هذه الرواية، التي تفتقر إلى المصداقية، لا تعدو كونها مناورة سياسية تهدف إلى تبرير استمرار عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في قطاع غزة المحاصر، وصرف الأنظار عن الأهداف الحقيقية لحكومة الحرب الصهيونية.. تفاصيل في السياق التالي :
تقرير – يحيى الربيعي
يقدم نتنياهو بن غفير وسموتريتش كـ "شماعتين" يعلق عليهما مبرراته للبقاء في منصبه، ملمحاً إلى أن إقصائهما سيؤدي إلى انهيار ائتلافه وربما نهايته السياسية. هذه الصورة، التي يروجها الإعلام الصهيوني والمحافل الدولية، تبدو وكأنها محاولة للتنصل من المسؤولية المباشرة عن الجرائم المرتكبة. فبن غفير، وزير الأمن القومي، وسموتريتش، وزير المالية، يمثلان جناحاً متطرفاً في الحكومة الصهيونية، وهما معروفان بمواقفهما العنصرية ودعوتهما الصريحة لتهجير الفلسطينيين وتوسيع الاستيطان.
مسرحية "الشماعات"
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمتلك هذان الشخصان فعلاً القدرة على إملاء سياسات الحرب على نتنياهو؟ أم أنهما مجرد واجهة لتوجهات أعمق وأكثر خطورة؟ الواقع يشير إلى أن نتنياهو، بخبرته السياسية الطويلة ودهائه المعروف، لا يمكن أن يكون رهينة لوزراء جدد نسبياً في الساحة السياسية الصهيونية.
وبالتالي فإن استخدام نتنياهو لهذين الوزيرين كغطاء يعكس استراتيجية واضحة: إظهار نفسه بمظهر المعتدل نسبياً الذي يواجه ضغوطاً من اليمين المتطرف، وذلك لكسب تعاطف دولي أو على الأقل تخفيف حدة الانتقادات الموجهة إليه.
أسطوانة المحاكم
أما أسطوانة المحاكم التي تلاحق نتنياهو بتهم الفساد، فهي جزء آخر من هذه المسرحية السياسية. فالحديث عن أن نتنياهو يتهرب من هذه المحاكم عبر إطالة أمد الحرب والبقاء في السلطة، لا يعدو كونه سيناريو إضافي يخدم أجندته. فالمعروف عن النظام القضائي الصهيوني، رغم بعض استقلاليته الظاهرية، أنه يتأثر بالضغوط السياسية والتوجهات العامة. وعليه، فإن مسألة المحاكم قد تكون مجرد ورقة ضغط تستخدم لتعزيز موقف نتنياهو، أو لتبرير قراراته المتشددة أمام الرأي العام الصهيوني. إن هذه السردية، التي تربط استمرار الحرب بقضايا نتنياهو الشخصية، تحاول أن تصرف الانتباه عن الهدف الأكبر الذي يحرك آلة الحرب الصهيونية، ليس أكثر.
حلم "إسرائيل الكبرى "
إن الحقيقة الكامنة وراء استمرار العدوان الصهيوني على غزة، وتجاهل كل الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار، تكمن في مشروع "إسرائيل الكبرى". هذا المشروع التوسعي، الذي يعتبره الكثيرون من قادة محور المقاومة الهدف الاستراتيجي للكيان الصهيوني، يهدف إلى السيطرة الكاملة على الأراضي الفلسطينية، وتهجير سكانها، وإعادة رسم خريطة المنطقة بما يخدم المصالح الصهيونية.
فالحرب على غزة فرصة سانحة يحاول الكيان الصهيوني استغلالها لتحقيق أهدافه التوسعية. تدمير غزة وتهجير سكانها يمثل خطوة أساسية في هذا المشروع، حيث يرى قادة الكيان أن القضاء على المقاومة في القطاع سيفتح الباب أمام مزيد من التوسع والسيطرة.
