وأظهرت نتائج فرز الأصوات التي تجاوزت 72 بالمئة تقاربا شديدا وحدّة غير مسبوقة في الاستقطاب بين معسكر رئيس الوزراء المنتهية ولايته، مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، وائتلاف المعارضة.
روعة قاسم
هذا المأزق الدستوري والسياسي، الذي يُبقي الطرفين عاجزين عن حسم الأغلبية المطلقة أي 61 مقعدا لتشكيل الحكومة، يعيد طرح التساؤلات الكبرى عما اذا كانت هذه الانتخابات ستغير وجه وخارطة الكيان من الداخل؟ وهل انتهى عهد نتنياهو حقا؟ وما هي تداعيات ذلك على حرب غزة و مخطط الضم الصهيوني وكل حروب المنطقة من إيران الى لبنان؟
ولعل الملاحظة الأهم لما رافق هذه الانتخابات من سجالات وجدل هو التراجع الملحوظ في شعبية المجرم نتنياهو وحزبه "الليكود". وذلك على خلفية هجوم السابع من أكتوبر وما تبعه من حروب إقليمية مدمرة. فقد تراجعت مقاعد حزب الليكود بشكل واضح في الانتخابات الحالية ليخسر الأغلبية التي كان يتمتع بها سابقا ومكنته من تشكيل الحكومة بقيادة المجرم نتنياهو، فيما تتفاقم أزمة الثقة العارمة بينه وبين الناخبين وتتصاعد حملات الاتهام له بأنه المسؤول المباشر عن أكبر إخفاق أمني في تاريخ الكيان.
حرب الاستنزاف الممتدة
ولا ننسى أن حرب الاستنزاف الممتدة أسفرت عن شلل شبه تام في قطاعات حيوية، وتضخم مالي غير مسبوق ونزوح مئات الآلاف من المستوطنين من غلاف غزة وشمال فلسطين المحتلة، مما أدى إلى تفاقم ظاهرة "الهجرة العكسية" نحو الخارج خوفا على المصير المجهول ورفضا لدفع فاتورة أمنية باهظة بلا أفق. اذ أدى تراجع الناتج المحلي بنسبة تجاوزت 5 بالمئة وهجرة نحو 100 ألف صهيوني بين أعوام 2023 و2024 إلى تحول ميزان الهجرة لسالب بنحو 20 ألف مغادر سنويا، مما كرس انهيارا اقتصاديا ونزيفا ديموغرافيا يهدد كيان الاحتلال من الداخل. وفي المقابل رسخ صمود المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة بقيادة "حماس" – رغم كل أشكال الإبادة والدمار – قناعة راسخة لدى الشارع الإسرائيلي بفشل أهداف الحرب المطلقة، ليزداد المجتمع الصهيوني استقطابا وتمزقا بين الرغبة في الهروب من جحيم الصراع وبين وهم الحسم العسكري.
اما الملاحظة الأخرى فهي أن هذه الانتخابات – عكس الانتخابات السابقة – شهدت طفرة تاريخية في نسبة مشاركة فلسطيني الداخل أي عرب 48 ، حيث بلغت نسبة الإقبال نحو 77.7 بالمئة وهي الأعلى منذ عام 1999، لتمنح الأحزاب العربية نحو 18 مقعدا، وهو ما يوازي 15 بالمئة من مقاعد الكنيست ويعكس وجودهم الديموغرافي الفعلي.
مسمى "عرب 48" أو فلسطيني الداخل
وتجدر الإشارة إلى أن مسمى "عرب 48" أو فلسطيني الداخل يطلق على أبناء الشعب الفلسطيني الذين بقوا في مدنهم وقراهم داخل الخط الأخضر ولم يغادروها إثر نكبة 1948، ليجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها قسرا تحت سيطرة كيان الاحتلال ويحملون جنسيته. وعلى الرغم من عقود من سياسات طمس الهوية والتمييز العنصري الممنهج، إلا أنهم أثبتوا عبر عديد المحطات التاريخية - بأنهم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني الفلسطيني العريض. ويظل تعلقهم بقضية فلسطين جذريا وعميقا، فهم ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم حراسة الذاكرة والبقاء على الأرض. ورغم وجود تباينات في سبل التعبير السياسي داخل المشهد الحزبي الإسرائيلي، إلا أن الغالبية الساحقة منهم تتمسك بحق الشعب الفلسطيني المشروع في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وإنهاء الاحتلال والاستيطان، ويرفض جلهم محاولات سلخهم عن عمقهم العربي والفلسطيني.
