صحيفة اليمن – متابعات
انهيار كامل للوضع
وكانت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة قد أطلقت في 19 يوليو نداء استغاثة وصفت فيه الوضع بـ"الانهيار الكامل". وقالت الوزارة إن أعدادًا "غير مسبوقة" من المواطنين تصل يوميًا إلى أقسام الطوارئ، يعانون من حالات إجهاد وإعياء شديدين، بعد أن تجاوزت أجسادهم القدرة على المقاومة. التحذير لم يكن عادياً. المئات، بحسب الوزارة، باتوا "على حافة الموت المحتم" جراء الجوع، وسط عجز المستشفيات عن استقبالهم أو توفير الحد الأدنى من الرعاية.
أرقام حقيقية صادمة
الأرقام قاطعة وصادمة بحسب وزارة الصحة 71 طفلًا استشهدوا جوعًا حتى الآن، بينما سُجل أكثر من 900 شهيد من المدنيين الذين كانوا يبحثون عن الطعام أو ينتظرون المساعدات في طوابير الإغاثة. ستة آلاف مصاب آخرين أُصيبوا أثناء محاولات الحصول على الغذاء.
مجازر إبادة لا تتوقف
لكن المجزرة لم تنتهِ هنا. ففي 20 يوليو، ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة جديدة شمال قطاع غزة، حين فتحت دباباتها وقناصتها النار على قافلة مساعدات غذائية كانت تدخل عبر معبر زكيم تحت إشراف برنامج الغذاء العالمي (WFP).
القافلة لم تكن تضم سلاحًا ولا مقاتلين، بل طحينًا وزيتًا وعدسًا. وبينما كانت الشاحنات تقترب من المدنيين الجائعين، أطلقت القوات الإسرائيلية نيرانها الكثيفة. وسقط العشرات قتلى، بينهم أطفال ونساء. لم تكن هذه الحادثة الأولى، بل واحدة من سلسلة مجازر طالت من ينتظرون الطعام، لا التحرير.
برنامج الغذاء العالمي عبّر عن "صدمته العميقة"، مؤكدًا أن الحادثة وقعت رغم تعهد إسرائيل بعدم وجود قوات مسلحة على طرق القوافل.
البيان قال بوضوح: "غزة تعاني من مجاعة حقيقية، والناس يموتون بسبب انعدام المساعدات. سوء التغذية يرتفع بشكل غير مسبوق، وهناك أكثر من 90,000 امرأة وطفل بحاجة إلى تدخل عاجل". البرنامج كشف أيضًا أن ثلث سكان القطاع لا يأكلون لعدة أيام، وأن سعر كيس الدقيق تجاوز 100 دولار في السوق المحلي، في ظل غياب كلي لأي اقتصاد أو قدرة شرائية.
غذاء ممنوع من الدخول
أما وكالة الأونروا، فقد أكدت أن لديها مخزونًا غذائيًا جاهزًا على مشارف غزة يكفي لإطعام السكان لأكثر من ثلاثة أشهر، لكنها ممنوعة من إدخاله. الأونروا قالتها بوضوح: "المعاناة في غزة من صنع الإنسان". إنها ليست كارثة طبيعية، بل خطة إسرائيلية ممنهجة، تُنفذ على مرأى ومسمع من كل عواصم العالم.
ومع تكدس الجثث في المشافي، ونفاد محاليل الإرواء، وتعطل وحدات التبرع بالدم، تسير غزة اليوم نحو نقطة اللاعودة.
انهيار صحي كامل
منظمة الصحة العالمية حذرت من "انهيار صحي كامل"، وأكدت أن النظام الطبي في القطاع لم يعد يعمل، والمستشفيات أصبحت أماكن لانتظار الموت أكثر منها للعلاج. الوقود نفد. الغذاء ممنوع. الهواء ملوث. وأمام كل ذلك، لا يتحرك العالم إلا لإصدار البيانات.
كذب وتراخي أمريكي
اللافت أن كل هذه الجرائم ترتكب في ظل وعود أمريكية وأوروبية بـ"هدنة قريبة". منذ أسابيع، يتحدث الرئيس الأمريكي عن "انفراجة مرتقبة"، بينما تستغل إسرائيل هذا التراخي الدبلوماسي لإحكام خنقها لغزة. أكثر من 470,000 إنسان، وفق برنامج الغذاء العالمي، مهددون الآن بالمجاعة الكاملة، بينما 1.0 مليون طفل مهددون بسوء التغذية الحاد خلال أسابيع.
قدرة محلية منهارة
القدرة المحلية على إنتاج الغذاء انهارت تمامًا. المزارع أُبيدت، مزارع المواشي دُمّرت، مناطق الصيد تخضع لقصف منتظم من البحرية الإسرائيلية، والصيادون يُعتقلون أو يُستهدفون، كما حدث مؤخرًا عندما احتُجز ثلاثة صيادين قرب شاطئ القطاع. باختصار، كل الطرق نحو الغذاء مغلقة، عن عمد، في وقت تواصل فيه إسرائيل تأخير المفاوضات وتوسيع عملياتها على الأرض.
