تقارير

البيان الختامي للهدنة.. "رؤية تحليلية" (1- 2)..

الزيارات: 532

حميد منصور القطواني

في هذه الرؤية التحليلية بإذن الله سوف نركز البحث حول مسار الأحداث بعد ما يقارب العامين من الهدنة ومنح الفرص ، وسنحاول الوقوف على النقاط المتعلقة بتفكيك مشهد الدوافع والحسابات السياسية المعادية ومواطن الخلل في المقاربات الصديقة، بغض النظر عن مستوى دقة المقاربة وتفسير الأحداث إلا أننا سنسعى إلى القراءة الأقرب إلى السلامة التي تبنى عليها المواقف، والمعني هنا بالضرر يسارع إلى تصحيح اللبس وكشف الغموض بلغة الأفعال على أرض الواقع ، فلم تعد الأماني والرغبات والنوايا الحالمة والمبادرات المهزوزة كافية أمام لحظة الحقيقة المرتبطة بفاتورة عقد من النزيف والعدوان بحق شعبنا والتهديدات التي مازالت سكاكينها الساخنة تذبح اليمن وشعبنا من الوريد.

البيان الختامي للهدنة.. "رؤية تحليلية" (1- 2)..

فهم ملتبس
قد يرى الأمريكي والبريطاني والإماراتي والسعودي في مشهد الفراغات المؤقتة وفي مساحة من الجغرافيا اليمنية ملاذا لتعبئة سياسة أطماعه اليأسة ويحفز أوهامه إظهار صنعاء رغبة صادقة في تحقيق السلام ووقف العمليات الحربية ووضع نهاية لإراقة الدماء والخسائر والدمار، تجسدت في الالتزام العالي بسياسة الانضباط والانفتاح غير المتحفظ على الوساطات والمبادارت والتفاوض الذي حوله الدور السعودي المتلكئ والرخو أو المماطل وأدوار الإعاقة المستفزة التي تبادل أدوارها جوقة التوحش الانجلوسكسن والصهيوإماراتي البغي .. إلى مستوى حوار ومناقشة وندوات فضفضة ( تمييز الموقف السعودي بحساب أن لديها رغبة إنقاذ رأسها المطلوب مع إدراك يدها المرتعشة وحالة الانفصام ).
وقد يعزز شبق تلك الأطماع الواهمة تنامي حالة الامتعاض الشعبي والوضع المعيشي المتدهور تحت ضغط استمرار سياسة الخنق وتركة 9 أعوام حرب مفتوحة وعدوان شامل إلى درجة مستويات مرهقة.
ويتعزز رهان العدو على المماطلة أو إعاقة المسار السلمي والمراوحة المهينة للاستمرار في نهج العدوان وتوطين الأطماع والاحتلال وتسخين سكاكين التمزيق ، لتحقيق ما عجز عن تحقيقه خلال تسعة أعوام استخدم فيها كل ما بيده من خيارات وأدوات في ذروة قوتها وفاعليتها أمام شعب أعزل في ذروة الانهاك تحت ضغط عقود من الأزمات والمؤامرات والفوضى نجحت في تجريده من دولته وجيشه وأمنه واستقراره وانتزعت قلب نظام الحياة الاقتصادية والمعيشية وحبسته في قمم محكم الإغلاق .

وحتى لا يخطئ أحد في الحسابات والتقدير يجب استيعاب الحقائق التالية:

الحقيقة الأولى :
أن مبعث السخط الشعبي والإرهاق ناجم عن التروي السياسي الذي تنتهجه صنعاء الذي يقابله الطرف الآخر بالمماطلة والإعاقة الذي يشبه فلم سادي يتلذذ بالآلام وإهانة الآخرين في الوقت الذي يري بعين اليقين الملموس أن بيده الاستعداد التام والخيارات الحاسمة لوضع نهاية لمعاناته ونزيفه وتفكيك بازار الاحتلال وأطماع الابتلاع والتمزيق التي تشكل تهديدا وجوديا لليمن أرضا وإنسانا وهوية ومستقبل.
وهذا يقودنا إلى خلاصة أن شعبنا بات محترفا في إدارة مواقفه بفاعلية عالية تجاه كل متطلبات الإنجاز بإبداع مذهل تحت أقسى أنواع الضغوط وأعنفها.
وأن انتعاش معنوياته وتألقه سيكون الموجة الصدامة الموازية لأول موجة من أعاصير الردع والغضب التي ستحدد وجهة طوفان محتقن من السخط والحماس العارم إلى الجبهات وبعقيدة في ذروة نضج عقيدة الألم والأمل والاستبسال لتعبئة خيارات حسم معركة المصير.