وخلال الانتخابات الراهنة، أبدت القيادات العربية في "القائمة المشتركة "استعدادها لمنح حكومة المعارضة اليهودية "شبكة أمان" من خارج الائتلاف، مقابل وقف سياسات الهدم والتحريض، وفتح أفق عادل مع الشعب الفلسطيني.
في حين يرفض قطاع واسع داخل المعارضة الإسرائيلية – بزعامة شخصيات مثل غادي آيزنكوت من حزب "يشار" ونفتالي بينيت من حزب "معا" – الشراكة المباشرة أو الاعتماد الكلي على الأصوات العربية، متمسكين بهوية الكيان بحسب زعمهم كـ "دولة يهودية صهيونية".
في المقابل يبرز صوت زعيم حزب "الديمقراطيين" يائير غولان داعيا لكسر هذا الحاجز العنصري وتشكيل "حكومة تغيير" بالشراكة مع عرب 48. غير أن الخطوط الحمراء الصهيونية واستبعاد النواب العرب فعليا من مراكز صنع القرار يظل هو الحاكم الناظم للطبقة السياسية الصهيونية برمتها.
ورغم التنافس الشرس على الحكم، لا يوجد فرق بنيوي جذري بين رؤية نتنياهو ومعسكره اليميني المتطرف، وبين رؤية المعارضة بزعامة آيزنكوت وغولان عندما يتعلق الأمر بالمبادئ الأساسية التي قام عليها الكيان الصهيوني، أي مبدأ التوسع الاحلالي على حساب أهل الأرض ورغما عن إرادة شعوب المنطقة.
مشروع نتنياهو اليميني الفاشي
فمشروع نتنياهو اليميني الفاشي يقوم على التحالف العضوي مع تيارات الاستيطان الفاشية مثل سموتريتش وبن غفير، وإدامة أمد الحروب لحماية مستقبله الشخصي والقضائي وهو الملاحق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مختلف المحافل والمحاكم الدولية، ويسعى إلى المضي قُدما في مخطط الضم الشامل للضفة الغربية، مع رفض مطلق لأي أفق سياسي للفلسطينيين.
مشروع المعارضة الإسرائيلية
أما مشروع المعارضة فهو يركز على إعادة بناء صورة الكيان دوليا، وإظهار مرونة شكلية، مع الالتزام التام بـ "القضاء على حماس"، والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وفرض قانون الخدمة العسكرية الشاملة. وهي تسعى لإنضاج "حكومة استقرار صهيونية" قد تُبطئ وتيرة الضم الكامل مؤقتا لتجنب الصدام مع الحلفاء الدوليين، لكنها متفقة مع نتنياهو على إدارة الصراع لا حله، واستمرار النهج الأمني والعسكري الدموي في فلسطين ولبنان. علما ان غادي آيزنكوت لا يقل إجراما ولا دموية عن نتنياهو، بل يمثل جيل الجنرالات الصاعدين في المؤسسة العسكرية الذين تشربوا عقيدة التدمير الشامل. فآيزنكوت هو صاحب "عقيدة ضاحية بيروت" الشهيرة التي تُشرعن استهداف المدنيين وتدمير البنى التحتية بشكل كامل كأداة ردع عسكرية، وقد ترجم هذه العقيدة الإجرامية بكل وحشية في حروب غزة المتعاقبة مهندسا لسياسات التطهير العرقي والإبادة الجماعية فهو نسخة أخرى من مجرم الحرب نتنياهو. لذلك فان صعوده في الواجهة السياسية كبديل محتمل لا يعدو ككونه تبديلا لأدوات القمع والقتل داخل دولة الاحتلال. فالطبقة السياسية الصاعدة في كيان الاحتلال بأكملها مجبولة على عقيدة سفك دماء الفلسطينيين وشعوب المنطقة وعقيدة الاستعمار والقتل.