مقترحات حل دعائي
مقترحات إنزال المساعدات جويًا، التي باتت تلقى صدى لدى بعض الجهات الغربية، تبدو كحل دعائي أكثر منها استجابة إنسانية. الإنزال الجوي في مناطق مكتظة كغزة يهدد بخلق مشاهد فوضوية، حيث يتنافس المدنيون المنهكون على عبوات تسقط من السماء، بينما لا تصل المعونات فعليًا إلى الأيتام أو المرضى أو كبار السن أو العاملين في المرافق الطبية. إنها وصفة لانتزاع كرامة الباقين على قيد الحياة، لا لإنقاذهم.
إنها المرة الأولى منذ عقود، يموت الناس في غزة بسبب الجوع المباشر، لا بسبب سوء التغذية أو نقص الأدوية كما كان الحال في نزاعات سابقة... يشهد الأطباء الآن على حالات وفاة لأطفال لم يتناولوا الطعام لأيام، في وقت ينهار فيه النظام الصحي تحت الضغط، دون طاقة كهربائية كافية أو إمدادات أساسية.
بنية اجتماعية جائعة
الأوضاع على الأرض تشير إلى انهيار كامل للبنية الاجتماعية: الطبيب جائع، والمريض جائع، وعائلات بأكملها تفقد أفرادها دون سابق إنذار. التحذيرات من حدوث حالات موت جماعي لم تصدر فقط عن مؤسسات حقوق الإنسان، بل عن سكان القطاع أنفسهم الذين يخرجون من منازلهم ليس بحثًا عن طعام فحسب، بل عن صدى لصوتهم.
موقف دولي وبيان
بعد صمت طويل أصدرت 26 دولة غربية بياناً مشتركاً الاثنين، دعت فيه بشكل واضح وصريح إلى وقف فوري وغير مشروط للعدوان الإسرائيلي على غزة، في خطوة تعكس اشتداد المأزق الأخلاقي والسياسي الذي يعيشه حلفاء الكيان الصهيوني بعد تزايد حجم المجازر المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين. وشمل البيان دولًا بارزة مثل بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا واليابان والسويد والنرويج، ما يعكس تصدع الجبهة الغربية في دعم كيان الاحتلال مع اتساع رقعة الغضب الشعبي والدولي.
الدول الموقعة لم تكتفِ بالدعوة الشكلية، بل وجهت إدانة حادة لما وصفته بـ"السياسة الإسرائيلية المزعزعة للاستقرار"، ووصفت آلية توزيع المساعدات التي يفرضها الاحتلال بـ"الخطيرة"، كونها تحرم الفلسطينيين من حقهم في الكرامة الإنسانية، وتؤدي إلى استشهاد مئات المدنيين أثناء محاولتهم الحصول على أبسط مقومات الحياة. وأشار البيان إلى استشهاد أكثر من 800 فلسطيني أثناء محاولتهم الحصول على الماء والغذاء، في مشهد يعيد إلى الأذهان صفحات سوداء من تاريخ الإبادة الجماعية، ويكشف الوجه الحقيقي للكيان المجرم الذي يحاصر ويقتل بالجوع بعد أن فشل في المعركة العسكرية.
الكل يتفرج ولا يفعل شيئا
من جهة أخرى خرج وزير الخارجية المصري في تصريح يقول فيه: "للأسف الشديد الكل يتفرج، والكل لا يفعل أي شيء لنصرة غزة والضفة". تصريح قد يبدو للوهلة الأولى تعبيرًا عن خيبة أمل أو إحباط دبلوماسي، لكنه في جوهره محاولة ناعمة لإلقاء اللوم على الآخرين، دون أن يلتفت المتحدث إلى أن بلاده تقف على حدود غزة مباشرة، وتتحكم في أحد شرايين الحياة الرئيسية للقطاع معبر رفح
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا إن لم تتحرك الدولة الوحيدة التي تملك بوابة القطاع، فمن عساه يتحرك؟ وهل ثمة دول عربية أخرى تتشارك الحدود مع غزة غير مصر؟
ثلاثي الموت في غزة
بالمجمل فإن غزة تعيش بين ثلاثي الموت... قذائف العدو، والموت جوعًا بفعل حصاره، والصمت العربي والدولي المطبق الذي يوفّر الغطاء لكل ذلك. لا فرق بين من يطلق النار ومن يغضّ الطرف. القاتل ليس فقط من يضغط على الزناد، بل من يترك الحصار يستمر، ومن يملك مفاتيح المعابر ولا يفتحها، ومن يرى المجاعة تتسع ولا يرفع صوته إلا بالتنديد الباهت.
الخلاصة المؤلمة
غزة الآن لا تطلب شيئًا سوى أن تتنفس، أن يأكل أطفالها، أن تنجو مستشفياتها من الانهيار، أن يُسمح لقطرة مصلٍ أو كيس دقيقٍ بالمرور دون رصاص. لكنها حتى في هذا الطلب البديهي تُقابل بالقسوة، وتُواجَه بالتجويع الممنهج، ويُرد عليها بوابل من نيران القناصة والدبابات.
في غزة، يُطلق الرصاص على من يطلب رغيف خبز، وتُقصف قوافل الغذاء، ويُحاصر الهواء والماء، ويُمنع الصوت من الخروج. لا أحد يسمع صراخ الأمهات، ولا أنين الأطفال، ولا استغاثات الأطباء. العالم كله بات يتقن فن التفرج، وبعضه يبرر الجريمة باسم "الضرورة الأمنية" أو "الحق في الدفاع".