الحقيقة الثانية:
أن تفسير سياسة المرونة التي تتبعها صنعاء بأنها موقف قبول أمر واقع ، هو تفسير واهم ملتبس مبعثه أحلام يقظة لأن ما يجري هو أن صنعاء تفتح أبواب الطرق السهلة غير المكلفة بهدف السلام العادل وإعادة دورة الحياة اللائقة بشعبنا وإخراج قوات الاحتلال وتفكيك أطماعه وتفعيل قواعد السيادة والاستقلال، مقابل الانفتاح على خيار احتواء الأدوات وفق معايير تضمن الانضباط العام وبسط النظام والقانون.
وهذا مسار وصل نهايته وتساقطت أوراق مرونته واحترقت مراحله تحت ضغط المماطلة وإصرار تحالف الغزو والاحتلال على نهج العدوان والاستباحة والخنق وتصعيد التهديدات والاستفزازات والعبث.
ولهذه اللحظة استثمرت صنعاء جل الجهد بزخم الطاقة الكاملة شعبيا ورسميا لتعبئة استراتيجية حسم مصير المعركة برمتها التي قطعا سوف ترسم ملامح نهاية الاحتلال وأدواته وأطماعه .
و طريق التعنت والتصعيد وعناد الحقائق سيكون بمثابة مقامرة للعدو وخسارة لكل شيء مقابل الحفاظ على وهم المحافظة على الوضع الحالي للأطماع في اليمن والذي سيذهب بالمتغيرات والأحداث نحو تجاوز حدود الجغرافيا اليمنية والتغيير الجذري لخارطة المنطقة وزوال حدود ودول طارئة وليدة اللحظة الاستعمارية.
الحقيقة الثالثة :
أصبحت صنعاء لاعبا إقليميا محوريا في الشرق الأوسط تتحكم بمركز التوازانات الحساسة في المنطقة والامتدادات الفعالة على الساحة الدولية كقوة بسطت حساباتها حقائق الأمر الواقع التي لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها أو إخضاعها .
قوة فاعلة تعبر عن إرادة ومصالح ومخاوف وقيم شعب وجغرافيا ورثت شرعية تركة حضارية يتجاوز عمرها الآلاف من السنين ، فرضتها ظروف القوة القاهرة وفرزتها اختبارات الجدارة الوطنية ، التي منحتها عناصر الاستدامة المتنامية والمواكبة والمنافسة للهيمنة والسيطرة على كامل جغرافيا الحق اليمني برا وبحرا وجوا وحاكمية يد الموقع الجيواستراتيجي المتربع على عرش أهم شرايين الملاحة وحلقة ربط بين الشرق والغرب في قلب مركزية الجيوسياسيا الدولية والإقليمية كنقطة حماية سيادية وضامن أمن واستقرار مجرى دورة المصالح والتوازنات ، وأيضا منطقة قطع مميتة تتموضع فوق حبل الوريد في عنق النظام الرأس المالي الغربي وتمتلك خيارات القطع الموجه بانتقائية دقيقة أو الشامل.

