تقارير

من تعليق خارطة الطريق إلى قصف مطار صنعاء.. كيف انقلبت الرياض على مسار السلام؟!

الزيارات: 12

عندما وصلت المفاوضات في ديسمبر 2023 إلى تفاهمات واضحة حول وقف إطلاق النار وصرف الرواتب واستئناف تصدير النفط وفتح الطرق وتخفيف القيود على مطار صنعاء وميناء الحديدة،

من تعليق خارطة الطريق إلى قصف مطار صنعاء.. كيف انقلبت الرياض على مسار السلام؟!

بدا أننا أمام مدخل حقيقي لإنهاء الحرب، فلم تكن تلك البنود مجرد إجراءات فنية، بل كانت معالجة لجذور الصراع والرواتب تعني حق اليمنيين في اقتصادهم، والمطار والميناء يعنيان حريتهم في الحركة والتجارة، ووقف النار يعني انتقال العلاقة مع السعودية من تهدئة مؤقتة إلى سلام.

تقرير/ حسان السعيدي

لكن الرياض التي كانت طرفاً رئيساً في هذا المسار بحكم قيادتها للعدوان ودورها في الحصار، رحبت بالتفاهمات في العلن وعلقتها في الميدان، حيث استمر الحصار، وظلت الرواتب محل نزاع، وبقي المطار مقيداً حتى أُغلق تماماً واستفادت من التهدئة لتخفيف الكلفة عليها، واحتفظت بأدوات الضغط التي كان يفترض أن يعالجها الاتفاق، وهنا تحول الزمن نفسه إلى سلاح وكل شهر دون تنفيذ يطيل أثره على المجتمع ويترك صنعاء أمام إدارة دولة بموارد مقيدة ومنافذ محدودة وفي الوقت ذاته أبقت الرياض حديث التسوية حاضراً دبلوماسياً مع تأجيل القرارات الجوهرية وأصبح التعثر جزءاً من إدارة الصراع لا خللاً فيها.
خلال 2024 و2025 تغيرت بيئة المفاوضات مع اتساع المواجهة المرتبطة بفلسطين والبحر الأحمر، وتعرض اليمن لضربات أمريكية وبريطانية متكررة واتسعت المواجهة مع العدو الإسرائيلي إسناداً لغزة وتابعت الرياض ذلك من موقع المتفرج الذي لا يدفع الكلفة، مقدرة أن الاستنزاف سيضعف الموقف اليمني ويسمح لها بانتزاع شروط أفضل وهذا التقدير يفسر تعليق خارطة الطريق، لكنه فشل في الواقع. فاليمن حافظ على قدرته السياسية والعسكرية ولم تفرض الضربات الخارجية تسوية بشروط الرياض، وفي المقابل بقيت الرياض معنية بتجنب عودة العمليات إلى أراضيها، ففضلت الاستفادة من الضغط الأمريكي والإسرائيلي مع إبقاء تدخلها المباشر عند مستوى أدنى.
بالتوازي أعادت تطورات الجنوب ترتيب أدواتها، فبعد إزاحة قيادة الانتقالي سعت لتوسيع إشرافها على القرار السياسي والعسكري في المناطق الخاضعة لنفوذها وإعادة تنظيم التشكيلات التابعة لها وفتح هذا أمامها خياراً آخر وهو استخدام الضغط الميداني لتعديل شروط التفاوض ولا تحتاج لحسم شامل، يكفي تحسين مواقع حلفائها وإشغال القوات المسلحة في جبهات متعددة، ثم جاءت واقعة 13 يوليو 2026م لتكشف كل شيء، حيث كانت طائرة مدنية إيرانية في طريقها إلى صنعاء في رحلة كسرت الحصار الجوي، فقُصف مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع هبوطها ولم تكن ضربة عسكرية عادية، بل رسالة سياسية بأن حركة المطار وعلاقات اليمن الخارجية تظل خاضعة لموافقة الرياض وأن الخروج على القيد يستدعي قصف منشأة مدنية.
واختيار المطار لم يكن عبثاً، فكل ضربة لمدرجه تنعكس على مرضى وطلاب وعالقين وهو النمط ذاته الذي اتسع لاحقاً باستهداف الجسور والطرق والأسواق نقل كلفة الصراع إلى المجال المدني للضغط على السلطة الوطنية عبر المجتمع وبعد قصف المطار خرجت العلاقة من تهدئة 2022م واتسعت الغارات، ومع تحرير المخا في 10 سبتمبر ووصول القوات المسلحة إلى محيط باب المندب، واجهت الرياض خطراً حقيقياً خسارة ورقة الساحل التي كانت تستخدمها في المفاوضات.
فكان الرد توسيع التدخل المباشر بغارات يومية بطائرات F-15 وتايفون طالت تعز وحجة ومأرب والجوف وصعدة والحديدة والبيضاء وعمران وإب وذمار وكانت الحصيلة المعلنة: 1516 غارة وصاروخاً منذ بدء التصعيد، وفي 27 سبتمبر الماضي قُصف سوق مفرق ماوية بتعز وسقط عشرات الشهداء والجرحى والسوق ليس جبهة، بل مكان رزق وقصفه، كقصف الجسور والمدارس وشبكات الاتصالات، يهدف لزيادة كلفة الحياة اليومية وتعطيل الاقتصاد وهذه ليست أخطاء، بل سياسة ممنهجة لرفع العبء على المجتمع ولأن هذه السياسة يصعب تسويقها، برزت الحملة الإعلامية وسعت الرياض لنقل الاهتمام الخارجي من قصفها لمطار صنعاء والأسواق إلى هجمات القوات اليمنية داخل أراضيها، وصورت معارك الساحل كتهديد للملاحة الدولية لاستقطاب دول التجارة والطاقة.
ثم جاءت حملة اتهام اليمن باستهداف مكة في خطاب موجه للعالم الإسلامي يضع الممتنع عن الإدانة تحت ضغط أخلاقي وصدرت بيانات تضامن، لكنها بقيت سياسية ولم تتحول لتحالف عسكري، فأمام الغرب تتحدث الرياض عن الملاحة والطاقة، وأمام المسلمين عن المقدسات والهدف الواحد تقديم نفسها كضحية ودفع الحصار والغارات إلى هامش النقاش، كما ظهرت أيضاً مستويات دعم أخرى تزويد جوي بريطاني، واستعداد تركي لتسليح السعودية، واتصالات مع باكستان لدور فني وهي قدرات ترفع قدرة الرياض على مواصلة الحرب، لكنها لا تعني استعداد هذه الدول لتحمل كلفة حرب جديدة على اليمن.
هكذا يتشكل المشهد تدخل مباشر، قصف للبنية التحتية، حرب رواية، وبحث عن غطاء خارجي وغايتها تعديل الميزان قبل العودة للتفاوض ولكن هذا المسار يرتد على الرياض نفسها، فالتدخل المباشر يجعل مسؤوليتها أوضح ويجعل أمنها الاقتصادي جزءاً من الميدان والبيانات الخارجية قد تمنحها غطاءً، لكنها لا تبني جسراً مدمراً ولا تمحو أثر سوق مقصوف.
في الأخير، التسوية القابلة للبقاء لا تبدأ من تحسين شروط الرياض، بل من معالجة جذر المواجهة وقف العدوان والحصار وإنهاء الوصاية على منافذ اليمن وموارده، وترك اليمنيين يقررون مستقبلهم بعيداً عن الإملاء الخارجي.

طباعة