تقارير

نفي الحصار السعودي .. بين تغير الخطاب وحقيقة 12 عاماً من العدوان والتدمير لليمن

الزيارات: 9

في مسار الصراعات الطويلة، لا تنتهي المواجهات بمجرد توقف العمليات العسكرية، بل تمتد آثارها في ميادين أخرى، أخطرها ميدان الخطاب السياسي ومحاولة إعادة كتابة الرواية التاريخية. وهذا بالضبط ما نشهده اليوم،

نفي الحصار السعودي .. بين تغير الخطاب وحقيقة 12 عاماً من العدوان والتدمير لليمن

بعد اثني عشر عاماً من الحرب على اليمن، حيث يخرج خطاب سعودي رسمي ينفي وصف تلك الإجراءات بالحصار، متجاهلاً واقعاً لا يزال شاخصاً في كل تفاصيل الحياة اليمنية.

د/ نجوى حسين الخزان *
السؤال الاستراتيجي ليس: هل كان هناك حصار أم لا؟ بل: لماذا الآن؟ ولماذا هذا النفي بعد كل هذه السنوات؟ وكيف يمكن إنكار واقع وثّقته التقارير الدولية وشهد به الملايين؟
فالحصار لم يكن مصطلحاً سياسياً، بل كان جوعاً يقتل أطفالاً، ودواءً يُمنع عن مرضى، وقنبلة تسقط على جسر أو مطار، وراتباً يتوقف لعائلة بأكملها، وكهرباء تنقطع عن مستشفى مكتظ بالجرحى. وهذا الواقع، مهما تغيرت الخطابات، يبقى الشاهد الأصدق على ما جرى.

أولاً: لماذا تغير الخطاب السعودي بشأن الحصار اليوم؟
إن تحول الخطاب السياسي للدول لا يحدث بمعزل عن السياق، بل يرتبط بتغير طبيعة المرحلة والملفات المطروحة. وبعد 12 عاماً من الحرب، لم تعد القضية مرتبطة بإدارة المعارك، بل بآثارها ونتائجها، وكيفية التعامل مع مرحلة ما بعد الصراع، وفي مقدمتها:
· ملف إعادة الإعمار الذي يتطلب تدفق استثمارات ضخمة ولا يمكن تمريره دون معالجة ملف الأضرار والمسؤولية.
· الملف الإنساني الذي يضع اليمن في صدارة الأزمات العالمية ويضغط على الرياض دولياً.
· ملف الاستقرار السياسي الذي يتطلب تفاوضاً مع أطراف اعتُبرت "خصوماً" لسنوات.
وفي مثل هذه المراحل، تصبح إعادة صياغة الماضي جزءاً من إدارة الحاضر، لكن تغيير الخطاب لا يغير الحقائق، وآثار الحرب باقية في كل ميدان.

ثانياً: الحصار جوّاً وبحراً وبرّاً.. أداة للسيطرة والهيمنة
لم يكن الحصار المفروض على اليمن مجرد إجراء عسكري مؤقت، بل كان أداة استراتيجية للسيطرة الكاملة على اليمن وشعبها، وفرض الهيمنة السياسية والاقتصادية، عبر قطع كل شرايين الحياة وإخضاع اليمنيين للجوع والمرض حتى يرضخوا للإرادة الخارجية.
فمنذ اللحظة الأولى للعدوان، أُغلقت المطارات والموانئ، وجُمدت الأرصدة المالية، وتوقفت التحويلات الخارجية، وتوقف صرف الرواتب، وقُصفت ناقلات الوقود والغذاء والدواء، ودُمّرت الجسور والطرق والبنية التحتية. لم يكن الهدف كسب معركة عسكرية، بل تدمير الدولة ومقومات الحياة، وإخضاع الشعب اليمني للإذلال والتبعية.

