تقارير

بالتزامن مع استمرار الرياض في ممارسة سياساتها الهادفة لإخضاع الشعب اليمني ونهب ثرواته.. جذور العداء السعودي التاريخي لليمن

الزيارات: 5

حقيقة يفضحها تاريخ يمتد لنحو قرن كامل، منذ معاهدة الطائف عام 1934 التي فُرضت على اليمن بعد حرب خاسرة، وأسفرت عن ضم مناطق يمنية تاريخية هي عسير وجازان ونجران إلى المملكة لا نجد في تاريخ العلاقة بين السعودية واليمن،

بالتزامن مع استمرار الرياض في ممارسة سياساتها الهادفة لإخضاع الشعب اليمني ونهب ثرواته.. جذور العداء السعودي التاريخي لليمن

سوى سجل حافل بالعداء السعودي الممنهج لليمن، والتدخلات المتكررة، والوعود الخائنة. وفي حين كان المفترض أن ترسخ تلك المعاهدة السلام، تحولت إلى أداة لتكريس أطماع توسعية، وفتحت الباب أمام عقود من التدخل والهيمنة.. تفاصيل :

د. علي الرحبي
لم تتوقف السعودية عند حدود اقتطاع الأراضي، بل مارست نمطاً ثابتاً من التدخل في الشؤون الداخلية اليمنية، مدعومة بنظرة استعلائية ترى في اليمن ليس جاراً، بل "حديقة خلفية" يجب إخضاعها. ففي الستينيات، عندما اندلعت الثورة الجمهورية في اليمن الشمالي، وقفت الرياض مع الملكيين ضد الجمهوريين، مدعومة من بريطانيا والأردن، في محاولة لإجهاض أي مشروع وحدوي أو تحرري قد يهدد النموذج الملكي السعودي. وبعد عقدين، وفي حرب 1994، دعمت السعودية الانفصاليين في الجنوب ضد الوحدة التي كان ينظر إليها النظام السعودي بوصفها تهديداً وجودياً. ولم يقتصر العداء السعودي على التدخل السياسي والعسكري، بل امتد إلى اغتيال القادة والرؤساء اليمنيين الذين شكلوا تهديداً للمشروع السعودي. ففي السبعينيات، اغتيل الرئيس إبراهيم الحمدي، الذي كان يسعى إلى تقريب وجهات النظر بين الشمال والجنوب في خطوة نحو الوحدة، في مؤامرة يرجح أن السعودية لعبت دوراً فيها. هذا النمط من التدخل الممنهج يثبت أن الرياض لم تعترف قط بحق اليمن في تقرير مصيره.

العداء التاريخي الاقتصادي
في الملف الاقتصادي، كان النفط والغاز محوراً رئيسياً للصراع. فقد منعت السعودية لعقود استخراج هذه الثروات من اليمن، بحجة حماية احتياطاتها النفطية. ففي عام 1984، أعلنت شركة "هنت أويل" الأمريكية اكتشافاً نفطياً ضخماً في محافظتي الجوف ومأرب، لكن أعمال التنقيب توقفت فجأة لأسبابٍ غير معلنة. وبعد عقود، كشف وزير يمني أن السعودية هي التي تقف وراء منع التنقيب. وفي عام 2000، وقعت السعودية مع الحكومة اليمنية اتفاقية تقضي بعدم التنقيب عن النفط في منطقة تبعد 40 كيلومتراً عن الحدود إلا بموافقة الجانبين، مما منع اليمن فعلياً من استغلال بحيرة نفطية ضخمة كانت معروفة للحكومة مسبقاً. هذا الاحتكار الاقتصادي لم يكن مجرد حرص على المصالح السعودية، بل كان أداة لإبقاء اليمن في دائرة الارتهان والضعف.

العداء التاريخي الديني
أما في الجانب الديني، فقد لعبت السعودية دوراً تدميرياً في تغذية الصراعات الطائفية، من خلال محاربة المذهبين الشافعي والزيدي، وهما المذهبان الأساسيان في اليمن، ودعم الجماعات المتطرفة دينياً. الحرب على المذهب الزيدي، الذي يتبناه اليمنيين في الشمال ، ليست مجرد صراع سياسي، بل هي استمرار لحملة ممنهجة تهدف إلى محو الهوية الدينية والثقافية لليمن، وفرض رؤية سلفية متطرفة تخدم المشروع السعودي الإقليمي. وقد وثقت تقارير متعددة أن السعودية لعبت دوراً في تغذية النزاعات الطائفية والقبلية، بهدف إبقاء اليمن في حالة من الانقسام والصراع الداخلي، مما يسهل السيطرة عليه واستغلاله.