إن تصريحات قادة الكيان المتكررة حول "النصر المطلق" و"القضاء على حماس" ليست سوى عناوين عريضة لمشروع أعمق يهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي وجغرافي في المنطقة. فكما ذكرت العديد من التحليلات السياسية، فإن الهدف من هذه الحرب هو فرض واقع جديد على الأرض، يخدم أطماع الكيان في التوسع والهيمنة.
يبدو أن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو يرى في الفوضى الإقليمية والضغط المستمر على دول المنطقة وسيلته لتحقيق رؤيته لـ "روما الصهيونية"، وهي حلم "إسرائيل الكبرى" الذي يبدو أنه يؤمن بأن الفرصة قد سنحت لتحقيقه. هذا الطموح لا يقف عند حدود غزة، بل يتجاوزها ليطال سورية ولبنان وإيران، ويحاول جر مصر نحو مواجهة، كل ذلك تحت مظلة تحقيق "الأمن" للكيان. ولكن السؤال الأهم هنا يتعلق بالظروف المواتية التي يعتقد نتنياهو أنها تسمح له بالاستمرار في هذا المسعى، خصوصاً فيما يتعلق بالوضع الداخلي للكيان الصهيوني، وهل فعلاً يواجه انهيارات اقتصادية حقيقية أم أن الأمر لا يتعدى كونه جزءاً من مناورات داخلية؟
ثمن الحرب الباهظ
على الرغم من الدعم الدولي غير المحدود الذي يحظى به الكيان الصهيوني، والقدرة على حشد الموارد المالية من أنصار المشروع الصهيوني حول العالم، فإن الحرب المستمرة في غزة وتداعياتها الإقليمية لم تمر دون تأثير على اقتصاده. ففي العام 2025، شهد الاقتصاد الصهيوني موجة غلاء وأعباء ضريبية رفعت نسبة التضخم، وذلك لتمويل تكاليف الحرب الباهظة. وزارة المالية الصهيونية تقدر أن استمرار الحرب لمدة تتراوح بين ثمانية إلى اثني عشر شهراً قد يكلف الاقتصاد أكثر من 50 مليار دولار، وهو ما يمثل حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
وقد أدت هذه الحرب إلى تراجع في قيمة الشيكل مقابل الدولار الأمريكي، وتضرر قطاعات اقتصادية حيوية مثل البناء والزراعة والسياحة، إضافة إلى قطاع التكنولوجيا الفائقة الذي تأثر بتجنيد قوات الاحتياط من العاملين فيه. كما شهدت مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية تخفيضات لتصنيف الكيان، مما يعكس قلق السوق بشأن استمرار الحرب والمخاطر الإقليمية. فخفضت وكالة "موديز" تصنيف إصدارات حكومة الكيان في فبراير 2024، وأشارت وكالة "فيتش" إلى التوقعات "السلبية" في أغسطس 2024. هذه المؤشرات تشير إلى أن الكيان يدفع ثمناً اقتصادياً باهظاً، رغم قدرته على الصمود والتحمل الذي يستند إلى عقود من التخطيط والدعم.
"لا شيء" في نظر نتنياهو
يرى بعض المراقبين أن الكيان الصهيوني يواجه انقسامات داخلية حادة، وارتفاعاً في معدلات الهجرة العكسية، مما قد يؤثر على استقراره. تقارير عدة تشير إلى أن مليون من سكان مغتصبات الكيان غادروا الأراضي المحتلة منذ عملية "طوفان الأقصى"، وأن هناك مخاوف متزايدة من تزايد هذه الهجرة، خاصة بين الشباب وأصحاب الكفاءات. هذه الهجرة تمثل خطراً وجودياً على المشروع الصهيوني، الذي يعتمد بشكل كبير على القوة البشرية.
كما أن الانقسامات السياسية والأيديولوجية داخل الكيان قد تفاقمت، وبرزت خلافات علنية بين المؤسسة العسكرية والحكومة، حول أهداف الحرب وكيفية إدارتها. هذه الانقسامات، التي وصفتها بعض التقارير بأنها "غير مسبوقة"، تظهر فشلاً في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، وتكشف عن شرخ عميق في المجتمع الصهيوني.
