تقارير

القضية الجنوبية .. عندما يتحول الحق إلى رهينة !

الزيارات: 12

قبل أكثر من ثلاثة عقود، وتحديداً في صيف عام 1994، لم تكن الحرب التي دارت رحاها بين شطري اليمن مجرد صراع على السلطة بين فريقين سياسيين، بل كانت لحظة انطلاق قذيفة أطلقت في خاصرة الوحدة، لتُحدث شرخاً عميقاً في النسيج الوطني اليمني، وتزرع بذور قضية ظلت تنمو وتتشكل وتتحول مع الزمن، حتى فقدت الكثير من براءتها الأولى، وأصبحت اليوم رهينة صراعات لا تمت بصلة إلى مظالم أهلها، ولا تخدم مستقبل اليمن.

القضية الجنوبية .. عندما يتحول الحق إلى رهينة !

ســـامي عطــا

جذور ومخاض القضية

تتفق معظم التحليلات الوطنية اليمنية على أن القضية الجنوبية بصورتها الراهنة هي نتاج مباشر لحرب صيف 1994 وما أعقبها. فبعد أن قامت الوحدة في 22 مايو 1990 بين دولتين كانتا تتمتعان بسيادة مستقلة وجيشين ومؤسسات وإرث سياسي مختلف، لم تنجح المرحلة الانتقالية في بناء دولة موحدة حقيقية. ومع انتخابات 1993 وتصاعد الخلافات، انفجرت الحرب في 1994، لتضع حداً لتجربة الوحدة التي لم تُمنح فرصة كافية للنضج.
ويصف الكاتب حسين زيد بن يحيى تلك الحرب بأنها كانت " ظالمة مجرمة خدشت وبقوة الوعي الوحدوي الجمعي في المحافظات الجنوبية، أمراء تلك الحرب معروفين لشعبنا اليمني بالاسم ". ولم تقتصر تبعات الحرب على الخسائر البشرية والمادية، بل تجاوزتها إلى سياسات منهجية للإقصاء والتهميش؛ حيث تعرّض آلاف العسكريين والموظفين الجنوبيين للتسريح، وصودرت أراضٍ وممتلكات، وتعمقت الفجوة الاقتصادية والتنموية بين الشمال والجنوب.
لكن الملاحظ أن هذه الحرب لم تكن حرباً جغرافية خالصة بين شمال وجنوب، إذ شاركت قيادات وقوات جنوبية إلى جانب نظام صنعاء، كما شاركت قوى شمالية إلى جانب القيادة الجنوبية. وهذا ما يجعل توصيفها كحرب " شمال-جنوب " توصيفاً ناقصاً. غير أن هذا لا يلغي حقيقة النتائج التي ترتبت عليها في الجنوب، والتي أنتجت مظالم حقيقية تراكمت مع مرور الوقت، ودفعت أبناء الجنوب في عام 2007 إلى الخروج في حراك احتجاجي سلمي، رفع في البداية مطالب حقوقية، قبل أن يتصاعد سقف مطالبه تدريجياً.

من قضية وطنية إلى ورقة بيد الخارج

وإذا كانت القضية الجنوبية، قد ولدت من رحم تلك الحرب التي شهدها العام 1994 وما تلاها من سياسات إقصاء وتهميش، وفصل وظيفي، ونهب للأراضي، وحرمان الآلاف من أبناء جنوب الوطن من حقوقهم القانونية والمعيشية فإنها لم تعد اليوم مجرد قضية مظالم جنوبية، بل جرى استغلالها خارجياً، وتحويلها من مسار المطالبة بالإنصاف والعدالة إلى مسار سياسي خطير وتحولت إلى أداة بيد سلطة داخلية أوجدها رعات خارجيين، لتُستخدم كورقة ضغط، وذريعة للتدخل، ومبرراً للاحتلال، ومشروعاً لتقسيم اليمن وتفتيته.
وهكذا، لم تعد القضية الجنوبية تُطرح اليوم على حقيقتها، بل أصبحت مرتهنة لصراعات إقليمية، ومُوظَّفة لخدمة مشاريع خارجية لا تعني أبناء الجنوب في شيء.
وما يؤكد حقيقة هذا الواقع هو أن الحديث عن حل القضية الجنوبية قبل تحرير الأرض من المحتل الخارجي واستعادة السيادة الوطنية، ليس سوى كلام في الهواء، وحلم سرابي يقود إلى مزيد من التعقيد والضياع.