الحقيقة الرابعة :
قد يكون هناك فراغ طارئ في مساحة خالية أو شبه خالية من التجمعات السكنية في الجغرافيا البرية والبحرية لكن يجب عدم الخلط بين فراغات النظام السياسي في جغرافيا التربة التي تولد حسابات مضللة للطامعين لا تقود إلا إلى فخ كبير.
وبين الفراغ الجيوسياسي في المواقع السيادية لليمن تمسك صنعاء بزمام تعبئتها وحمايتها والتحكم بأمواجها ورياحها بمعادلة سيادة الحق وأهل الأرض و الاقتدار الناري والردع، مؤمنة بخيارات مواكبة التطورات ومواجهة أعلى مستويات التهديدات والتحديات.
ولذلك يجب اسيتعاب حقيقة أن الوجود الأجنبي اطماع وقوات وادوات ارتزقية لا يمتلك اي فرصه للبقاء او فعالية التموضع ، وأن حسابات الأمر الواقع تفرض اتجاهات إجبارية لنهاية هذا العبث وخروج الاحتلال وتفكيك أطماعه وأدواته في الأفق المنظور القريب بالطرق السهلة أو المؤلمة.
ومستوى تحشيد قوات الاحتلال في البر أو البحر أو الجو اليمني لن يضيف أي تعقيد مجد ولن تمد في عمر الاحتلال يوما واحدا لأن مصير الوجود الأجنبي والأطماع والأدوات مرهون بطوفان التحرير العسكري والثوري ومدى صمود مدن الزجاج والنفط التي سوف تتحول إلى حقل رماية لأعاصير الغضب اليمني بزخم كمي ونوعي متنام يحول نبض الحياة في جغرافيا دول العدوان و شريان الملاحة في البحر الأحمر وبحر العرب إلى ساحة مشتعلة، ومرهون أيضا بمدى رغبة دول العدوان والاحتلال للانتحار في مقامرة ستقود إلى مواجهة إقليمية شاملة ستفقد الصراعات الدولية آخر مراكز توازنها نحو تصعيد يطلق العنان لهرمجدون عالمية نووية محل إجماع أن لا سيناريو متفائل لنهايتها.

