تزامن تصاعد القمع في عدد من العواصم الخليجية مع تعمق الكارثة الإنسانية في غزة، مستهدفًا كل صوت يتجرأ على التضامن مع القطاع المحاصر، يثير شكوكًا عميقة حول طبيعة هذه العلاقة. فهل نحن أمام مجرد تواطؤ صامت،أم أنها شراكة فعلية في الحصار والإبادة .. تفاصيل في سياق التقرير التالي :
لم يعد خافيًا على أحد أن المخططات الأمريكية - الإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية تعتمد بشكل كبير على تمرير أجنداتها عبر بوابة التطبيع والتحالفات الإقليمية. ما كشف عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بخصوص "مخطط تصفية المقاومة" في غزة بمشاركة دول خليجية، لم يكن مفاجئًا للكثيرين ممن يتابعون تطورات القضية الفلسطينية عن كثب. هذا المخطط، الذي كان يهدف إلى استغلال ورقة الأسرى الإسرائيليين كذريعة لتصعيد عسكري أوسع لا لوقف القتال، يشير بوضوح إلى أن بعض العواصم الخليجية كانت تراهن على تمرير هذا الاتفاق تحت ضغط المجاعة والحصار. كما أن هذا النهج يمثل تحولًا خطيرًا في استراتيجية التعامل مع القضية الفلسطينية، حيث يتم استخدام معاناة الشعب الفلسطيني كأداة لتحقيق أهداف سياسية إقليمية.
آليات القمع وتأثيرها العسكري
إن التزامن بين تصعيد القمع الداخلي في دول خليجية وتعمق الأزمة الإنسانية في غزة ليس محض صدفة، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف أي جبهة تضامن شعبية مع القضية الفلسطينية. من منظور عسكري واستراتيجي، يخدم هذا القمع عدة أهداف:
أولًا، إخماد الصوت الشعبي المعارض: إن اعتقال معتمر مصري في الحرم المكي لدعوته لأهل غزة، وتوقيف أربعة مواطنين بحرينيين لاحتجاجهم سلميًا أمام السفارة الإسرائيلية، يرسل رسالة واضحة لكل من يفكر في التعبير عن تضامنه. هذه الإجراءات تهدف إلى خلق بيئة من الخوف والترهيب، تمنع أي تحركات شعبية قد تضغط على الحكومات لتغيير مواقفها. من منظور عسكري، فإن دعم الجبهة الداخلية القوية، سواء كانت سياسية أو معنوية، يلعب دورًا حاسمًا في صمود أي مقاومة. وبإضعاف هذه الجبهة، يتم إضعاف المقاومة بشكل غير مباشر.
ثانيًا، تفكيك أي جبهة إقليمية داعمة للمقاومة: تدرك الأطراف الفاعلة في الحصار على غزة، أن أي دعم شعبي عربي، خاصة من دول ذات تأثير اقتصادي وسياسي، يمكن أن يشكل ضغطًا كبيرًا. لذلك، فإن استهداف النشطاء والمتضامنين يهدف إلى تفكيك أي نواة لتشكيل جبهة إقليمية داعمة للمقاومة في غزة. هذا يصب في مصلحة الحصار، ويساهم في استمراريته وفعاليته.
ثالثًا، تثبيت معادلة التطبيع وتمرير المخططات: إن ترويض الوجدان العربي وتطويعه لصالح المشروع الصهيوني هو هدف استراتيجي طويل الأمد. من خلال قمع الأصوات المعارضة للتطبيع والتضامن مع فلسطين، يتم تهيئة البيئة لقبول هذه المخططات، حتى لو كانت على حساب معاناة الشعب الفلسطيني. هذا يسمح بتمرير صفقات تسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية، والتي لا تتضمن أي ضمانات بوقف الحرب أو إدخال المساعدات، بل تركز فقط على إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين. هذا يشكل جزءًا من حرب نفسية ومعنوية تهدف إلى كسر إرادة الشعوب وتطبيع الاحتلال.
البعد الاستراتيجي للشراكة في الحصار
إن ما يجري في غزة، وما يرافقه من قمع في عواصم خليجية، يمثل دليلًا دامغًا على أن مستقبل فلسطين لا يُرسم بالدبلوماسية أو "الوساطات" المزعومة، بل بأقلام القتل والحصار، وبشراكة ضمنية ومكشوفة من قوى إقليمية تدعي الحياد. هذه الشراكة تتجلى في عدة أبعاد استراتيجية:
* تضييق الخناق الاقتصادي والعسكري: يساهم الحصار المفروض على غزة، والذي تستفيد منه هذه الأطراف بشكل مباشر أو غير مباشر، في إضعاف القدرات العسكرية للمقاومة. فمنع دخول المواد الأساسية، بما فيها تلك التي يمكن استخدامها لأغراض الدفاع، يحد من قدرة المقاومة على تجديد نفسها وصمودها. إن القمع الذي يمارس في دول الخليج يضمن عدم وجود أي ضغط شعبي يغير هذا الوضع.
* الدور في الحرب الإعلامية والنفسية: القمع الممارس ضد المتعاطفين مع غزة هو جزء من حرب إعلامية ونفسية واسعة النطاق تهدف إلى تشويه صورة المقاومة، وإظهارها كتهديد للاستقرار الإقليمي، وبالتالي تبرير الحصار والتواطؤ معه. إن تكميم الأفواه ومنع أي سردية بديلة يساعد على ترسيخ السردية الرسمية التي تخدم مصالح الأطراف المتواطئة.
* تقويض الجهود الإنسانية: تزامن المجاعة مع القمع يعني أن أي جهود إنسانية قد تنطلق من هذه الدول، سواء كانت رسمية أو شعبية، يتم إجهاضها أو تقييدها بشدة. هذا يضمن استمرار الأزمة الإنسانية كأداة ضغط على المقاومة والشعب الفلسطيني.
خلاصة: هل تستمر الأنظمة في التواطؤ؟
إن التواطؤ التاريخي، الذي يظهر في كل منعطف حاسم من تاريخ القضية الفلسطينية، يسعى اليوم لتكرار سيناريو "صفقات الوهم" التي تطلق سراح الأسرى الإسرائيليين دون تقديم أي ضمانات بوقف الحرب أو إدخال المساعدات. هذا النهج يمثل خيانة للقضية الفلسطينية وللتطلعات الشعبية العربية. آن الأوان لتتوقف هذه الأنظمة عن هذا الدور المخزي، وتدرك أن الشعوب العربية لن تسكت طويلًا على هذا التواطؤ الذي يلطخ سجلها ويبيع قضيتها.
إن المقاومة الفلسطينية، رغم كل التحديات، تظل صامدة، ولكن صمودها يعتمد أيضًا على دعم شعبي عربي واسع النطاق. إن استمرار القمع الخليجي المتزامن مع مجاعة غزة ليس مجرد "تواطؤ مكشوف"، بل هو "شراكة فعالة" في آلة الحرب والحصار، تهدف إلى تركيع شعب كامل وتصفية قضيته العادلة. فهل ستستمر هذه الأنظمة في المراهنة على صمت الشعوب، أم أن وعي الشعوب سيفاجئها؟!!