تقارير

من قناة السويس شمالاً إلى مضيق باب المندب جنوباً .. البحر الأحمر أمام مرحلة انتقالية عميقة تعيد تعريف مفهوم الأمن البحري

الزيارات: 7

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر بحري يربط بين الشرق والغرب، بل أصبح عقدة استراتيجية في شبكة الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد فمن قناة السويس شمالاً إلى مضيق باب المندب جنوباً، تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الاقتصادية،

من قناة السويس شمالاً إلى مضيق باب المندب جنوباً .. البحر الأحمر أمام مرحلة انتقالية عميقة تعيد تعريف مفهوم الأمن البحري

وتتقاطع المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية في فضاء واحد تتزايد فيه أهمية السيطرة غير المباشرة على الموانئ والممرات والنقاط البحرية الحساسة.

الممر الحيوي الذي تحول إلى ساحة صراع
يُعد مضيق باب المندب رابع أكبر الممرات المائية في العالم من حيث عدد براميل النفط التي تمر به يومياً، حيث يمر عبره نحو 3.8 ملايين برميل نفط يومياً، أي حوالي 6.7% من مجمل تجارة النفط العالمية، كما تمر من المضيق سنوياً أكثر من 21 ألف سفينة محملة بشتى أنواع البضائع تمثل 7% من الملاحة العالمية.
وتشير تقديرات أخرى إلى أن حصة البحر الأحمر وباب المندب تصل إلى ما بين 12 و15% من إجمالي التجارة العالمية، بالإضافة إلى كونه ممراً لنقل ما بين 6 إلى 8 ملايين برميل نفط يومياً يضاف إليها الغاز المسال .

في قلب هذا الفضاء يقف القرن الأفريقي باعتباره أحد أكثر الأقاليم حساسية في المعادلة البحرية الجديدة.
فموقعه الجغرافي يمنحه قدرة على التأثير المباشر في حركة الملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وهو ما جعله ساحة مفتوحة لتعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين.
القوى الكبرى تعزز حضورها العسكري والاقتصادي، والدول الإقليمية توسع شراكاتها الاستثمارية والأمنية، بينما تتحرك الدول المطلة على البحر الأحمر لحماية مصالحها المتزايدة الارتباط بهذا الممر الحيوي .

المساحة الرمادية في المعادلة غير مستقرة
وسط هذا التنافس، تبرز أرض الصومال كحالة سياسية خاصة في معادلة غير مستقرة.. فالإقليم الذي أعلن انفصاله من جانب واحد منذ مطلع التسعينيات، ورغم عدم حصوله على اعتراف دولي واسع، استطاع أن يفرض نفسه تدريجياً على أجندات بعض الفاعلين الدوليين، ليس فقط باعتباره ملفاً سياسياً معلقاً، بل بوصفه موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية على الضفة الأفريقية المقابلة لمدخل باب المندب.
هذا الوضع خلق مساحة رمادية تتقاطع فيها اعتبارات السيادة مع حسابات النفوذ، وتلتقي فيها السياسة مع الجغرافيا في منطقة شديدة الحساسية .
ووفقاً لتقارير استخباراتية وتحليلات متخصصة، فإن الوجود الإسرائيلي المتنامي في أرض الصومال يمثل تجسيداً لهذه المساحة الرمادية، حيث يتم بناء حضور سياسي وعسكري في منطقة تعتبر مفتاحاً استراتيجياً للبحر الأحمر، في غياب أي موقف عربي موحد أو إطار إقليمي ينظم هذا النوع من التحركات.

