لكن السياق الأهم هو التركيز على محركات الحرب لمعرفة إلى أين ستذهب الأحداث وأين تقف المنطقة اليوم وحتى لا تضيع حقائق الخطر الحقيقي في هوامش التفاصيل والسرديات المضللة والدراما السياسية التي تبيع الوهم و تحاكي في خداعها ألعاب خفة اليد وعليها يراهن العدو لحرف الأنظار وتضليل الوعي.
والبداية بتساؤلات هي الاستحقاق لمفتاح الواقعية والبصرية الاستراتيجية: هل الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران تقودها أطماع (مصالح استراتيجية) أمريكية تمتلك السيطرة على مسار الأحداث فيما لو تحقق لهم الغلبة لإعادة تشكيل إيران والمنطقة بما يخدم هيمنة أمريكا على العالم؟ أم تقودها صفقات ابتزاز صهيوني وتسيطر على حسابات الخندق الصهيوأمريكي أطماع خرافات إسرائيل الكبرى؟! تفاصيل في السياق التالي :
تحليل / حميد القطواني
صحيح أن العدوان على إيران يحقق للأمريكي هدفين وضرب عصفورين بحجر واحد تدمير إيران وخنق الصين بالتحكم في شريان استراتيجي يمدها بالطاقة بما يخدم سياسة الإخضاع والاحتواء والتحجيم، وفي هذا السياق تتقاطع معه مصلحة إسرائيلية بتدمير خصم إقليمي وهذا ما يحاول البعض ترويجه اليوم للتغطية على انكشاف حقيقة أن الحرب شنت بحسابات وتوقيت نتياهو حصراً وقصرا عبر صفقات ابتزاز وإخضاع لصانع القرار في المؤسسة الأمريكية في لحظة قاتلة لرأس أمريكا المفخخ بالأزمات والمعزول عن العالم الذي بات مطلوبا للجميع.
تساؤلات جماعية
وما يؤكد ذلك تساؤلات جماعية .. لماذا تجاهل ترمب التنسيق مع الحلفاء في شرق آسيا وأوروبا الذين يصطفون خلف أمريكا في مواجهة الصين خاصة في ساحة إيران التي تمثل نقطة بالغة الحساسية في تموضعها بالنسبة للشرق أمنيا واستراتيجيا وتعتبر بوابة جيوسياسيا سور الصين العظيم بمعنى احتمال التصادم المباشر معها في مستوى عال وبالغ الخطورة؟
بل وأن المقامرة الترمبية المباغته للحلفاء قبل الأعداء عرض مصالح حلفاء أمريكا للخطر في شكل صدمة وزلزال مفاجئ أنتج أضرارا استراتيجية اقتصاديا وسياسيا عنيفة حتى دون إشعار بساعة الصفر لاحتواء الصدمة ؟
وهذا حال الدول الخليجية التي استثمرت في حروب نتياهو ماليا وفتحت أراضيها لتكون منصة متقدمة للحرب التي جعلتها تحت مطرقة الرد المدمر وعرضها لخسائر كارثية هي كذلك لم يتم حتى إشعارها بساعة الصفر للاستعداد واستيعاب وامتصاص الصدمة وهذا يكشف عن منظور مشعل الحرب الصهيونية الذي يحتقر ويزدري دول الخليج حكاما وشعوبا وينظر لها كقطيع قرابين رخصية وحقيرة.
حسابات وتصورات اليوم التالي
كما تبدى أن المستفيد الوحيد من إقصاء حلفاء أمريكا في أوروبا وشرق آسيا ودول الخليج التي شكلت الوقود وكبش المحرقة من المشاركة في رسم حسابات الحرب وإدارة آليات وتصورات اليوم التالي لما بعد الحرب، الذي يعني حصر الأمر بيد نتياهو وترمب وبما أن الأخير أسير صفقات ابتزاز داخلي ويخوض الحرب بمنطق تقديم القرابين، ومن حوله إدارة من الخاضعين للابتزاز وأذرع الموساد والمتطرفين في اعتناق خرافة إسرائيل الكبرى ولاءهم لترمب مرتبط باستمرار خدمة أطماع تلك الخرافة يعني أن أمر الحرب وماذا بعد محصور بيد نتياهو وكيانه النازي وهو الطرف المستفيد من سياسة ترمب التي عزلت أمريكا عن حلفائها من كندا إلى أوروبا وشرق آسيا ودمرت كل جسور الثقة والتواصل وجعلت منهم أعداء وأهدافا لحروبه الاقتصادية والسياسية وحتى الأمنية والأمر وفق تهديداته مرشح لمواجهة عسكرية مباشرة مع بعض حلفاء أمريكا.
حيث لم يتبق في أمريكا من هياكل النفوذ الخارجي غير النفوذ المرتبط بالكيان الصهيوني تتفرد بالهيمنة والاستحواذ ومصادرة القرار على حساب مصالح حلفاء أمريكا.
وهذا يكشف لمن يراهن على أن أمريكا تقود استراتيجية أمريكية ستمنح عروشهم حصانة من واقع الاحتياج المستدام فمن يتابع التوجه الأمريكي في خلق مسار بديل لمصادر الطاقة في غرب آسيا والمنطقة الخليجية سيعرف على من الدور القادم بعد إيران.
