فإذا انتقلنا من هذا القياس الشكلي إلى القياس "العملي" المتمثل في الناتج المحلي الإجمالي على أساس تعادل القوة الشرائية وحجم الإنتاج الفعلي، تتسيد الصين المشهد العالمي بقيمة تصل إلى 41 تريليون دولار، تاركة الولايات المتحدة خلفها بـ 31 تريليون دولار فقط.
متابعات | متابعات :
تتجلى هذه الحقيقة في أرقام لا تكذب؛ فالصين اليوم هي مصنع العالم بامتياز. إذا نظرنا إلى لغة الإنتاج الفعلي، نجد فجوات هائلة تؤكد هذا التحول؛ إذ تستعد الصين لإنتاج 35 مليون سيارة في عام 2025 مقابل 10 ملايين للولايات المتحدة، وتنتج 960 مليون طن من الصلب مقابل 82 مليوناً فقط لأمريكا، ناهيك عن الفارق المهول في إنتاج الإسمنت الذي يعكس طفرة عمرانية لا تتوقف. هذا الثقل الصناعي يفسر ببساطة كيف استحوذت بكين على نحو 60% من سوق الشحن العالمي، مقابل نسبة لا تكاد تذكر للولايات المتحدة تقارب 0.1%. ولا يتوقف الأمر هنا، بل يمتد لقطاع الطاقة المحرك لكل هذا الإنتاج، حيث تنتج الصين نحو 33% من الكهرباء العالمية بقاعدة طاقة تقارب 3890 جيجاوات، أي قرابة ثلاثة أضعاف القدرة الأمريكية.
هذا التفوق الإنتاجي الهائل تُرجم بشكل مباشر إلى نفوذ مالي وجيوسياسي ناعم وفعال على المستوى الدولي. ففي حين تعتمد الولايات المتحدة على ميزانية عسكرية فلكية تقارب التريليون دولار سنوياً للحفاظ على هيمنتها عبر الترهيب والابتزاز، تتبنى الصين مقاربة مختلفة جذرياً. لقد تحولت بكين إلى الشريك التنموي الأول لقارات بأكملها في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وضخت استثمارات ضخمة في البنى التحتية، مما يسلط الضوء على تراجع الدور التنموي الأمريكي الذي يبدو "بخيلاً" في دعم حلفائه مقارنة بالسخاء الاستثماري الصيني الرامي إلى ربط العالم بشرايين تجارية جديدة.
كمراقب لشؤون الشرق الأوسط والسياسات الدولية، أرى أن هذا التحول الجذري في موازين القوى الاقتصادية هو المحرك الخفي لكثير من الصراعات التي تعصف بمنطقتنا ومناطق أخرى حول العالم. فالإدارات الأمريكية المتعاقبة، وتحديداً نهج الإدارة الترامبية، تدرك تماماً أن تفوقها بات مهدداً، مما دفعها للانتقال من المنافسة المشروعة إلى محاولة خنق سلاسل الإمداد الصينية بأي ثمن. هذا يفسر بوضوح سياسة الضغط الأقصى وافتعال الأزمات تجاه دول مثل فنزويلا وإيران، اللتين تمثلان مصادر طاقة حيوية للمارد الصيني. بل إن استمرار التوترات وعدم السعي الجاد لحل أزمة أمن الملاحة في مضيق هرمز - رغم ارتداداتها السلبية على الاقتصاد الأمريكي بحد ذاته - لا يمكن قراءته إلا في سياق استراتيجية واشنطن الرامية إلى إبقاء سيف القلق مسلطاً على عنق قطاع الطاقة الصيني وإبطاء عجلة إنتاجه.
نحن أمام مشهد عالمي قيد التشكل، تتراجع فيه أدوات الهيمنة العسكرية التقليدية لصالح القوة الإنتاجية والتنموية. التحدي الحقيقي للولايات المتحدة اليوم ليس في استعراض القوة وإشعال بؤر التوتر، بل في مواجهة حقيقة أن الصين لم تعد مجرد منافس، بل أصبحت المحرك الفعلي للاقتصاد العالمي، وهو واقع ستستمر ارتداداته في إعادة تشكيل التحالفات والسياسات، لا سيما في منطقتنا العربية التي تجد نفسها دائماً في قلب هذه التجاذبات الكبرى.