيجة لعمليات شحن طائفي تراكمي من قبل جماعات وجهات متعددة الأهداف والارتباطات بعضها مرتبط بدول في المنطقة تنفذ هي الأخرى أجندات تخدم ذات الأعداء الذين تحدثنا عنهم للتو وبالتالي تمكين هؤلاء الأعداء من تنفيذ مخططاتهم الهادفة إلى النيل من الأمة وإضعافها وتمزيقها بسلاح إذكاء الفتن الطائفية سواء من خلال من يرتبط بهم مباشرة للقيام بهذه الأعمال أو ما حدث منها بشكل منفصل.
ورقة الغرب الطائفية
ما يؤكد اهتمام الغرب والأمريكان على وجه التحديد بورقة الفتنة الطائفية بين أبناء المسلمين تصريحات رسمية عديدة على لسان أكثر من مسؤول أمريكي سابق بدا عليها الانشغال المقصود والنظر بأهمية بالغة لهذا الملف وإن تعددت الأساليب والمناسبات التي يتم اتباعها أو يتم الحديث على هامشها ومما لاحظته من خلال تتبعي لتحركات وأحاديث عديدة لجهات معادية مستوى الاطلاع والدراية بتفاصيل دقيقة تتعلق بالفوارق والتباينات والخلافات الفكرية والمذهبية بين أبناء الأمة التي تعتبر بالنسبة لهم منطلقا لتنفيذ هذه السياسة العدائية المدمرة التي نجحوا فيها إلى حد كبير خلال فترات سابقة وأشعلت حروب إعلامية وميدانية داخلية ودُمرت مدن ومصالح ومساجد وتضررت فئات مجتمعية وتعرضت للقمع في هذه الدولة وتلك لاعتبارات طائفية بعد موجة من الشحن التحريضي الخطير والتي جميعها وللأسف كانت تنفذ بأياد عربية وإسلامية على مستوى دول أو جماعات أو أفراد.
أحداث تم استغلالها
في العام 2001 حدثت هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة والتي كثرت حولها الأحاديث والروايات والقصص ، وتبناها حينها تنظيم القاعدة واعتبرها في إطار محاربة أعداء الإسلام لكن وبغض النظر عن الروايات المتعددة حول الحادثة إلا أن واشنطن كعادتها استثمرت الحادثة بشكل واضح ومدروس للنيل من الأمة الإسلامية بشن الحروب على دول وجماعات تارة واختلاق الخلافات الطائفية بين أبناء الأمة وتغذيتها وتنميتها تارة أخرى فضلا عن السعي لإلصاق كل أعمال العنف حول العالم بالإسلام ونسبتها إليه ، ومما تم استغلاله كذلك حادثة المدمرة الأمريكية (يو إس إس كول) قبالة سواحل اليمن لشرعنة تواجد عسكري في المنطقة البحرية ذاتها والدول المحيطة تحت يافطة محاربة الإرهاب وحماية الملاحة ( وهي العبارة التي يتم استخدامها واستغلالها حتى اليوم ) .. وهناك أحداث أخرى حول العالم جرى توظيفها بالصورة التي دفعت الكثير حول العالم من أنظمة ووسائل إعلام وخبراء ومراكز بحوث إلى الجزم بأن الولايات المتحدة ذاتها من خططت ونفذت العديد من تلك الهجمات للأهداف ذاتها.
شحن إعلامي طائفي
لا ينسى أي منا المرحلة التي صعدت فيها أصوات قنوات فضائية عربية دأبت على التحريض الطائفي والشحن المذهبي طوال فترات بثها وعلى كل خارطتها البرامجية اليومية واللافت آنذاك ابتعاد هذه الفضائيات بشكل كلي عن تناول أعداء الأمة الحقيقيين وخطرهم وما يحيكونه لأبناء أمتنا من مؤامرات عديدة والتي من بينها بل وأهمها خلق حالة الصراع الداخلي هذه من أجل ضمان إشغال المسلمين بأنفسهم بل والسيطرة عليهم وتدميرهم وما يجدر الإشارة إليه هنا أن الأمر تحول إلى فعل ورد فعل إذ تم إنشاء قنوات فضائية تتبنى كل مجموعة منها الدفاع عن أحد المكونين الرئيسيين لكيان الأمة ( سنة وشيعة) ومهاجمة الآخر وإن كان حجم التحريض من جانب القنوات التي كانت تبث من السعودية ومصر والتي كان في الغالب تمتلكها وتمولها جهات سعودية وربما أخرى في الكويت وغيرها حسب ما كان يرشح حينها من معلومات، وحينها كذلك كان مشايخ سعوديون وزملاء لهم من دول أخرى على ذات النهج الفكري يتصدرون هذه الحملات التحريضية على هذه القنوات وغيرها .. الأمر ذاته لكن بنسبة أقل لاحظناه على الضفة الأخرى إذ انبرت فضائيات ومشايخ من الطائفة الشيعية لحمل راية الخطاب المضاد من دول كالعراق وإيران وأخرى تبث من دول خارجية وتمثل هذه الفضائيات أشخاصاً يقيمون هناك ومن هذه الدول بريطانيا والولايات المتحدة على وجه التحديد إلى أن توارى هذا الأمر بشكل نسبي وتدريجي خلال الأعوام القليلة الماضية على المستوى الإعلامي لكن الهوة التي وجدت بين أبناء الأمة ظلت باقية وواضحة وقد يكون مما أسهم في تخفيف هذا الاحتقان إلى جانب نداءات لأطراف وتكتلات فاعلة في المنطقة بضرورة وأد هذه المشاريع التصادمية التي تخدم الأعداء ، كذلك تحول سياسات وتوجهات دول صرفت اهتمامها إلى حد ما عن تغذية مثل هذه المشاريع وهذا الخطاب وإن كانت الدوافع غير بريئة أو خيرة إنما من باب حاجيات هذه الدول والجهات إلى تبني خطاب ديني عام يتواءم مع إصلاحات اجتماعية وفكرية واقتصادية كما هو الحال في السعودية ورؤية عشرين ثلاثين والانفتاح وما إلى ذلك .. لكن مع ذلك ظل المشروع الفتنوي قائما وإن تغيرت الوسائل مع ظهور وطغيان الإعلام الجديد ( مواقع التواصل الاجتماعي) واستمرار اهتمام البعض بتعميق هذه الفتن وإنعاشها .
