فالمشروع الذي حظي، عند إطلاقه، بتغطية مكثفة وتحليلات على مدار الساعة، انتهى بصمتٍ شبه تام، وكأن فشله لا يستحق الوقوف عنده أو تفكيك أسبابه.
ارتهان واضح للسردية الأمريكية
هذا التباين الصارخ لا يمكن قراءته بمعزل عن ارتهان شريحة واسعة من الإعلام العربي لـ السردية الأميركية، حيث يتم تضخيم ما يخدم هذه السردية، وتجاهل أو تقزيم ما يناقضها، ولو كان الإعلام يتعامل بموضوعية ومهنية وحرية، لكان خبر كهذا في صدارة التغطية، باعتباره مؤشرًا واضحًا على فشل الولايات المتحدة في فرض إرادتها بالقوة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وعلى قدرة إيران في المقابل على فرض معادلات ردع جديدة.
منذ بداية التصعيد، تبنّت العديد من القنوات العربية الرواية الأمريكية بشكل شبه كامل، بدءًا من الحديث عن “حرب حاسمة” تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني وتفكيك الدولة، ثم الانتقال إلى أهداف أقل سقفًا كالقضاء على البرنامجين النـووي و الصاروخي.
فشل وإخفاق سياسي وإعلامي متكرر
ومع كل محطة فشل، كانت الأهداف تُعاد صياغتها، دون أن يصاحب ذلك مراجعة إعلامية حقيقية أو مساءلة للخطاب السابق.
حتى ما سُمّي (بحرب الإثني عشر يومًا)، التي رُوّج لها على أنها ضربة قاصمة، انتهت بإعلان أمريكي عن تحقيق الأهداف، في حين أن الوقائع على الأرض لم تؤكد ذلك.
ومع تكرار الإخفاق، انتقلت السردية إلى هدف جديد: "فتح مضيق هرمز"، رغم أنه لم يكن مغلقًا أصلًا، ولم يشكّل أزمة قبل الحرب.
وهنا أيضًا، جرى تسويق المشروع باعتباره تحولًا استراتيجيًا، قبل أن يتبيّن فشله عبر وسائل متعددة، من الضغوط الاقتصادية إلى التهديدات العسكرية، وصولًا إلى "مشروع طريق الحرية" الذي لم يصمد سوى أقل من 48 ساعة.
تجاهل للحقيقة ومحاولة صرف للأنظار
لكن بدلًا من تحليل هذا الفشل وتقديمه للمشاهد بوصفه تطورًا مفصليًا، اختارت القنوات ذاتها تحويل الأنظار سريعًا إلى ملفات أخرى، كـ لبنان وغزة، مع تمرير خبر الإيقاف بشكل عابر، وربطه بتصريحات ترامب حول "إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران".
وهنا تتجلى خطورة تبنّي السردية الأمريكية، حيث يُعاد تفسير الفشل على أنه خطوة تكتيكية في سياق تفاوضي، لا نتيجة عجز ميداني.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يتجاهل السياق الأوسع، بما في ذلك الجهود الدبلوماسية التي كانت تُبذل بالفعل من أطراف إقليمية، كـ الدور الباكستاني في محاولة التوصل إلى تفاهم بين واشنطن و طهران، ما يعني أن تعليق المشروع لا يرتبط بجديد تفاوضي، بل بإخفاق واضح في تحقيق أهدافه.
ورغم أن استمرار هذا النهج الإعلامي لا يقتصر ضرره على تشويه فهم الجمهور للأحداث، بل يساهم في ترسيخ صورة زائفة عن موازين القوى، ويمنع أي قراءة نقدية حقيقية للتحولات الجارية..
تبقى الحقيقة التي يحاول البعض القفز عليها هي حقيقة أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري والتقني والمالي والسياسي، واجهت حدود قوتها في هذه المعركة، وأن إيران نجحت في إحراجها مرارًا، وفرضت معادلات ردع جديدة تستحق الدراسة.