تناقض عجيب ومفارقات تاريخية

كان من الممكن أن تجد القضية الجنوبية طريقها إلى الحل عبر الحوار الوطني، كما حدث في مؤتمر الحوار الوطني الذي انعقد بعد ثورة 2011، حيث أفرد للقضية الجنوبية مكوناً خاصاً، وخرج المشاركون بنتائج إيجابية بعد نقاشات جادة. لكن المسار انقلب عندما تدخلت الأطراف الخارجية، وفي مقدمتها السعودية، لإجهاض تلك المخرجات، والذهاب بدلاً منها نحو تمرير مشروع الأقاليم الذي أثار جدلاً واسعاً.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى: فالدول التي وقفت ضد الوحدة اليمنية في 1990، وسعت لإجهاضها في 1994، هي ذاتها التي تبنّت اليوم القضية الجنوبية كغطاء لتدخلها العسكري في اليمن. فكما يذكر الكاتب عبدالفتاح البنوس، كان " الانفصال والعودة باليمن واليمنيين إلى ما قبل 22 مايو 1990م هدفاً وغاية سعودية إماراتية مشتركة، وخصوصاً من الجانب السعودي الذي وقف ضدها وحال دون تحقيقها في منتصف السبعينيات.. وسعى لإجهاضها والانقلاب عليها في العام 1994م ". ويؤكد المستشار حسين علي الحبيشي في مذكراته، ورياض نجيب الريس في كتابه " رياح الجنوب "، أن موقف السعودية والإمارات من وحدة اليمن كان واضحاً في حرب 1994، حين أقسم بن زايد أنه سيعمل على تقسيم اليمن إلى خمس دويلات.
وهكذا، وبعد عقود من العداء للوحدة اليمنية، وجدت هذه الأطراف في القضية الجنوبية ذريعة مثالية للتدخل، فحولتها من قضية مظالم داخلية إلى مشروع سياسي بيدها، ودعمت تشكيلات مسلحة وكيانات سياسية، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي، لخدمة مصالحها في الموانئ والجزر والممرات البحرية.

تعقيد وتوظيف مزدوج للقضية

لعل ما يجعل القضية الجنوبية أكثر تعقيداً اليوم هو أنها لم تعد قضية بين طرفين ( شمال وجنوب)، بل أصبحت ساحة صراع مفتوحة تتداخل فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة ومتناقضة. فمن جهة، هناك مشروع إماراتي يسعى للسيطرة على الموانئ والجزر والسواحل الجنوبية، ويرعى كيانات سياسية وعسكرية موالية له. ومن جهة أخرى، هناك مشروع سعودي يتعامل مع الملف الجنوبي ببراغماتية متقلبة، ويحاول هندسة المشهد بما يخدم مصالحه لا جذور القضية.
وفي خضم هذا التنافس، تحولت القضية الجنوبية إلى وقود لحرب بالوكالة، حيث يُستخدم أبناء الجنوب لمواجهة إخوانهم في الشمال، في معركة لا تخدم قضيتهم، بل تخدم أطرافاً خارجية لا تعنيها مصالح اليمنيين. وهذا ما عبّر عنه الدكتور عبدالعزيز بن حبتور عندما قال: " المشكلة الحقيقية التي تواجه جميع أبناء اليمن ليست في تعدد وتباين رؤاهم ومطالبهم، وإنما في تحويل هذا التباين إلى أدوات للصراع بالوكالة "، مشيراً إلى أن " السعودية تعاملت مع مختلف القوى والمكونات اليمنية بمنطق واحد؛ هي لا تقيس موقفها من هذا الطرف أو ذاك بمدى انتمائه الجغرافي أو السياسي، وإنما بمدى استقلال قراره عن النفوذ السعودي"..ونتيجة لذلك، لم تعد القضية الجنوبية تُدار وفق منطق معالجة المظالم، بل وفق منطق إعادة ترتيب النفوذ والثروة. فقد تراجعت مؤسسات الدولة، وتعددت مراكز القوة، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتنامت التشكيلات المسلحة، وأصبحت بعض المناطق ساحات لتنافس القوى المحلية والإقليمية. وكما يصف الكاتب محمد صالح حاتم، " خلال سنوات الحرب والعدوان على اليمن، تحولت القضية الجنوبية إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي مباشر ".