التحركات الإسرائيلية للسيطرة على الممرات البحرية
في هذا السياق، يمكن فهم التحركات الإسرائيلية تجاه القرن الأفريقي بوصفها جزءاً من إعادة صياغة أوسع لمفهوم الأمن البحري. فالبحر الأحمر بالنسبة لإسرائيل ليس مجرد طريق تجاري، بل امتداد مباشر لبيئتها الاستراتيجية المرتبطة بأمن الملاحة والتجارة والطاقة.
ومن ثم فإن بناء حضور سياسي أو اقتصادي أو أمني في الضفة الأفريقية من هذا الممر يندرج ضمن توجه عام يقوم على توسيع نطاق الحركة الاستراتيجية في بيئة إقليمية تتسم بقدر عالٍ من السيولة والتنافس .
غير أن هذه التحركات لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الأشمل للمنطقة، حيث يشهد القرن الأفريقي والبحر الأحمر حضوراً متزايداً لقوى دولية وإقليمية متعددة، لكل منها أدواته وأولوياته. فبعض القوى يركز على البعد العسكري، وأخرى على الاستثمار في الموانئ والبنية التحتية، فيما تعتمد أطراف ثالثة على مزيج من النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي والأمني . وفي ظل هذا التعدد، يصبح المشهد أقرب إلى نظام مفتوح من التفاعلات المتداخلة، لا يخضع لهيمنة طرف واحد بقدر ما يتشكل من توازنات متغيرة باستمرار.

المقاربة العربية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي
في المقابل، يكشف هذا المشهد عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المقاربة العربية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فرغم الوعي المتزايد بأهمية هذا الفضاء الحيوي، إلا أن هذا الإدراك لم يتحول بعد إلى رؤية استراتيجية موحدة ومستدامة. إذ ما تزال السياسات العربية في كثير من الأحيان تتعامل مع التطورات في المنطقة بوصفها ملفات منفصلة، لا بوصفها جزءاً من منظومة أمن إقليمي واحدة مترابطة .
وتزداد أهمية هذه الملاحظة عند النظر إلى الترابط العضوي بين ضفتي البحر الأحمر. فالأمن في قناة السويس يرتبط مباشرة بأمن باب المندب، واستقرار اليمن ينعكس على حركة الملاحة، كما أن أي تغير في موازين القوى في القرن الأفريقي ينعكس بدوره على كامل البنية الاستراتيجية للممر البحري. ومع ذلك، لا يزال هذا الترابط غير مترجم بالكامل إلى سياسات إقليمية شاملة قادرة على إدارة هذه المنظومة كوحدة واحدة .

تحولات جارية ومرحلة انتقالية عميقة
التحولات الجارية تشير بوضوح إلى أن البحر الأحمر لم يعد مجرد مسار ملاحي، بل أصبح مجالاً استراتيجياً متعدد الأبعاد تتقاطع فيه عناصر القوة التقليدية مع أدوات النفوذ الحديثة.
فالقواعد العسكرية لم تعد وحدها كافية لضبط التوازن، كما أن الاقتصاد وحده لا يصنع نفوذاً دائماً، بينما أصبحت الشراكات متعددة المستويات هي الأداة الأكثر تأثيراً في بناء الحضور طويل الأمد في هذا الفضاء المعقد .
وفي ضوء ذلك، يبدو البحر الأحمر اليوم أمام مرحلة انتقالية عميقة لم تكتمل ملامحها بعد. فهي مرحلة يعاد فيها تعريف مفهوم الأمن البحري، وإعادة رسم حدود التأثير بين القارات، وإعادة توزيع الأدوار بين القوى الإقليمية والدولية. وفي مثل هذه المراحل، تصبح القدرة على قراءة الاتجاهات المستقبلية أكثر أهمية من رصد الأحداث الجارية.
إن مستقبل هذا الممر الحيوي لن يتحدد فقط بميزان القوة الصلبة، بل بقدرة الفاعلين على بناء رؤى استراتيجية متماسكة تجمع بين الأمن والاقتصاد والسياسة في إطار واحد. فالجغرافيا تمنح الفرص، لكنها لا تصنع النفوذ وحدها، بينما يصنعه امتلاك القدرة على تحويل الموقع إلى سياسة، والسياسة إلى تأثير مستدام في نظام دولي يتغير بوتيرة متسارعة .

طباعة