علي الشراعي
كان السبب المباشر وراء اندلاع انتفاضة الأقصى هو زيارة الإرهابي الصهيوني شارون التي دنس بها حرم المسجد الأقصى المبارك, في 28 سبتمبر 2000م , قام زعيم حزب الليكود الصهيوني ( أرييل شارون ) وعدد من أعضاء حزبه بتدنيس ساحات المسجد الأقصى , وذلك تحت حماية ما يقارب ثلاثة آلاف جندي صهيوني , حيث استفز بزيارته هذه الفلسطينيين وكانت سببا في اندلاع انتفاضة الأقصى التي بدأت باحتدام المواجهات بين المصلين وجنود الصهاينة واستشهد سبعة فلسطينيين وجرح 250 آخرون ، كما أصيب 13 جنديا صهيونيا .
وفي 29 سبتمبر 2000م , ارتكبت القوات الصهيونية مجزرة جديدة ضد المصلين في المسجد الأقصي المبارك بعد صلاة الجمعة ونتج عن ذلك سقوط 15 شهيدا فلسطينيا وجرح 533 آخرين , كما فقد سبعة مصلين بصرهم نتيجة رميهم بالرصاص المطاطي في عيونهم . ولاحقا شهدت مدينة القدس مواجهات عنيفة اسفرت عن إصابة العشرات , وسرعان ما امتدت إلى جميع المدن في الضفة الغربية وقطاع غزة وسميت ب ( انتفاضة الأقصى ) . وقبلها في 25 سبتمبر 2000م , أقامت عائلات يهودية من أصل أمريكي يبلغ تعداد أفرادها 300 شخص حفل عشاء في الساحة الجنوبية الملاصقة للمسجد الأقصى المبارك , تخلله عزف الأغاني والمقطوعات الموسيقية .
استعادة الحقوق
يكمن السبب الحقيقي في اندلاع الانتفاضة في يأس الشعب الفلسطيني من تحقيق أية مكاسب على طريق استعادة حقوقه عن طريق الوسائل التفاوضية وبما يسمى طريق السلام , والذي ظهر جليا بعد انهيار مفاوضات ( كامب ديفيد الثانية ) بين الرئيس ياسر عرفات ورئيس وزراء الكيان الصهيوني الإرهابي ( إيهود باراك ) برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون , وعرض من خلالها تنازلات ضخمة يتعين على الشعب الفلسطيني التسليم بها منها نزع أسلحة المقاومة .
وهو مالم يستطع الرئيس عرفات نفسه قبوله ، وقد كانت هذه المفاوضات الحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة امتدت من اتفاقية أوسلو عام 1993م , والتي شكلت النهاية الفعلية للانتفاضة الفلسطينية الأولى واكتشف الشعب الفلسطيني بعدها أن هذا النهج التفاوضي لم يحقق له شيئا يذكر إلا إيجاد السلطة الفلسطينية التي يشهد واقع أمرها أنها لا تحمل أية مقومات للاسم الذي أطلق عليها .
رمز الانتفاضة
يعتبر الطفل الفلسطيني ( محمد الدرة ) رمزا للانتفاضة الفلسطينية الثانية , فبعد يومين من اقتحام المسجد الأقصى المبارك , أظهر شريط فيديو التقطه مراسل قناة تلفزيونية فرنسية في 30 سبتمبر2000م , مشاهد مقتل للطفل 11 عاما الذي كان يحتمي إلى جوار أبيه ببرميل إسمنتي في شارع صلاح الدين جنوبي مدينة غزة . وأثار مقتل الطفل محمد الدرة من قبل قوات الكيان الصهيوني مشاعر غضب الفلسطينيين في كل مكان وهو ما دفعهم إلى الخروج في مظاهرات غاضبة ومواجهة الجيش الصهيوني مما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات منهم .وقيام السلطات الصهيونية بمنع المصلين من أداء الصلاة في المسجد الأقصى المبارك .