ائتلاف هجين من الكتل المتفاوتة
ولا يقتصر مشهد المعارضة على حزب "يشار" وحده الذي تأسس سنة 2025، بل يضم ائتلافا هجينا من الكتل المتفاوتة، أبرزها حزب "معا" بقيادة رئيس وزراء الاحتلال الأسبق نفتالي بينيت الذي يمثل اليمين القومي الساخط على فوضى نتنياهو لكنه يظل متطرفا في عقيدته الاستيطانية. إضافة الى حزب "الديمقراطيين" بقيادة الجنرال المتقاعد يائير غولان والذي يمثل "اليسار الصهيوني" الذي تأسس من دمج حزبي "العمل" التاريخي و"ميريتس"، يقوده يائير غولان وهو نائب رئيس الأركان السابق. ويُعد الحزب الصهيوني الوحيد في المعارضة الذي يدعم علنا حل الدولتين لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويدعو للشراكة السياسية مع المواطنين العرب. وصولا إلى حزب "إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيغدور ليبرمان الذي يعبر عن اليمين القومي المتطرف المرتكز على أصوات المهاجرين الروس والمتبني لأشد المواقف عنصرية وعداء للفلسطينيين وعرب الداخل. وتلتقي هذه الأحزاب بمختلف خلفياتها – اليمينية والوسطية واليسارية – على هدف وحيد هو إزاحة نتنياهو وفساده وشراكته الفاشية، لكنها جميعا تتطابق في جوهرها الاستعماري والعسكري مع سياسات الإبادة والاحتلال.
السيناريوهات المتاحة لتشكيل الحكومة
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل يمكن القول بأن نتنياهو انتهى سياسيا في حال فشله عن تشكيل حكومة؟ وما هي السيناريوهات المتاحة لتشكيل الحكومة؟
في الحقيقة، مع عجز المعسكرين عن بلوغ عتبة الـ61 مقعدا بمفردهما - حيث حصد معسكر نتنياهو نحو 54 مقعدا مقابل 48 لمعسكر المعارضة تبرز السيناريوهات التالية:
عودة نتنياهو عبر ابتزاز الكنيست
فهناك سيناريو عودة نتنياهو عبر المناورات وابتزاز الكنيست، فقد يستميت نتنياهو للبقاء في السلطة عبر محاولة شق صفوف المعارضة، أو استمالة نواب ساخطين، أثناء فترة الحكومة المؤقتة لخلط الأوراق وتعطيل تشكيل أي بديل. كما يتحدث البعض عن إمكانية غير مسبوقة لسيناريو "حكومة الائتلاف الطارئ" بقيادة نتنياهو وانضمام غادي آيزنكوت وحزبه "يشار"، متجاوزين الخلافات الشخصية والحزبية تحت ضغط المحطات المفصلية والأحداث الاستثنائية التي يواجهها كيان الاحتلال إقليميا ودوليا. فهذا التحالف المحتمل قد تفرضه الحاجة الصهيونية لتوحيد الجبهة الداخلية لاستكمال ملف جبهات الحرب المفتوحة في غزة ولبنان وإيران، والضغوط الدولية المتصاعدة، وملاحقات الجنائية الدولية. قد يجد الطرفان في صيغة "حكومة الوحدة الوطنية" مخرجا براغماتيا مشتركا، حيث يحافظ نتنياهو على بقائه في سدة الحكم بينما يمنح آيزنكوت وحلفاؤه غطاء أمنيا ومؤسسيا لإدارة حرب استنزاف كبرى، مما يعني تكريس سياسات العدوان والإبادة تحت مظلة توافقية أوسع.
وفي سياق الدعم الأمريكي المستمر، دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط الانتخابات الإسرائيلية مؤكدا منحه "تأييدا كاملا ومطلقا" لحليفه الصهيوني. وفي تصريحات صحفية أدلى بها مع تواصل فرز الأصوات، أشار ترامب إلى أن أداء نتنياهو يفوق التوقعات، مرجحا أن تؤول النتائج النهائية إلى "فوز أو تعادل" رغم تشكيك استطلاعات الرأي في قدرته على حسم الأغلبية، وهو ما يعكس رهان الإدارة الأمريكية على بقاء نتنياهو لضمان استمرار الأجندة العسكرية والسياسية المتطابقة في المنطقة.
