وقبل ذلك بأيام فقط، شوهدت سحب كثيفة من الدخان الأسود تتصاعد من خزانات الوقود بالقرب من المطار الدولي، بعد أن استهدفت القوات المسلحة اليمنية الرياض لأول مرة منذ سنوات، وهو ما يمثل تصعيداً كبيراً في صراع إقليمي مرير باتت له الآن تداعيات مباشرة داخل الولايات المتحدة.
وقال مسؤول خليجي سابق لشبكة CNN: "بالنسبة للأمريكيين، هذه مسألة بالغة الخطورة"، مضيفاً أنه في ظل الصراعات الدائرة في إيران واليمن، فإن النفط السعودي يُحاصر الآن بين نقطتي اختناق، وهو ما سيكون له تأثير متتابع على الأسعار في المستقبل. وبطبيعة الحال، تُعد السعودية أكبر مُصدّر للنفط الخام في العالم، إذ تضخ ملايين البراميل يومياً في الأسوق العالمية، مما يمنحها نفوذاً لا يضاهى على الأسعار، وبالتالي على التكلفة التي يتحملها الأمريكيون عند محطات الوقود.
وأكدت الشبكة أنه مع تكثيف القوات المسلحة اليمنية لهجماتها، أصبحت طرق الإمداد البديلة والحيوية للمملكة مهددة أيضاً، وهو ما قد ينطوي على عواقب وخيمة على إمدادات النفط العالمية وعلى المستهلكين الأمريكيين الذين يعانون بالفعل من أسعار مرتفعة تاريخياً للبنزين والديزل. ونقلت الشبكة عن نيل كويليام، المتخصص في سياسات الطاقة والجغرافيا السياسية والشؤون الخارجية في مركز أبحاث "تشاتام هاوس" بلندن قوله: "لا أعتقد أن أمريكا تدرك تماماً حجم التأثير الناجم عن هذا الوضع الأمني المتدهور، ولا العواقب المحتملة لذلك على المدى الأبعد".
وأوضحت الشبكة أن الأسابيع الأخيرة شهدت هجمات شنتها القوات المسلحة اليمنية على خط أنابيب النفط السعودي الرئيسي "شرق-غرب"، مما أدى إلى توقف تصدير ملايين البراميل عبر ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر. كما شهدت الفترة ذاتها سلسلة من التقدم العسكري الخاطف للقوات المسلحة اليمنية التي أحكمت سيطرتها الفعلية في الأسابيع الأخيرة على مضيق باب المندب الحيوي، وهو ممر مائي استراتيجي عند مدخل البحر الأحمر، كانت تُنقل عبره أجزاء كبيرة من صادرات النفط السعودية، وأعلنت فرض حصار على حركة الملاحة السعودية.
وأضافت أنه في ظل القلق إزاء هذه الانتكاسة غير المتوقعة، طلب محمد بن سلمان، الذي أبرم اتفاقاً دفاعياً مع واشنطن العام الماضي، تدخلاً عسكرياً أمريكياً بشكل شخصي، لكن طلبه قوبل بالرفض. وفي غضون ذلك، يبدو أن مشاعر القلق والإحباط تتصاعد داخل المملكة، لدرجة أنها ألقت بظلالها حتى على احتفالات اليوم الوطني السنوية. ووسط التهديد اليمني بشن ضربات جديدة، أُلغيت فجأة عروض الطائرات المسيرة والألعاب النارية التي كان من المقرر إقامتها على نطاق واسع في أنحاء البلاد، حيث صرح المنظمون بأنها مجرد تأجيل حتى إشعار آخر.
وكشفت الشبكة أن ثمة أسباب وجيهة قد تدفع ترامب إلى التريث، وفي مقدمتها تجنب فتح جبهة ثانية قد تكون مكلفة ومؤلمة، وذلك بعد مرور سبعة أشهر فقط على بدء صراعه المستمر مع إيران. كما قد تكون هناك تحفظات قوية بشأن جدوى الضربات الجوية الأمريكية، بالنظر إلى أن حملة القصف التي قادتها الولايات المتحدة العام الماضي، والتي استمرت 50 يوماً وكانت مكلفة وشديدة الوطأة، انتهت بهدنة دون أن تنجح في إضعاف عزيمة قوات صنعاء بشكل دائم.
وأفادت الشبكة أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط في العالم، إلا أنها ليست بمنأى عن الاضطرابات في الشرق الأوسط. وخلافاً لما يلمح إليه ترامب من أن اعتماد واشنطن المحدود على نفط المنطقة يحميها من أي تعطل للإمدادات، فإن النفط الخام يُتداول في الأسوق العالمية، فعندما تتعرض إمدادات الشرق الأوسط للتهديد، ترتفع الأسعار في جميع أنحاء العالم، ويشعر السائقون الأمريكيون بذلك عند محطات الوقود. لذا فإن أي انخفاض في الصادرات السعودية يعني ارتفاع الأسعار للجميع، وهي نقطة ضغط سياسي حساسة قد يسعى ترامب بشدة لتجنبها مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في نوفمبر.