اغتيال القيادات
عمل رئيس الوزراء الصهيوني شارون على اغتيال أكبر عدد من قيادات الصف الأول بالأحزاب السياسية والحركات العسكرية والفصائل الفلسطينية , في محاولة لإخماد الانتفاضة ولإضعاف فصائل المقاومة وإرباكها , وفي مقدمتهم مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين , وعدد من كبار مؤسسى حركة حماس , فبعد محاولات فاشلة لاغتيال الشيخ احمد ياسين فقد قصفته الطائرات الصهيونية واغتالته في 22 مارس 2004م , أثناء خروجه من المسجد بعد صلاة الفجر بمدينة غزة . كذلك اغتيال الكيان الصهيوني أبو علي مصطفي الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حيث قصفت الطائرات الصهيونية في 27 اغسطس 2001م بصواريخها مقر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في رام الله وقتلته وكان في مكتبه . وفي 13 يوليو 2001م , اغتيال الكيان الصهيوني القياديين في حركة حماس جمال سليم وجمال منصور في قصف لمكتب كانا يتواجدون فيه بنابلس في الضفة الغربية . وفي 21 يونيو عام 2003م , قيام الجيش الصهيوني باغتيال القائد القسامي عبدالله القواسمي المطلوب الأول للاحتلال آنذاك. – ورغم تلك الاغتيالات فالقضايا الوطنية التحررية لا تنتهي وتموت وتتلاشى بموت قاداتها بل تزيد قوة واصرارا وعزيمة ويتحول قاداتها إلى رموز للتضحية والفداء ضد الغزاة والمحتلين , وفي التاريخ شواهد عديدة لحركات تحررية ومقاومة وطنية قدمت آلاف الشهداء من القادة والمقاومين لتنتصر في النهاية – لذلك فقد شهدت المقاومة الفلسطينية وتنظيمها بعد اغتيال مؤسسها احمد ياسين ظهور قادة أخرين كانوا أشد بأسا ومصدر خطرا وقلقا ورعبا وكابوسا للكيان الصهيوني حتى أوصلوا المقاومة إلى يوم 7 أكتوبر 2023م , ليسقطوا أسطورة الجيش الذي لا يقهر بل أصبحت المقاومة وقادتها تهديد بزوال الكيان الصهيوني ووجوده . وهذا ما عجز عنه الجيوش والانظمة العربية منذ 76 عاما على وجود هذا الكيان اللقيط على عتبات المسجد الأقصى المبارك .
ومن أبرز أحداث الانتفاضة اغتيال وزير السياحة بالحكومة الصهيونية ( رحبعام زئبقي ) على يد عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين . فخلال الانتفاضة اعتقل الاحتلال الصهيوني العديد من الرموز الفلسطينية أمثال مروان البرغوثي وأحمد سعدات وعشرات من قادة الفصائل الفلسطينية .
مواجهات عسكرية
خلال خمس سنوات من عمر انتفاضة الأقصى والتي اندلعت في 28 سبتمبر 2000م , وتوقفت فعليا في 8 فبراير 2005م .بعد اتفاق الهدنة التي عقدت في قمة شرم السيخ والذي جمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الصهيوني شارون , فقد تميزت هذه الانتفاضة مقارنة بالانتفاضة الأقصى الأولى في عام 1987م , بكثرة المواجهات المسلحة وتصاعد وتيرة الأعمال البطولية للمقاومة الفلسطينية . كما نفذت الفصائل الفلسطينية هجمات داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة , استهدفت تفجير مطاعم وحافلات تسببت بمقتل مئات الصهاينة . ففي 9 اغسطس 2001م , نفذت كتائب القسام هجوما داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م , وقتلت 19 صهيونيا في عملية مطعم ( سبارو) . وفي 13 يوليو 2012م , قيام كتائب القسام بعملية الجامعة العبرية بتفجير قنبلة مما اسفر عن مقتل 9 اشخاص صهاينة .