وإليكم الدليل الأوضح على استمرار هذا الحصار حتى اليوم:
الواقعة الأولى - 28 أبريل 2015: حاولت طائرة مدنية تابعة للهلال الأحمر الإيراني محملة بالغذاء والدواء الهبوط في مطار صنعاء لتخفيف معاناة اليمنيين، فقامت طائرات التحالف السعودي بقصف المطار وتدمير مدرجه وإشعال النار في طائرتين مدنيتين كانتا على أرض المطار. وقد أعلن المتحدث باسم التحالف آنذاك، العميد أحمد عسيري، أن قصف المطار جاء "بعد أن رفضت الطائرة الإيرانية التنسيق مع التحالف وتجاهلت أوامر العودة"، وهو اعتراف رسمي بأن المطار استُهدف لمنع وصول المساعدات الإنسانية، وليس لأسباب عسكرية.
وتكرر هذا القصف بعد أيام قليلة، حيث استُهدف المطار مجدداً في 6 مايو 2015 وأُحرقت طائرتان مدنيتان أخريان. وقد دفع هذا الهجوم المتكرر مسؤول الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن إلى إصدار بيان رسمي حث فيه التحالف على التوقف عن استهداف مطار صنعاء والحفاظ على شريان الحياة هذا.
الواقعة الثانية - 13 يوليو 2026 (هذا الشهر): في تأكيد جديد على استمرار الحصار الجوي، تعرض مطار صنعاء الدولي لقصف جديد، حيث استهدف القصف مدرج المطار بهدف منع طائرة مدنية من الهبوط، في مشهد يعيد إلى الأذهان قصف 2015. هذا القصف الذي حدث بعد 11 عاماً من الواقعة الأولى، يثبت أن مطار صنعاء لا يزال مستهدفاً، وأن سياسة منع وصول المساعدات الإنسانية جواً مستمرة حتى اليوم، وأن الحصار الجوي لم ينتهِ بإعلانات سياسية بل ما زال يمارس على أرض الواقع.
وقد حُرم أكثر من 50 ألف مريض سنوياً من السفر للعلاج الخارجي، بينهم آلاف من مرضى السرطان والأمراض المزمنة الذين وجدوا أنفسهم أمام موت محقق بسبب إغلاق المطار. ولم تقتصر المعاناة على المرضى، بل طالت آلاف الطلاب اليمنيين الدارسين في الخارج الذين تعطلت مسيرتهم التعليمية، إضافة إلى تعطل حركة التواصل الاقتصادي والاجتماعي لليمن مع العالم الخارجي.

ثالثاً: استهداف ناقلات النفط والغاز والمواد الغذائية والدواء
لم يقتصر الحصار على إغلاق المنافذ، بل طال استهداف سفن ومستلزمات الحياة في عرض البحر، حيث تعرضت ناقلات النفط والغاز والمواد الغذائية والأدوية للقصف الممنهج وهي في طريقها إلى اليمن، في مشهد أراد إيصال رسالة واضحة: أن كل ما يدخل إلى اليمن تحت سيطرتنا، ويمكن استهدافه في أي لحظة، وأن الشعب اليمني تحت رحمتنا.
أدى هذا الاستهداف إلى شحّ حاد في الوقود انعكس على انقطاع الكهرباء عن معظم المحافظات، وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية تجاوز 300 في المائة في بعض المواد، وأزمة دواء خانقة حيث تعذر وصول شحنات الأدوية والمستلزمات الطبية الحيوية، إضافة إلى تدمير البنية التحتية النفطية وفقدان اليمن مصدر دخله الرئيسي.

رابعاً: قصف الجسور والمطارات والبنية التحتية
تعرضت البنية التحتية اليمنية لحملة تدمير ممنهجة طالت كل شيء، من جسور ومطارات وموانئ إلى شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات. فقد تعرض مطار صنعاء لأكثر من 30 غارة جوية منذ 2015، ودُمر مطار الحديدة بشكل شبه كامل عام 2018، وتم تدمير أكثر من 25 جسراً حيوياً كان يربط المحافظات ببعضها، ما أدى إلى شل حركة النقل الداخلي وعزل مناطق بأكملها، كما تعرضت مئات الأبراج الكهربائية للقصف، ما أدى إلى انهيار شبه كامل لخدمة الكهرباء في معظم المحافظات..الإجابة الاستراتيجية واضحة: لإحكام الحصار على المواطن اليمني، ولجعل الحياة اليومية مستحيلة دون الخضوع سياسياً. فالمطار والميناء والجسر والكهرباء ليست مجرد منشآت، بل شرايين حياة. واستهدافها يعني استهداف الحياة نفسها، وإعلان أن اليمن لا يستحق الحياة إلا تحت الوصاية السعودية.

خامساً: الغذاء والدواء.. عندما يصبح الجوع سلاحاً للسيطرة
صنّفت الأمم المتحدة اليمن كأسوأ أزمة إنسانية في العالم، حيث تجاوز عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية 21 مليون يمني، أي نحو 80 في المائة من السكان. ويعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد، في حين صنّف أكثر من 5 ملايين شخص في دائرة المجاعة.
وفي القطاع الصحي، خرج أكثر من 50 في المائة من المستشفيات عن الخدمة، بينما وصل نقص الأدوية والمستلزمات الطبية إلى 70 في المائة في فترات الذروة..التقارير الأممية تؤكد: ما حدث في اليمن هو استخدام متعمد للجوع والمرض كسلاح حرب، عبر عرقلة وصول الغذاء والدواء للسكان المدنيين، بهدف إخضاعهم وإرغامهم على الرضوخ.

