كانت التداعيات الحقيقية تتسلل بصمتٍ إلى عمق كيان العدو، حيث تناثرت شظايا الهزيمة الاقتصادية داخل أوكار ما يُسمّى بشركات التكنولوجيا الإسرائيلية، لتكشف هشاشة البنيان الذي طالما تغنّى به إعلامهم كمصدر تفوقٍ زائف.
فالحرب التي كلّفت خزينة الاحتلال نحو ستة مليارات دولار،كشفت هشاشة نموذج «دولة الشركات الناشئة» صحيح أن مؤشر “تل أبيب-125” قفز 11.8% عقب وقف إطلاق النار في 23 يونيو، وأن صناديق المغامرة ضخت 1.6 مليار دولار في ثمانية عشر استثمارًا خلال الشهر نفسه – في أفضل أداء منذ 2022 – لكن تلك الأرقام اللامعة تخفي خلفها اقتصادًا أنهكته حروب متلاحقة منذ غزة 2023 واستدعاء عشرات الآلاف من مهندسي الاحتياط إلى جبهاتٍ لا تهدأ.
الإنفاق العسكري الإسرائيلي قفز العام الماضي 65% ليبلغ 47 مليار دولار، فارتفع العجز وتمرّد الشيكل، بينما تقلصت اليد العاملة التقنية وارتبكت الاستثمارات.
عام 2023 وحده هبط تمويل الشركات الناشئة من 15 مليار إلى سبعة مليارات دولار، وتراجعت الوظائف البرمجية الشاغرة ستة في المئة في يونيو من العام ذاته. ورغم الانتعاش النسبي في النصف الأول من 2025، فإن كثيرًا من الشركات ما تزال تتحسس جيوبها وتقصقص أجنحتها لتنجو من عاصفةٍ لم تهدأ بعد.
هكذا شرعت «إنتل إسرائيل» مع مطلع يوليو2025 في واحدة من أوسع جولات التسريح منذ عقود، طالت بضع مئات من العاملين – بينهم مهندسون في مصنع كريات جات – وليهبط إجمالي قوتها إلى ما يقارب 8.5 آلاف موظف. خطوةٌ تندرج في خطة عالمية لخفض عشرين ألف وظيفة منذ 2022 مع احتمال تكرار الرقم هذا العام، بعدما سرّحت الشركة ألفًا في إسرائيل نهاية 2023 ومئات أخرى في أبريل/نيسان الماضي.
لم تكن «إنتل» وحيدة في موجة النزيف. شركة «نايكس» المتخصصة في التكنولوجيا المالية، رغم ارتفاع إيراداتها إلى 328 مليون دولار وأرباح فصلية قياسية، استغنت عن سبعين موظفًا (ستة في المئة من قوتها) خمسة وخمسون منهم داخل الأرض المحتلة، مبررةً ذلك بترشيد هيكل تَعاظَمَ بعد سلسلة استحواذات.
منصة الذكاء الاصطناعي «Retrain.ai» أُغلقت نهائيًا نهاية يونيو، فسرّحت فريقها البالغ عشرين موظفًا رغم استثمارات قاربت 34 مليون دولار، لتتحول قصتها إلى درسٍ قاسٍ عن هشاشة الشركات الناشئة حتى في أكثر القطاعات بريقًا.
الأمثلة تتوالى: «بلايتيكا» سرّحت تسعين عاملًا مطلع يونيو، «إي-باي» أقفلت مركز التطوير في نتانيا وتستعد للاستغناء عن أكثر من مئتي موظف بحلول 2026، فيما انهارت «Skybox Security» في فبراير ففقد ثلاثمئة موظف أعمالهم. تخفيضاتٌ أصابت كذلك «AppsFlyer» بمئة وظيفة و«Placer.ai» بمئة وخمسين – لتدلّل على أنّ لحم السكين طال الحيتان والناشئين معًا.
نصف الشركات الناشئة الإسرائيلية خفّضت موظفيها في 2023، واستمر النزيف في 2024 و2025، تماشيًا مع موجة عالمية تجاوزت مئة ألف وظيفة تقنية مفقودة في ستة أشهر. ومع اضطراب المشهد السياسي داخليًا جراء «الإصلاح القضائي» واحتجاجات الشارع، ساد الترقب بين المستثمرين وتفاقمت هجرة العقول، فيما تضغط المعيشة المتصاعدة والتراجع الدوري للشيكل على ميزانيات الرواتب.
الحرب مع إيران جاءت لتصب الزيت على نارٍ متقدة. إغلاق السماء وتعطيل السفر واستدعاء الاحتياط جمد مشاريع وأجّل خططًا للتسريح حتى ما بعد الهدنة. ومع أن الحكومة تكفلت برواتب المجندين مؤقتًا، فإن الفاتورة الضخمة للحرب سترتد عاجلًا أو آجلًا ضرائبَ أعلى ودعمًا حكوميًا أقل للبحث والتطوير، بينما يتزايد القلق الدولي من سجلّ الاحتلال في غزة، فيهدد شراكاتٍ وأسواقًا تعتمد عليها شركاته التقنية.
اليوم يقف قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي أمام مشكلة كبيرة أما الرهان على «الذكاء الاصطناعي» كخشبة خلاص فيظل قائمًا، لكنه بحسب خبراء لن يُنقذ كل شركة تسرف في الإنفاق وتبالغ في التقييم. في المحصلة، أظهر العامان الأخيران أن «معجزة وادي السيليكون العبري» أكثر هشاشة مما رُوّج لها، وأن سلاح العدو الذي يمطر غزة ينهك في الوقت ذاته رافعة الابتكار التي لطالما تباهى بها أمام العالم.