سياسات عداء تراكمية
هذه السياسات التراكمية بلغت ذروتها في 26 مارس 2015، عندما شنت السعودية، بقيادة تحالف غربي وعربي وصهيوني ، عدواناً عسكرياً واسعاً على اليمن، معلنة أن الهدف هو استعادة ما أسمته الشرعية الدستورية بعد سيطرة أنصار الله على صنعاء.
لكن هذا العدوان لم يكن مجرد رد فعل على تطورات داخلية، بل كان تتويجاً لعقود من العداء الممنهج. وفقاً للمادة (1) من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 (1974)، فإن "العدوان هو استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد السيادة والسلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لدولة أخرى". وقد تحققت في العدوان السعودي جميع عناصر هذه الجريمة الدولية: الغزو بواسطة القوة المسلحة والهجوم على اليمن، وإلقاء القنابل والصواريخ واستعمال كافة أنواع الأسلحة، ومنها المحرمة دولياً، وفرض الحصار المسلح على موانئ وشواطئ اليمن والحصار البري والجوي.
وشكل العدوان أيضا انتهاكاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحصر حالة الدفاع الشرعي عند وقوع الاعتداء المسلح، وليس لمجرد شكوك أو أوهام. وقد تسبب العدوان في سقوط أكثر من نصف مليون شهيد وجريح، وتدمير البنية التحتية، وتشريد الملايين، وخلق أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

استمرار العداء الممنهج
استمرار هذا العداء الممنهج، ورفض السعودية الاعتراف بحق اليمن في السيادة والثروة والكرامة، يضع اليمنيين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في حالة التبعية والانقسام، أو التحرر من هذه الوصاية واستعادة الوحدة الوطنية. ولتحقيق هذا التحرر، نوصي بما يلي:
أولاً، توحيد الصف الوطني وتجاوز الخلافات بين القوى الوطنية للاتفاق على برنامج وطني موحد لمواجهة المشروع السعودي.
ثانياً، استعادة الثروات الوطنية ومنع السعودية من السيطرة على النفط والغاز اليمنيين، وإعادة النظر في اتفاقية 2000 الحدودية.
ثالثاً، فضح التدخل السعودي دولياً من خلال توثيق انتهاكات القانون الدولي ورفع شكاوى إلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
رابعاً، تطوير القدرات الدفاعية الوطنية لبناء قوات مسلحة قوية قادرة على حماية السيادة اليمنية وطرد القوات الأجنبية.
خامساً، الانفتاح على القوى الإقليمية والدولية المتوازنة مثل الصين وروسيا وتركيا لتقليل التبعية للقوى الإقليمية المعادية.
سادساً، بناء اقتصاد وطني مستقل عبر الاستثمار في الثروات الطبيعية اليمنية بعيداً عن الهيمنة السعودية.
سابعاً، تعزيز الهوية الوطنية ومقاومة المشاريع الطائفية والتخريبية التي تغذيها السعودية، والعمل على تعزيز ثقافة التسامح والتعايش بين جميع المكونات اليمنية.

الخلاصة
وتبقى الخلاصة هي أن اليمن، بتاريخه وحضارته وثرواته، ليس "حديقة خلفية" لأحد، ولا خاضعاً لوصاية أي دولة. وما تمارسه السعودية من سياسات تجاه اليمن اليوم هي استمرار لنمط استعماري قديم، يهدف إلى إخضاع الشعب اليمني، ونهب ثرواته، وتقسيمه إلى دويلات ضعيفة تخدم المشروع الإقليمي السعودي. إن التحرر من هذه الوصاية، واستعادة السيادة والكرامة، وبناء دولة يمنية موحدة قوية، هي مسؤولية تقع على عاتق كل يمني شريف، وكل قوة وطنية تؤمن بحق اليمن في الحياة الحرة الكريمة. فإما أن ننهض سوية لإنقاذ وطننا، أو ننتظر حتى تُصفى اليمن من الخريطة وتُقسم إلى كانتونات تحت وصاية الآخرين.

طباعة