ووفقا لأرقام فلسطينية وصهيونية رسمية , فقد أسفرت انتفاضة سبتمبر 2000م عن استشهاد (4412) فلسطينيا , إضافة إلى 48 ألفا و 322 جريحا , بينما قتل 1100 صهيونيا بينهم 300 جندي , وجرح نحو 4500 آخرين .
وكان من أبرز أحداث انتفاضة الأقصى اجتياح مخيم جنين ومقتل قائد وحدة الهبوط المظلي الصهيوني إضافة إلى 58 جنديا , وإصابة 142 جنديا في المخيم . وقد تعرضت مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة خلال الانتفاضة لاجتياحات عسكرية وتدمير آلاف المنازل والبيوت والمحلات وكذلك تجريف آلاف الدونمات الزراعية . وفي عام 2002م , بدأ الاحتلال من القدس ببناء الجدار العازل لمنع دخول الفلسطينيين ما بين الضفة الغربية داخل الخط الأخضر ومدينة القدس المحتلة .
صواريخ المقاومة
شهدت الانتفاضة الثانية تطورا في أدوات المقاومة الفلسطينية مقارنة بالانتفاضة الأولى التي كان أبرز سلاحها الحجارة والزجاجات الحارقة . فقد عملت الفصائل الفلسطينية على تطوير أجنحتها العسكرية وخاصة كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإٍسلامية ( حماس) التي توسعت بشكل كبير عدة وعتادا , وباتت تمتلك صواريخ تضرب بها المدن والمستوطنات والبلدات الصهيونية فكانت مستوطنة ( سديروت) على موعد مع تلقي أول صاروخ فلسطيني محلى الصنع أطلقته كتائب القسام بعد عام من انطلاق انتفاضة الأقصى يوم 26 أكتوبر 2001م , لتطور الكتائب بعد ذلك وعلى نحو متسارع من قدراتها في تصنيع الصواريخ .
أقلام وكتابات مأجورة
مع نهاية العالم الثالث للانتفاضة 2003م , ازدادت وتيرة الكتابات والدعاوي التي تهاجم ما يسمى بعسكرة الانتفاضة وتندد بالمقاومة المسلحة والعمليات الاستشهادية بدعوى أنها تفقد الشعب الفلسطيني التعاطف الدولي معه ! وتؤدي إلى زيادة البطش الصهيوني وتقدين المبررات الجاهزة لذلك , وإلى اتجاه المجتمع الصهيوني نحو اليمين المتطرف , كما أن الظروف الدولية غير مواتية لاستمرار المقاومة المسلحة خاصة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م , وما تبعها من حروب أمريكية على ما سموه الإرهاب كان من أهم آثارها التجفيف الشديد للكثير من منابع تقديم الدعم المادي للشعب الفلسطيني , وتوج ذلك بالاحتلال الأمريكي للعراق في ابريل 2003م , وما نتج عنه من خلل استراتيجي في مصلحة الكيان الصهيوني , وقبل كل ذلك فإن هؤلاء يقولون بأن المقاومة تفتقد للرؤية الاستراتيجية فيما يمكن ـن تصل إليه في نهاية المطاف وخاصة في ضوء غياب أي دعم عربي مؤثر ! .
خريطة الطريق
بذلت جهود مضنية على طريق وقف الانتفاضة أو شقها المسلح على أقل تقدير , تمثلت في العديد من الخطط والاتفاقيات مثل تفلهم ( تينيت ) وخطة ( ميشيل ) وإنتهاء بخطة ( خريطة الطريق ) والتي ترتكز في المقام الأول على تحقيق الأمن للكيان الصهيوني , وتفكيك البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية , دون إعطاء أي مقابل واضح ومحدد للشعب الفلسطيني على طريق استعادة حقوقه المشروعة . وقد أظهرت فصائل المقاومة الفلسطينية مرونة كبيرة باستعدادها لقبول الهدنة في مقابل وقف الاعتداءات الصهيونية على المدنيين الفلسطينيين , وذلك بالنظر إلى الخلل الاستراتيجي الكبير في عناصر القوة , إلا أن الحكومة الصهيونية هي التي قامت في واقع الأمر بإفشال جميع هذه التفاهمات والاتفاقات رغبة منها في فرض الإستسلام على الشعب الفلسطيني تحت ضغط البطش والقهر والاستمرار في سياسة الإغتيالات وهدم المنازل , دون أن تضطر إلى تقديم أي تنازل يذكر - وهذه سياسة الكيان الصهيوني في اي اتفاقيات ويظهر اليوم جليا في عدوانه على غزة - .