إلا أن نتنياهو، الذي يرى نفسه "تحت الميزاب" سياسياً وقضائياً، يبدو أنه لا يرى في هذه الانهيارات الداخلية – الاقتصادية والاجتماعية والسياسية – خطراً حقيقياً يهدد استمراره. فمن وجهة نظره، قد تكون هذه الظروف هي "الفرصة السانحة" لتصعيد الفوضى وإثارة الرعب في المنطقة.
استراتيجية "الفوضى الخلّاقة"
ويبدو أن نتنياهو يتبنى استراتيجية "الفوضى الخلاقة" في المنطقة، ظناً منه أن هذه الفوضى ستدفع دول المحيط إلى حالة من الترقب والاستسلام المستقبلي لأطماع الكيان. فإذا لم يتمكن من تحقيق أهدافه بشكل مباشر، فإن إثارة الفوضى وعدم الاستقرار قد يخدمان مشروعه التوسعي على المدى الطويل، من خلال إضعاف الدول المحيطة بها وجعلها منشغلة بقضاياها الداخلية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم محاولات "ضم" سورية، و"إضعاف" المقاومة في لبنان، و"التمكن" من إيران، و"القضاء" على المقاومة في غزة، و"سراب التطبيع" مع بعض دول الخليج، و"جر مصر إلى المواجهة". كل هذه الأهداف لا تتجزأ عن رؤية "إسرائيل الكبرى"، التي يتخيل نتنياهو أنها "روما" التي يسعى إليها. فالكيان الصهيوني، الذي بني على مدار عقود بجمع كل الإمكانيات المالية والعسكرية والبشرية، لا يزال يمتلك قدرة على المناورة والصمود، ويعتقد قادته أن هذه اللحظة التاريخية هي الفرصة الذهبية لتحقيق أقصى ما يمكن من المكاسب على حساب شعوب المنطقة.
إن المشهد الحالي يشي بأن نتنياهو مستمر في دفع المنطقة نحو حافة الهاوية، معتقداً أن استراتيجيته القائمة على الضغط والفوضى ستُجبر الجميع على القبول بأجندته التوسعية، متجاهلاً أن "أوهام القضاء" على المقاومة واستمرار "سراب التطبيع" قد لا تكون سوى أحلام لن تتحقق على أرض الواقع، وأن "روما النتن" قد تجد نفسها محاطة بأسوار من الصمود والرفض لا يمكن اختراقها.
عراقيل أمام الصفقة
في خضم الحرب المدمرة على غزة، تتكشف فصول جديدة من المناورات السياسية لرئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، الذي يبدو أنه يرى في استمرار الصراع وسيلة لتحقيق أهدافه التوسعية تحت غطاء "القضاء على المقاومة". وفيما تتفاقم معاناة المدنيين، وتتعالى الأصوات المطالبة بوقف العدوان، يواصل نتنياهو نسج رواية خاصة به، يضع فيها العراقيل أمام أي حل شامل قد ينهي هذه الأزمة.
تؤكد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن تصريحات نتنياهو الأخيرة، التي أبلغ فيها عائلات المحتجزين الصهاينة بعدم إمكانية التوصل إلى صفقة شاملة، تكشف عن "النيات الخبيثة والسيئة لمجرم الحرب نتنياهو". هذه التصريحات، التي جاءت بعد لقاءات لنتنياهو مع عائلات المحتجزين في واشنطن، اعتبرتها حماس دليلاً على أنه يضع "العراقيل أمام التوصل إلى اتفاق يُفضي إلى إطلاق سراح الأسرى ووقف العدوان على شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة".
وقد أفادت وسائل إعلام عبرية، مثل القناة 12، أن نتنياهو صرح للعائلات بأنه "لا يمكن التوصل إلى صفقة شاملة"، مشيراً إلى أنه خلال فترة إطلاق سراح "أول ثمانية مختطفين أحياء، وحتى يُطلق سراح آخر اثنين ضمن إطار مقترح المبعوث الأميركي (ستيف) ويتكوف، سنعمل على إنهاء الحرب بالكامل. سيتطلب ذلك القليل من الوقت الإضافي، وعليكم التحلّي بالصبر". هذا التصريح يعكس رؤية نتنياهو الجزئية للحل، ويبدو أنه يحاول تسويق فكرة استمرار الحرب حتى بعد إتمام صفقة جزئية للمحتجزين.
