تقارير

لماذا يُقاتل السيسي من أجل الإمارات ويتخلى عن النيل وغزة ؟!

الزيارات: 154

بينما كانت الأنظار تتجه إلى غزة التي تئن تحت أطنان القصف والجوع، وإلى النيل المصري الذي يترنح تحت وطأة سد النهضة الإثيوبي، فاجأ الرئيس عبدالفتاح السيسي المصريين بقرار -وُصف في الأوساط السياسية والعسكرية - بأنه “الأكثر إثارة للجدل منذ عقد”،

لماذا يُقاتل السيسي من أجل الإمارات ويتخلى عن النيل وغزة ؟!

فقد كشفت مصادر دبلوماسية مطلعة- أكدتها متابعات حركة الطيران العسكري- عن نشر مفرزة قتالية كبيرة من القوات الجوية المصرية داخل الأراضي الإماراتية، للمشاركة في التصدي للهجمات الإيرانية ضمن الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى.. تفاصيل :

د/ نجوى حسين الخزان *
هذا التحرك، الذي يتم بصمت رسمي مصري مطبق، لم يثر فقط حفيظة طهران التي هدّدت مباشرة بإغلاق باب المندب وضرب المصالح المصرية، بل أحدث – وهو الأهم – صدمة واستياءً عارماً داخل الشارع المصري والوسط السياسي والنقابي، الذي تساءل بصوت عالٍ: لماذا يُقدِم السيسي على إرسال أبناء الجيش المصري – أغلى ما يملك المصريون – لحماية الإمارات، بينما يترك غزة تموت على مرمى حجر من حدوده، ويسمح لإثيوبيا بالعبث بحصة مصر المائية دون أي ردع حقيقي؟

أولاً: الصدمة السياسية والشعبية الغير مسبوقة
على غير العادة في بلد يُعتبر فيه النقد العلني للقرارات السيادية خطاً أحمرا، خرجت أصوات سياسية ونقابية وإعلامية مصرية بتصريحات لاذعة، عبّرت عن “حالة من الغضب والصدمة” اجتاحت القاهرة والمحافظات.
ففي بيان داخلي موجه للمجلس القومي لحقوق الإنسان، وصفت تنسيقية شباب الأحزاب المصرية (التي تضم أحزاباً من جميع التيارات تقريباً) القرار بأنه ”انتحار سياسي ومعنوي” ، وقالت: “إن الشعب المصري يتساءل بحق: لماذا يُضحّى بدماء الطيارين المصريين وأموال دافعي الضرائب لحماية أبوظبي، في الوقت الذي تهرّب الإمارات أموالها إلى السودان وتدعم مليشيات الدعم السريع ضد الجيش السوداني الشقيق؟ والأهم من ذلك: لماذا لا نحمي غزة التي تبعد 40 كيلومتراً فقط عن أراضينا؟ ”.
أما نقابة المحامين المصرية، فأصدرت بياناً لاذع اللهجة وصفة فيه القرار بأنه “تضحية كبرى بدماء المصريين في حروب ليست حروبهم”، داعية إلى “كشف حقيقة الاتفاقيات العسكرية المصرية – الإماراتية”.
بالمقابل، عبّر محللون سياسيون مثل الدكتور خالد فهمي (أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة)، في تصريحات لقنوات معارضة في الخارج، عن اعتقاده بأن هذا القرار يمثل ”أكبر أزمة شرعية يواجهها النظام منذ 2013” ، مضيفاً: بأن “السيسي يحوّل الجيش المصري إلى ما يشبه قوة مرتزقة بأجر، وهذا يضعف الردع الحقيقي لمصر ويجعلها هدفاً سهلاً لابتزاز إيران”.

ثانياً: أين الجيش المصري من غزة وسد النهضة؟
هذا هو السؤال الذي يتردد الآن في كل مجلس مصري، وفي كل منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، بل وفي صالونات النخبة السياسية، فبينما تهرع القيادة السياسية لإرسال الطائرات والجنود إلى الإمارات، يظل معبر رفح مغلقاً أو شبه مغلق أمام المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، ويظل الجيش المصري يجلس متفرجاً على آلاف الشهداء والجرحى من الفلسطينيين الذين تربطهم بمصر أواصر الدين والاخوة والدم والجوار.
بل الأكثر إيلاماً من ذلك كله أن إيران نفسها – التي أصبحت طرفاً في الحرب – استغلت هذه المفارقة في خطابها التصعيدي، عندما قال خبير عسكري إيراني (في تصريحات أعادتها وسائل إعلام إيرانية وعربية): ”غزة على مرمى حجر من مصر ولم يتحرك الجيش المصري لإنقاذها، وإثيوبيا حجزت مياه النيل ولم يتحرك الجيش المصري لحماية مياه نهر النيل، لكنه يرسل جيشاً لحماية الإمارات والقواعد الأمريكية مقابل الفتات من المال”، هذا الخطاب الإيراني، رغم كونه موجهاً لمصلحة طهران، إلا أنه نجح في استهداف نقطة حساسة للغاية في الوجدان المصري:" أين كرامة الجيش الذي كان يشاع على أنه “درع الأمة العربية”؟
لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن إيران، بل بفضح التناقض الصارخ في السلوك المصري بالتطبيع الكامل مع إسرائيل في غزة عبر التنسيق الأمني وعبور البضائع، وصمته المطبق على انتهاكاتها، بينما نجد انخراط عسكري كامل في حرب الخليج دفاعاً عن مصالح لا تربطها بمصر سوى صفقات بيع وشراء.