طوفان الضربة القاضية لمشروع الطائفية
بعد انطلاق الطوفان في فلسطين المحتلة في العام 2023م أتى تدخل صنعاء والمقاومة اللبنانية بحرب إسنادية إلى جانب فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة و كانت الضربة القاضية لمشروع التفتيت والنخر في جسد الأمة المنهك الذي لطالما دعمته وآزرته دول عربية بشكل واضح وعلني تنفيذا لأجندات محركيهم من الأعداء على الرغم من تبنيها في الوقت ذاته خطاب تحريضياً وعدائياً تجاوز البعد الطائفي لكنه للدواعي ذاتها المتعلقة بأهداف أعداء الأمة وهو التحريض والعداء الكبير لجماعات وفئات من ذات المكون السني الذي يفترض أنها جزء منه ومن أبرز ذلك القطيعة والعداء لفصائل المقاومة الفلسطينية وجماعة الإخوان المسلمين وإلصاق تهمة الإرهاب بهما بل أن دولا مثل السعودية والإمارات ومصر صنفت كل هذه الحركات كجماعات إرهابية دونما اعتبار لخصوصية ورمزية ومكانة فصائل المقاومة التي تتبنى فكرة مقارعة المحتل الصهيوني والسعي لاستعادة الحق المسلوب .ولعل المفارقة العجيبة أن ذات الدول تريد أن تحاسب وتعاتب فصائل المقاومة على مجاهرتها بالتحالف الوثيق مع محور المقاومة وإعلانها الواضح منذ سنوات ومنذ ما قبل طوفان الأقصى تلقيها الدعم من إيران والمحور المقاوم فيما يقدمون هم الدعم بطريقتهم الخاصة ( تآمر ، خذلان ، طعن في الظهر ) بل أنهم يريدون من هذه الفصائل تقديم نفسها لقمة سائغة للمحتل والتخلي عن خيار المقاومة كما فعل حليفهم في الضفة الغربية المحتلة محمود أبو مازن الذي ينتظره إعلان إسرائيلي مرتقب للسيادة الكاملة على الضفة الغربية .
تبديد لأوهام الصهيونية
مع حرص ومحاولة البعض في المنطقة تصوير الدعم المقدم للمقاومة الفلسطينية من المحور وما تقدمه جبهات الإسناد على طريق القدس بأنه مجرد مسرحيات وأفعال لا تمت بصلة للدعم والمؤازرة للشعب الفلسطيني ومحاولة إقناع الشارع العربي والإسلامي بذلك ورغم ضخامة الحملات الدعائية لذلك إلا أن عظمة التضحيات وحجم التأثير الفاعل لهذه الجبهات الإسنادية من اليمن ولبنان على وجه التحديد أسقط هذه الرهانات وبدد أحلام أعداء الأمة في استمرار تقسيم الأمة وإدخالها في صراعات على أسس طائفية وكبح جماح معاول الهدم في الداخل العربي والإسلامي ممن يدورون في فلك العدو بما في ذلك خفافيش الظلام أصحاب الخطاب الطائفي التفتيتي .. وفي هذا السياق حملت صنعاء وضاحية بيروت على عاتقهما مهمة وأد هذه المشاريع ودفنها وخلق الالتحام الإسلامي الكبير وكان الثمن كبير في مهمة الواجب والجهاد والإسناد لكن العاقبة للمتقين ومن شذ شذ في النار.
قرارات يمنية مدروسة
دخول صنعاء والمقاومة اللبنانية في هذه الحرب المقدسة لم يكن تصرفا طائشا وغير محسوب النتائج والتداعيات بل كانت قرارات مدروسة من مختلف الجوانب إلى جانب كونها وكما تعلنها دائما واجبا شرعيا التراجع عنه أخطر وأكبر عند الله وعلى مستوى المخاطر والتهديدات التي تواجه هذه الأمة من أي ثمن ممكن أن يقدم في سبيل ذلك .. فبالأمس قد فعلت ذلك المقاومة اللبنانية وقدمت قيادتها وكوادرها وأغلى ما تملك واليوم تفعل وفعلت صنعاء ذلك إذ أعلنت ارتقاء رئيس حكومتها وعدد من أعضاء هذه الحكومة على ذات الدرب الذي ارتقى فيه نصر الله والسنوار وغيرهما معلنة أن لا تراجع عن خيار مواجهة الإجرام الصهيوني ومتوعدة بضربات مؤلمة تفاجئ العدو والثأر لكل الشهداء والحرب سجال.