مؤكداً أن الوقت قد حان للتخلي عن الولايات المتحدة كضامن أمني رئيسي. وأشار إلى أنه مع تحرك العالم نحو التعددية القطبية، ستصبح القوى المتوسطة أكثر أهمية، خاصة إذا تمكنت من تحرير نفسها من أهواء القوى العظمى.
وقال الموقع في تقريره الذي ترجمته صحيفة "اليمن" إن الحرب في إيران كشفت حدود نفوذ بعض أبرز القوى المتوسطة في الشؤون العالمية، والصعوبات التي تواجهها في التصدي لقوة عظمى متشددة. فمنذ فبراير/شباط، اضطرت دول الخليج العربي، التي تُعدّ من أغنى القوى المتوسطة وأكثرها نفوذاً في العالم، إلى مواجهة حقيقة مفادها أن ما تملكه من أموال ونفوذ دبلوماسي وعلاقات سياسية لم يكن كافياً لحمايتها من تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
وأكد الموقع أنه على مدى العقد الماضي، سعت دول الخليج إلى أن تصبح قوى متوسطة ذات استقلالية متزايدة، تمتلك حصصاً في التجارة والاستثمار العالميين، مع بقائها في الوقت نفسه جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة. وهذا يمثل معضلة حقيقية: فنموذجها الاقتصادي يعتمد على الاستقرار، بينما يعتمد نموذجها الأمني على قوة عظمى تميل بشكل متزايد إلى التصعيد.
وذكر الموقع الأمريكي أنه على مدى عقد من الزمان، سعت دول الخليج إلى تحديث صورتها واقتصاداتها. وأرادت التخلص من ذكريات "الربيع العربي"، حين كانت تُنظر إليها في كثير من الأحيان كجهات مزعزعة للاستقرار، وتقديم نفسها بدلاً من ذلك كدول منفتحة على الأعمال. بل وأرادت أكثر من ذلك تجاوز الصورة النمطية للخليج كملاذ لأنظمة ملكية نفطية ريعية. وقبل ستة أشهر، كان مستقبل دول الخليج كقوى متوسطة رئيسية في النظام الدولي الناشئ يبدو واعداً. أما الآن، وفي أعقاب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، فقد أصبح هذا المستقبل أقل أماناً بكثير.
وأفاد الموقع بأن الأضرار المادية قد لحقت بجميع الدول. وكان أبرزها الضربة الإيرانية على "رأس لفان"، منشأة قطر الرئيسية لمعالجة وتصدير الغاز، والتي فقدت نحو 15% من طاقتها الإنتاجية، ولن تُرمم بالكامل قبل ثلاث إلى خمس سنوات. وعلى الصعيد الاقتصادي، تكبدت جميع الدول الإقليمية الرئيسية المصدرة للطاقة خسائر في الإيرادات، واضطرت إلى وقف الإنتاج، ما أدى فعلياً إلى توقف تدفق النفط والغاز المخصص للتصدير. وتفاقمت الخسائر بسبب إغلاق العديد من مراكز النقل في المنطقة. فعلى سبيل المثال، أُلغيت أكثر من 6000 رحلة جوية عبر الشرق الأوسط في الأيام الأولى للحرب، وتشير التوقعات إلى أن الدول المعنية خسرت ما يصل إلى 30 مليار دولار من عائدات السياحة.
وأوضح الموقع أن الحرب خلفت تكاليف اقتصادية باهظة في جميع أنحاء المنطقة. ففي أبريل/نيسان، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي في المنطقة بأكملها، بما في ذلك انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 8.6% في قطر. وتشير إحدى التقديرات إلى أن إصلاح منشآت الطاقة في الخليج سيكلّف نحو 60 مليار دولار. وتسعى الدول بشكل متزايد إلى إيجاد سبل لحماية اقتصاداتها من إغلاق المضيق في المستقبل، سواءً من خلال بناء خطوط أنابيب بديلة باهظة الثمن أو الاستثمار في مرافق موانئ جديدة.
وأضاف أن الحرب مع إيران أظهرت كيف يمكن أن تتحول الضمانات الأمنية الأمريكية إلى عبء على هذه الدول. فقد تعرّضت جميع دول مجلس التعاون الخليجي - بما فيها تلك التي سعت إلى منع الصراع عبر الوساطة - للهجوم. وتكبّدت قطر والكويت والإمارات أضراراً في بنيتها التحتية المدنية، وليس فقط استهداف القواعد الأمريكية على أراضيها. كما أظهرت الحرب أن واشنطن تولي اهتماماً واضحاً لبعض الحلفاء الإقليميين أكثر من غيرهم. وخلال الحرب، خصّص الجيش الأمريكي عدداً أكبر بكثير من موارده لحماية إسرائيل مقارنةً بحماية دول الخليج.
وتساءل الموقع: إذا كانت الضمانات الأمنية من واشنطن تنطوي على مخاطر تفوق فوائدها، فلماذا السعي إليها؟ ومع ذلك، قد تظل الصين شريكاً اقتصادياً لا غنى عنه، لكنها لم تُبدِ أي رغبة في تولي الدور الأمني للولايات المتحدة في المنطقة. وربما كشفت الحرب مع إيران عن أوجه القصور في النموذج الحالي الذي تقوده واشنطن، لكن لا يوجد بديل واضح مطروح.
وأكد الموقع أن دول مجلس التعاون الخليجي تسير في اتجاهات مختلفة. فالسعودية وقطر تدرسان فكرة اتفاق إقليمي مع إيران، وهو حلٌّ من شأنه أن يخفف من احتمالية تجدد الحرب، حتى وإن كان له تبعات جيوسياسية. أما السعودية، فتعمل على تعزيز علاقاتها القائمة مع تركيا وباكستان، وتتجه نحو دول إقليمية متوسطة الحجم تفتقر إلى نفوذ القوى العظمى. وفي المقابل، تقترب الإمارات من إسرائيل، معتمدةً على فكرة إمكانية الخروج من هذا المأزق بالقوة.
وبالنسبة لصناع السياسة الأمريكيين، ستحتاج العلاقة الأمريكية مع دول الخليج إلى إعادة تقييم بعد الحرب، وليس فقط من خلال بنود السلام التي سيتم توقيعها في نهاية المطاف. ومن غير المرجح أن تطالب دول الخليج واشنطن بسحب قواتها، ولكن من غير المرجح أيضاً أن تتحمل تكاليف إعادة بناء القواعد الأمريكية أو مقابل التنازلات المقدمة لطهران. ومع الأزمة المالية التي خلفتها الحرب، من المرجح أيضاً أن نشهد انخفاضاً في استثمارات دول الخليج في طفرة الذكاء الاصطناعي الأمريكية، وتراجعاً كبيراً في التمويل غير المشروط لمشاريع البيت الأبيض المفضلة. ومن المرجح أن تكتشف إدارة ترامب قريباً أن قادة الخليج لا يرغبون في أن يكونوا مصدراً للتمويل لإصلاح أضرار لم يتسببوا بها.
وختم الموقع تقريره بالقول: النتيجة المرجحة ليست قطيعة جذرية مع واشنطن، بل سلسلة من التعديلات التدريجية الهادئة. ستشتري دول الخليج تقنيات جديدة وأنظمة أسلحة لحماية سكانها وبنيتها التحتية، وستحاول تعديل سياسات الرئيس الأمريكي، وستسعى لإيجاد حل إقليمي عملي يوقف اندلاع المزيد من أعمال العنف. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يتراجع نفوذ واشنطن بمرور الوقت، وقد لا يكون ذلك أمراً سيئاً لأي من الجانبين.