حقيقة لا مفر منها

في ظل الواقع الذي أصبح يعيشه الوطن اليوم في شماله أو جنوبه على حد سواء تبقى الحقيقة التي لا مفر منها هي حقيقة أن القضية الجنوبية لا يمكن حلها، في ظل وجود قوى خارجية تملك نفوذاً عسكرياً وسياسياً مباشراً على الأرض اليمنية.
وفي هذا السياق يؤكد الدكتور بن حبتور، في أحد مقالاته المنشورة أن " الطريق إلى معالجة القضية الجنوبية وسائر القضايا الوطنية يبدأ باستعادة القرار اليمني من أيادي الخارج، وتهيئة بيئة مستقلة ومناسبة للحوار ".
ما يعني أن تحرير القرار اليمني هنا ليس مجرد شعار سياسي، بل هو شرط موضوعي لإعادة القضية إلى إطارها الوطني، وتهيئة المناخ لصناعة حل يمني جنوبي خالص.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن تحرير القرار اليمني يعني إخراج القوات الأجنبية، وإنهاء التدخل العسكري، واستعادة السيادة الوطنية على كامل الأراضي اليمنية. وعندها فقط يصبح الحوار والتوافق على حل القضية الجنوبية ممكناً، وتصبح الخيارات السياسية أكثر ارتباطاً بإرادة المجتمع، وتصبح معالجة الحقوق والمظالم أكثر قابلية للتنفيذ.
أما استمرار الوضع الراهن، حيث تُدار القضية الجنوبية من عواصم خارجية، وتُستخدم كورقة في صراعات لا تمت بصلة لمصالح اليمنيين، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، وإعادة إنتاج القضية بصورة أكثر تعقيداً، وإطالة أمد المعاناة الإنسانية التي يعيشها أبناء الجنوب واليمن ككل.

الخاتمة والخلاصة في نقاط

- القضية الجنوبية قضية عادلة، نشأت من مظالم حقيقية تعرّض لها أبناء المحافظات الجنوبية. ولكن عدالة القضية لا تعني شرعية كل من تبنّاها، ولا تبرر تحويلها إلى أداة لتفكيك اليمن، أو إلى غطاء للاحتلال الخارجي.
- الحل الحقيقي للقضية الجنوبية لا يمكن أن يأتي من خارج اليمن، ولا يمكن أن يتحقق في ظل الاحتلال والوصاية، بل عبر حوار يمني – يمني شامل، يعترف بالمظالم ". وهذا الحوار لا يمكن أن يكون حراً ونزيهاً إلا بعد تحرير الأرض واستعادة السيادة، وإخراج القرار اليمني من قبضة الخارج.
- القضية الجنوبية لن تُحل بتغيير الشعارات، ولا بتبديل مراكز النفوذ، ولا بإعادة توزيع مناطق السيطرة بين القوى المحلية والإقليمية. وإنما بحل جذور المشكلات التي أنتجتها، وبإعادة القرار إلى أصحاب الأرض، وبناء مستقبل يحدده اليمنيون بأنفسهم.
- تحرير الأرض من المحتلين لن يعني نهاية القضية الجنوبية؛ بل يعني بداية الطريق إلى صناعة حلها الحقيقي.

طباعة