سادساً: الطاقة والكهرباء والاقتصاد والرواتب
تُعد الطاقة عنصراً أساسياً في استقرار المجتمعات، لكن الحصار على اليمن استهدف قطاع الطاقة بكل تفاصيله؛ من استهداف ناقلات الوقود في الموانئ وفي البحر، إلى قصف محطات الكهرباء وتدمير شبكات النقل والتوزيع. ونتيجة لذلك، يعاني اليمنيون من انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من 20 ساعة يومياً في أغلب المحافظات، ما تسبب في شلل تام للمستشفيات والمدارس والمصانع وتوقف محطات المياه عن العمل، إضافة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل جنوني.
أما الاقتصاد فقد دمّرته الحرب والحصار بالكامل، حيث انهارت العملة المحلية من 215 ريالاً للدولار إلى أكثر من 1800 ريال، وتجاوز التضخم 70 في المائة، بينما توقف صرف رواتب أكثر من مليون ونصف مليون موظف حكومي لسنوات طويلة، وانكمش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 60 في المائة، وتجاوزت نسبة الفقر 80 في المائة من السكان. وهذا هو الهدف الأعمق – إفقار الشعب اليمني، وتدمير قدرته على الصمود، وإجباره على التبعية والاستسلام.

سابعاً: التعليم والنزوح والآثار الاجتماعية
تدمير قطاع التعليم هو أخطر الآثار غير المرئية للحرب، لأنه يستهدف مستقبل الأمة بأكملها. فقد تجاوز عدد الأطفال خارج المدارس 4.5 مليون طفل، بينما دُمّرت أكثر من 2500 مدرسة، واستُخدمت أكثر من 1500 مدرسة لأغراض عسكرية. تحذير اليونيسيف: اليمن يخسر جيلاً كاملاً، وهذه كارثة استراتيجية تمتد لعقود قادمة.
أما النزوح، فقد تجاوز عدد النازحين داخلياً 4 ملايين شخص، فروا من القصف والجوع والفقر إلى مخيمات لا توفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة. وطالت الآثار النفسية ملايين الأطفال والنساء وكبار السن، وانهار التماسك الاجتماعي، وتحولت حياة الملايين إلى حالة من الترقب والخوف وعدم اليقين.

الخلاصة الاستراتيجية: الحصار أداة هيمنة لا مجرد إجراء عسكري
بعد هذه الجولة في حقائق الحرب وآثارها، نعود للسؤال الأساسي: كيف يمكن نفي حصار كان الهدف منه السيطرة الكاملة على اليمن وفرض الهيمنة السعودية، بينما لا يزال مطار صنعاء يُقصف في يوليو 2026 لمنع طائرة مدنية من الهبوط، كما قُصف في أبريل ومايو 2015 لنفس السبب؟

الحصار لم يكن مجرد إجراء عسكري، بل كان مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد يهدف إلى:
· تدمير الدولة اليمنية ومقوماتها
· إفقار الشعب اليمني وإخضاعه للجوع والمرض
· فرض الهيمنة السياسية والاقتصادية على اليمن
· إبقاء اليمن ضعيفاً تابعاً غير قادر على الاستقلال بقراره
· السيطرة على ثروات اليمن وموارده وفي مقدمتها النفط والغاز والموانئ الاستراتيجية
الإجابة الاستراتيجية تتلخص في أن الخطاب السياسي يتغير حسب مصالح المرحلة، لكن الحقائق لا تتغير. فالتقارير الدولية والأممية وثّقت كل هذه الوقائع، واليمنيون أنفسهم، الملايين منهم، عاشوا هذا الحصار بكل تفاصيله، وهم الشاهد الحي الذي لا يمكن إنكار شهادته. ومحاولة تغيير الرواية اليوم ليست أكثر من محاولة للتهرب من تبعات المسؤولية عن إعادة الإعمار، لكن الاعتراف بالحقيقة هو الخطوة الأولى نحو أي مصالحة أو تعافٍ حقيقي.

الخاتمة: شهادة الواقع لا تسقط بالتقادم
بعد 12 عاماً من الحصار والقصف والدمار، يحاول البعض اليوم نفي ما وثّقته عدسات الكاميرات وشهدت به التقارير الدولية. لكن الحقيقة أن آثار الحرب ليست مجرد كلمات في بيانات، بل جوع يعيشه طفل، ودواء يبحث عنه مريض، وكهرباء تنقطع عن مستشفى، وراتب توقف منذ سنوات، ومستقبل ضاع لجيل كامل. اليمن اليوم يحتاج اعترافاً بالحقيقة قبل أن يحتاج إعادة بناء. والواقع - مهما حاول البعض تغيير خطابه - يبقى الشاهد الأصدق على ما جرى، فاستقرار اليمن لا يرتبط فقط بوقف المواجهات، بل بقدرة جميع الأطراف على التعامل مع إرث المرحلة السابقة بصدق وواقعية، والاعتراف بأن الحقيقة وحدها هي أساس السلام، وأن اليمن ليس ملكاً لأحد، بل للشعب اليمني الذي يرفض الهيمنة والوصاية.
*دكتورة اقتصاد وعلوم سياسية

طباعة