ثالثاً: التهديد الإيراني للقناة.. مَن وضع مصر في مرمى النار؟
لا يمكن قراءة التهديد الإيراني بإغلاق باب المندب واستهداف السد العالي إلا كرد فعل مباشر على الوجود العسكري المصري في الإمارات، فإيران تعرف أن نقطة ضعف مصر الحقيقية هي قناة السويس التي تمثل شريان الاقتصاد الوطني، ومصدراً رئيسياً للعملة الصعبة، ولذلك لم تتردد في تحذير القاهرة بأن أي تورط في حربها سيكون ثمنه المساس بهذا الشريان.
ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح بقوة.. مَن الذي أوصل مصر إلى هذا المأزق؟ الجواب: قرار سياسي غير واعٍ من الرئيس السيسي، بدلاً من تبني سياسة “الحياد الإيجابي” التي طالما نادى بها خبراء استراتيجيون مصريون، اختار السيسي الانحياز الكامل لمحور الإمارات – أمريكا – إسرائيل، مقابل حزم إنقاذ مالية وحزمة استثمارات (منها صفقة رأس الحكمة) التي جعلت مصر أشبه بـ”تابع” وليس شريكاً متكافئاً.
النتيجة: مصر مهددة الآن بفقدان إيرادات القناة، ومهددة باستهداف سدها العالي – أي بأمنها المائي والغذائي – في حرب ليس لها فيها أي مصلحة مباشرة، ولم تطلب منها أي جهة دولية المشاركة فيها، إنها سياسة المقامرة بالسيادة الوطنية من أجل حفنة من الدولارات.

رابعاً: “خرّيج جزيرة إبستين” يشعل الغضب مجدداً
في تطور آخر يمس الصورة الشخصية للرئيس، عادت إشارات “جزيرة إبستين” إلى الواجهة بقوة، حيث ربط متابعون بين القرار العسكري المثير للجدل وبين التسريبات التي ربطت اسم السيسي بجيفري إبستين، في وثائق قضائية تم تداولها عام 2024. ويقول مراقبون إن هذه الإشارات، التي كانت تهمس بها المعارضة في الخفاء، أصبحت الآن تُطلق علناً على منصات التواصل الاجتماعي وبعض القنوات المعارضة بالخارج، في دلالة على أن “هيبة الرئيس” قد اهتزت بشكل غير مسبوق.
ففي تدوينة شديدة اللهجة انتشرت كالنار في الهشيم، كتب أحد المحللين السياسيين المقربين من دوائر صنع القرار سابقاً (فضل عدم ذكر اسمه) قائلا: ”السيسي خرّيج جزيرة إبستين يوّرط مصر في حرب ليس لها فيها لا ناقة ولا جمل، بينما أوروبا تضررت مصالحها من الحرب ولم تحرك جيوشها، إنها سقطة مدوية للجيش المصري والقيادة السياسية الذين انجرّوا وراء من أوقعهم في مستنقع العمالة والعار”.

خامساً: ما العمل؟ مصر بين مطرقة إيران وسندان الشعب
إذا كان النظام المصري يظن أن أموال الإمارات والسعودية ستشتري هدوء الشارع المصري، فهو واهم، فالشارع المصري الذي صبر سنوات على الغلاء والتضخم والتضييق على الحريات، لن يهضم بسهولة أن يُزج بأبنائه في حرب إقليمية كـ”مرتزقة”، بينما تُترك قضاياه الوجودية (غزة، فلسطين، النيل)لتُحسم دون وجود مصري فاعل.
إن الرسالة التي يجب أن تصل بوضوح إلى القصر الرئاسي الآن هي: إما استعادة الدور الإقليمي المستقل لمصر، القائم على حماية الأمن القومي المصري أولاً (النيل، سيناء، غزة، القناة)، وإما الاستمرار في سياسة “الدور الخدمي” الذي يحوّل الجيش إلى شركة حراسة خاصة VIP، مع كل ما يترتب على ذلك من تهديدات وجودية وارتدادات شعبية لن ترحم أحداً.

خاتمة: كرامة الجيش المصري ليست للبيع
لطالما افتخر المصريون بأن جيشهم هو “السياج الحامي”، وصمام الأمان في وجه كل المخاطر، لكن ما حدث اليوم يهدد هذه الصورة المقدسة، فالجيش المصري لم يُخلَق ليحرس أموال الخليج أو قواعد أمريكا، بل ليحمي تراب مصر ومائها وأهلها وقضيتها المركزية فلسطين.
فقرار إرسال التعزيزات العسكرية للإمارات – في صمت ودون نقاش مجتمعي – هو قرار سيسجل في كتب التاريخ كواحدة من أكثر اللحظات إحراجاً في العلاقة بين الجيش والشعب، أما التهديدات الإيرانية للقناة والسد العالي، فهي ليست انتصاراً لإيران، بل هي فاتورة التبعية والانحياز التي يدفعها الأبرياء من أبناء الشعب المصري.
ويبقى السؤال الأكثر إيلاماً يتردد في قلوب الملايين: لماذا أبناء الشعب المصري من الجيش(جنود وطيارون) يموتون من أجل أبوظبي، بينما أطفال غزة يموتون أمام أعيننا دون أن يحرك جيش مصر ساكن، والذي كان في يوم من الايام فارس الأمة العربية؟

* دكتوراه اقتصاد وعلوم سياسية

طباعة