تشكيل حكومة تغيير أو الفراغ المستمر
أما السيناريو الثاني لمسار انتخابات الكنيست، فهو نجاح المعارضة في تشكيل حكومة تغيير، إذ يراهن آيزنكوت على تشكيل حكومة ضيقة بدعم خارجي أو شبكة أمان من النواب العرب، أو تشكيل حكومة واسعة تضم أجزاء من حزب "الليكود" ولكن دون نتنياهو.
أما السيناريو الثالث فهو حدوث الفراغ المستمر وذلك في حال استعصى بناء أي ائتلاف مستقر، فان ذلك يعني دخول الكيان في حالة شلل سياسي تام، ما يضطره حتما نحو العودة مجددا إلى صناديق الاقتراع والانتخابات المبكرة.
وفي خضم كل ما يجري داخل الاحتلال، من المهم معرفة وادراك حجم التأثيرات والانعكاسات لهذه الانتخابات على مآل حرب غزة، وجبهتي إيران وجنوب لبنان، ومستقبل القضية الفلسطينية ككل.
انعكاسات النتائج على أمن المنطقة
ويمكن القول أن هذه الانتخابات تتحكم بشكل مباشر بمصير الدم المسفوك في المنطقة. ففيما يتعلق بجبهة غزة وحربي إيران ولبنان، فإن أية حكومة مقبلة – سواء ترأسها نتنياهو أو آيزنكوت – ستكون محكومة بهاجس ما بعد أحداث أكتوبر. فمعسكر نتنياهو يرى في استمرار الحرب طوق نجاة سياسي، بينما يتبنى آيزنكوت عقيدة أمنية متشددة تستهدف "حماس" وإيران وحزب الله بمنهجية عسكرية لا تقل دموية، وإن كانت أكثر تنظيما وتنسيقا مع الحليف الأمريكي.
وفيما يتعلق بمخطط الضم في الضفة الغربية، فالأكيد أن بقاء اليمين المتطرف يعني تسريع وتيرة الاستيطان والضم الفعلي للضفة. أما صعود المعارضة فقد يفرض "هدنة تكتيكية" في خطوات الضم العلني لمنع انهيار السلطة الفلسطينية بالكامل ومعها اتفاق أوسلو بكل التزاماته، ولكنه لن يلغي أبدا الهدف الاستراتيجي الصهيوني المتمثل في ابتلاع الأرض الفلسطينية وكذلك التوسع في سوريا ولبنان.
وسواء نجح نتنياهو في المناورة للبقاء، أو نجحت المعارضة في الإطاحة به، فإن كيان الاحتلال يظل بكل انقساماته البنيوية العميقة وبنيته الاستعمارية المسلحة - كيان احتلال قام على تاريخ من الدم وسلب أراضي الغير للتوسع والبقاء.
وتؤكد القراءة التحليلية أن هناك إجماعا عابرا للاصطفافات الحزبية في كيان الاحتلال حول "المفهوم الأمني الجديد". فالشخصيات المعارضة لنتنياهو – كغادي آيزنكوت، ونفتالي بينيت، وأفيغدور ليبرمان – ليسوا أقل تطرفا، بل قد يتفوق بعضهم في التشدد من غزة إلى إيران. لذلك لن تكون النتائج الانتخابية مدخلا لتغييرات جوهرية في العقيدة العسكرية أو تبدلً في سياسات القوة، فالمتنافسون بمختلف تلويناتهم لا يرفضون نهج الحروب، بل يتنافسون فقط على إدارة أثمانها ومكاسبها، ومواصلة فرض السيطرة والتوسع في المنطقة.
مستقبل القضية الفلسطينية
وفي المحصلة فإن التغيير الحقيقي لمستقبل القضية الفلسطينية لن يصنعه الكنيست الإسرائيلي ولا أحزابه الصهيونية، بل يفرضه صمود المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها، ووحدة الشعب الفلسطيني بعيدا عن كل الانقسامات التي أضعفت طويلا مسيرة النضال من أجل الحق الذي لا يموت ودعم ثبات الشعب الفلسطيني على أرضه وأرض أجداده بكل الوسائل النضالية الممكنة سواء الدبلوماسية او السياسية او العسكرية، وذلك في وجه مشاريع الإبادة والضم والتهجير الصهيونية.