نوايا "خبيثة"
في المقابل، تؤكد حركة حماس أنها عرضت "في وقت سابق التوصل إلى صفقة تبادل شاملة، يُفرج خلالها عن جميع الأسرى دفعةً واحدة، مقابل اتفاق يُحقق وقفاً دائماً للعدوان، وانسحاباً شاملاً لجيش الاحتلال، وتدفقاً حراً للمساعدات". ولكنها شددت على أن "نتنياهو رفض هذا العرض في حينه، وما زال يراوغ ويضع المزيد من العراقيل".
هذا التباين في المواقف يكشف عن أن نتنياهو لا يسعى بالضرورة إلى إنهاء الحرب بشكل كامل، بل يبدو أنه يستخدم ورقة المحتجزين لتحقيق أهداف أخرى تتجاوز إطلاق سراحهم. تصريحاته المتناقضة، حيث عبر عن أمله في إبرام اتفاق بشأن غزة خلال أيام قليلة لإطلاق سراح المزيد من المحتجزين، ثم رجّح التوصل إلى وقف لإطلاق النار لمدة 60 يوماً فقط، تُعزز الانطباع بأنه يسعى إلى إدارة الصراع لا إنهائه.
روما الصهيونية في الشرق الأوسط
يبدو أن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو يرى في الفوضى الإقليمية والضغط المستمر على دول المنطقة وسيلته لتحقيق رؤيته لـ "روما الصهيونية"، وهي حلم "إسرائيل الكبرى" الذي يبدو أنه يؤمن بأن الفرصة قد سنحت لتحقيقه. هذا الطموح لا يقف عند حدود غزة، بل يتجاوزها ليطال سورية ولبنان وإيران، ويحاول جر مصر نحو مواجهة، كل ذلك تحت مظلة تحقيق "الأمن" للكيان.
على الرغم من الدعم الدولي غير المحدود الذي يحظى به الكيان الصهيوني، والقدرة على حشد الموارد المالية من أنصار المشروع الصهيوني حول العالم، فإن الحرب المستمرة في غزة وتداعياتها الإقليمية لم تمر دون تأثير على اقتصاده. ففي العام 2025، شهد الاقتصاد الصهيوني موجة غلاء وأعباء ضريبية رفعت نسبة التضخم، وذلك لتمويل تكاليف الحرب الباهظة. وقد أدت هذه الحرب إلى تراجع في قيمة الشيكل مقابل الدولار الأمريكي، وتضرر قطاعات اقتصادية حيوية، كما شهدت مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية تخفيضات لتصنيف الكيان، مما يعكس قلق السوق بشأن استمرار الحرب والمخاطر الإقليمية.
ويرى نتنياهو، الذي يجد نفسه "تحت الميزاب" سياسياً وقضائياً، أن هذه الظروف قد تكون هي "الفرصة السانحة" لتصعيد الفوضى وإثارة الرعب في المنطقة. فإذا لم يتمكن من تحقيق أهدافه بشكل مباشر، فإن إثارة الفوضى وعدم الاستقرار قد يخدمان مشروعه التوسعي على المدى الطويل، من خلال إضعاف الدول المحيطة بها وجعلها منشغلة بقضاياها الداخلية.
إن هذا المشهد يشي بأن نتنياهو مستمر في دفع المنطقة نحو حافة الهاوية، معتقداً أن استراتيجيته القائمة على الضغط والفوضى ستُجبر الجميع على القبول بأجندته التوسعية، متجاهلاً أن "أوهام القضاء" على المقاومة و"سراب التطبيع" قد لا تكون سوى أحلام لن تتحقق على أرض الواقع، وأن "روما النتن" قد تجد نفسها محاطة بأسوار من الصمود والرفض لا يمكن اختراقها.