الحقيقة الخامسة :
أن خيار دول التحالف الأمريكي السعودي الإماراتي بسرعة الرحيل والتخلي عن أطماع عدمية ومناجزة السلام الصريح والمجدول مع صنعاء يوفر لتلك الدول مصلحة استراتيجية مستدامة وقابلة للتطور والتنمية في اتجاهات كثيرة تخدم استقرار مسار استعادة توازن النظام الدولي والتحول الآمن والسلس للمستقبل الواعد للبشرية، تتوفر فيه حضوضا جيدة تدعم مكانة وموقع أمريكا والغرب لقيادة دور منافس متقدم في صياغة مستقبل النظام الدولي.
كما يمنح السعودي والإماراتي وبالذات السعودي أرضية صلبة وبيئة محيط مستقرة وإيجابية منفتحة على الدعم الحيوي لتمكين طموحاتها للريادة الإقليمية و المحورية الدولية على قاعدة الشراكة التي تلبي الطموحات المشروعة وتضمن استدامة النماء والنهوض والازدهار للجميع.
كما يوفر مخارج آمنة من الغرق في هاوية تصعيد عدمي تتزايد فرص إيقاع الجميع فيه خارج حسابات الكل تحت ضغط الابتزاز الذي يستثمر في تغذية وتوظيف الأزمات والصراعات والانقسامات لحساب أجندة خرافات عنصرية متطرفة تستغل فوضى الحسابات وتناقض المصالح بين تلك الدول التي تتربص برؤوس بعضها البعض وتحوم حولها مقاصل القريب والبعيد.
ويوفر السلام الشجاع والكامل مع صنعاء اكتمال معادلة إقليمية جديدة تفتح مسارات تسويات متوازنة بزوايا غير حادة ، لن تنصاع لأمريكا ودول التحالف ولكن ليس العداء اتجاه إلزامي أمام صنعاء ودول المنطقة التي ستحتاج إلى فتح الأبواب لتخليق فرص تعاون في مجالات ومصالح مشروعة وتنافس شريف في مجالات ورفض واعتراض في مجالات أخرى.
كما أن إنجاز السلام مع صنعاء ووقف العدوان ورحيل الاحتلال سوف يغلق متاهات الصراع في المنطقة التي تحولت إلى رمال متحركة وثقب أسود يهدد بالتهام الجميع خارج حسابات المصالح والمنطق والواقع التي تقود ما تبقى من هيمنة غربية تترنح ودول التحالف إلى هاوية سحقية لن يعود منها أحد .
كما يقود إلى تطوير حلول سلمية مجدية وإلزامية للقضية الفلسطينية المستعصية لعقود نتيجة تعنت الاحتلال الصهيوني الذي يعاني منذ التأسيس من عقد هوس السيطرة وجنون الاستكبار وحالة الانفصام الجماعي بين العنصرية الليبرالية والعنصرية الدينية المتطرفة التي شكلت مركز الصراع المحفز لحالة اللاستقرار والمولد
للاضطرابات والفوضى والبؤس الإقليمي .
وكانت يد الابتزاز والإيقاع بمقاربات أغرقت أمريكا في المنطقة لعقود فتحت المجال لنهوض قوى منافسة بحسابات المخاوف صعبة التعايش أكثر من كونها حسابات الطموح ، وهذا ما أنتج هذا النمو والصعود والتغيرات الفوضوية وغير المنسجمة مع دورة التغيير والتحديث والتجديد البشري والحضاري الذي تحول إلى نزيف حضاري يرسم وجهة للأحداث بلا أفق ومصير للصراعات مجهول ومرعب، كل يوم تفقد فيه خطوط الرجعة تحت ضغط النوايا الملتبسة وانعدام الثقة وتصاعد دوافع الاضطرار والاضطرار المقابل .
كما أن المقاربات الأمريكية من زاوية الكيان الصهيوني وضعت إمبراطورية أمريكا كقوة عظمى لم تسبقها أي إمبراطورية في امتلاك أدوات قيادة وسيطرة وهيمنة مباشرة دون منافس ، على سكة السقوط والتجريد من دورها القائد بنهاية سريعة وقصيرة في حقبة من الانفراد لم تدم عقدين ورسمت لها الأحداث في ذاكرة البشرية صورة عدوانية أنانية غبية لم يظهر منها إلا أسوأ ما فيها .
و كان لدى أمريكا فرصة قيادة العالم لقرون باحترام تنوع مصالح وقيم الشعوب والأمم الأخرى وتحفيز التنافسية البناءة والالتزام بنهج القيم السوية وقدوة في الالتزام بالقواعد والمعايير قبل الآخرين، ولم تكن تحتاج لتدافع عن موقع قيادتها فالعالم سيدافع عن النظام الدولي الذي يوحد الجميع كمصلحة توفر ديمومة الاستقرار والازدهار ، دون إطلاق رصاصة أو استخدام دور المنظمات الفتنوي والفوضوي والنهج الهدام لتذويب وتفكيك وإضعاف الأمم الأخرى، فنمو كل أمة وقوتها يصب في حساب قوة النظام الدولي .
وبرغم حقيقة انتهاء حقبة الدور القائد للعالم إلا أنها لم تفقد فرصة الدور العالمي والسلام مع صنعاء والمنطقة في جوهر احتياجاتها الملحة لحمايتها من النهج الانفصامي الذي يقودها إلى مذبحة التدمير الذاتي والزوال كقوة دولية ونظام اتحادي وربما مصير شعبها والمجتمع البشري بأسره.
كما يطيل انفاس فرص انتشال أمريكا من نهج الحماقات والرضوخ للابتزاز وتحييد مولد الأزمات وتعقيداتها ، وتصويب مسارها لمنحها فرصة إعادة إحياء للمشروع والطموح.
ومن الحماقة الرهان بأن لدى أمريكا فرصة لاستعادة لحظتها وحساباتها في المنطقة من خلال المرواحة على حافة هاوية الغرق في المنطقة فذلك مجرد أمل مضلل وفخ كبير ، فالأحداث دخلت مرحلة اللاعودة للهيمنة العدوانية والنفوذ الهدام. إما التصعيد بحسابات انتحارية عدمية أو طرد مهين ومخز أو تسويات منصفة خارج المزاج الصهيو غربي.

طباعة