شرم الشيخ
توقفت انتفاضة الأقصى الثانية في الثامن من فبراير 2005م , بعد خمس سنوات من انطلاق شرارتها الأولى في 28 سبتمبر 2000م , بعد اتفاق هدنة بين الصهاينة والفلسطينيين في قمة ( شرم الشيخ ) إلا أن مراقبين وقتها ادركوا أن الانتفاضة الثانية لم تنتهي لعدم توصل الفلسطينيين والصهاينة إلى أي حل سياسي ولاستمرار المواجهات بمدن الضفة الغربية وقطاع غزة . فمن أوسلو 1993م , إلى شرم الشيخ 2005م , خداع السلام ومطاردة سراب الاوهام والجلوس إلى طاولة المفاوضات كانا سببا لتوقف الانتفاضتين فالانتفاضة الأولى أو ( انتفاضة الحجارة ) قد اندلعت يوم 8 ديسمبر 1987م , في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة ثم انتقلت إلى كل مدن وقرى ومخيمات فلسطين , وهدأت الانتفاضة عام 1991م , وتوقفت نهائيا مع توقيع اتفاقية أوسلوا بين الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993م .
منجزات الانتفاضة
حققت انتفاضة الأقصى الثانية والتي اندلعت في 28 سبتمبر 2000م , الكثير من المنجزات للشعب الفلسطيني وقضيته ومنها :
- إسقاط نظرية ما يسمى الأمن الإسرائيلي وإحداث خسائر بشرية مؤثرة بالصهاينة .
- عرقلة الأحلام الاستيطانية بعد انخفاض عدد سكان المستوطنات بوضوح , وإسقاط الإجماع الصهيوني حول الإستيطان .
- إحداث أزمة حادة في الاقتصاد الصهيوني بجميع قطاعاته عاني منه عدة سنوات عديدة
- إفقاد الصهاينة الإحساس بالأمن وزرع الرعب في قلوب المجتمع الصهيوني . مما أثر على نقص معدلات الهجرة إلى فلسطين وارتفاع معدلات الهجرة العكسية منها .
- إسقاط الإجماع الصهيوني حول ما يسمى فكرة إسرائيل الموحدة بين الأراضي المحتلة قبل حزيران 1967م وبعده .
- تزايد أعداد الرافضين والفارين الصهاينة من الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة.
- اختراق حاجز التعتيم الإعلامي الذي فرض على الشعب الفلسطيني , بحيث ظهر للعالم ما يتعرض له من هوان ومذلة وإبادة جماعية , حتى ظهر من يتعاطف مع الشعب الفلسطيني إلى درجة سفر بعض الأمريكيين والأوروبيين إلى الأراضي المحتلة وتشكيل دروع بشرية أمام الممارسات الصهيونية .
- حدوث تحول واضح في مفهوم الهوية لدى عرب 1948م .
- إثبات أن الإرادة الفلسطينية لم يتم كسرها بعد كل هذه السنين - واليوم ندرك حقيقة ذلك من خلال معركة طوفان الأقصى .
- إعادة إدراك الشعب العربي لأهمية القضية الفلسطينية بالنسبة له , واستعادة ارتباطه الوجداني بالشعب الفلسطيني , وخاصة بين الشباب الذي لم يشهد بدايات النكبة الفلسطينية 1948م , ولا حتى أحداث عام 1967م , أو حرب عام 1973م .