ولذا الأمر يستوجب على من يسثتمر في حروب نتياهو وترمب ويرهن مصير عروشهم واستقرار ممالكهم ومصير شعوبهم إن كانت تعني لهم شيئا إعادة النظر في حساباتهم ويبحثوا من الآن عن مخارج باستغلال فرصة القفز الآمن من قوارب أمريكا الغارقة في لحظة انفتاح على التعايش والتصالح والشراكة في إدارة تشكيل المنطقة بإرادة عربية إسلامية تمنح الجميع فرص عادلة في تحقيق التطلعات والطموحات المشروعة.
الإجابة على هذه التسألات لم تعد محل لبس بل صارت حقائق أنتجت توجها سياسيا يتبناه السواد الأعظم من المجتمعات الأمريكية والغربية والأممية.
معارك المثالية ووهم التسويات الزائفة
ولتوضيح الصورة أكثر لمن يراهن على وهم التسويات ويخوض معارك المثالية الزائفة أو ما يعرف بسياسة الاعتدال التي لم تكن إلا غطاء لتمرير الاختراقات وسوء التقديرات الكارثية، من المعروف الذي بات جليا أن الحرب على إيران شنت بتوقيت يخدم أطماع إسرائيل الكبرى ويقدم رأس ترمب وأمريكا قربان في توقيت قاتل لرأس ترمب ورأس أمريكا المطلوب للجميع.
وصحيح أن إيران تشكل خصماً إقليمياً لكنها خصم قابل للاحتواء إذا ما تم الإقرار بحقوقها السيادية والتعامل معها بانفتاح منصف للمصالح وهذا التوجه مجرب ومشكلة أمريكا أمام حل الصراع مع إيران هي شعوب المنطقة، وتحويل العلاقة إلى تعايش وشراكة تمنح أمريكا ميزة الرسوخ الاستراتيجي في المنطقة ومنع خروج الوضع عن السيطرة لصالح خصومها الأقطاب الدولية الجديدة هي أنها لا ترى ولن ترى إلا من عيون إسرائيل لأنها خاضعة لقيود تجعلها تقدم مصالح وحسابات الكيان الصهيوني بسقف خارج إطار التقاطعات بين الحلفاء على الحسابات الأمريكية كما جرت التجارب طيلة عقود، لم تنجح أي استراتيجية أمريكية تتعلق بالمصالح الأمريكية الذاتية وتلبي السقف المعقول للكيان الصهيوني في المنطقة مما حول المنطقة إلى رمال متحركة بالأزمات وبيئة رفض تشعر بالتهديد الوجودي المستدام من وجود أمريكا ما أنتج واقعاً أغرق أمريكا في دوامة استنزاف وأزمات وصراعات عدمية منح القوى الدولية الطامحة فرصة النهوض والانفكاك من قيود الهيمنة والسيطرة الأمريكية والغربية التي كانت شبه مطلقة وبأدوات مباشرة وناعمة.
كما تؤكد الحروب الثلاث الانتحارية على إيران أن أمريكا فقدت السيطرة كليا على قرارها وحساباتها وتم تفكيك استراتيجياتها وتحالفاتها ويتم اليوم إغراقها في مستنقع الحروب كقربان لخرافات النازية الصهيونية وأطماعها العنصرية والتوسعية .
بالتوازي مع مسار داخلي مدمر يفكك المؤسسات ويحول منظومة الحكم المدنية والعسكرية والأمنية إلى عصابات متطرفة تدين بالولاء للترمبية وخرافات إسرائيل الكبرى.
وهذا بحد ذاته يرسم صورة لوضع أمريكي محتقن وتحضير لسيناريو مدمر في نفق مظلم ينتظر شرارة الانفجار والدمار الذاتي التي ربما قد تكون أقرب مما يتوقع الكثير خاصة أمام انتخابات نصفية ستحدث انقلاب في التوازنات وربما تقدم للمجتمع الأمريكي الأمل وفرص التغيير عبر المؤسسات الدستورية.
وهذا يعني خلق واقع سقوط الترمبية بالضربة القاضية بالعزل أو أقله الملاحقة والتعطيل والتكبيل لسياساته الداخلية والتي تراها الترمبية معركة مصيرية وهذه النتيجة ستجعل ترمب يهرب إلى ذريعة تزوير الانتخابات كما حصل سابقاً لإشعال المواجهة الداخلية ولكن هذه المرة بسيطرة أكبر على المؤسسات العسكرية والأمنية لاستخدامها في قمع وإخضاع السلطات المحلية والمجتمعات في الولايات الديمقراطية وأي ولاية يصنفها بالمتمردة.
إلى جانب مليشيات وعصابات مسلحة متطرفة ازدهرت وانتشرت في فترتي حكمه لتكون رأس الحربة في ممارسة الإرهاب على المجتمعات الأمريكية في الولايات التي يحكمها حزبه لمنع خروج الوضع عن السيطرة فيها.
وفي الحالة الأخرى لنتيجة الانتخابات النصفية وتمكن ترمب من السيطرة على نتائجها بأي وسيلة فهذا سيعني نهاية ثقة المجتمعات الأمريكية التي ضاقت ذرعاً من السياسات الترمبية المتطرفة والمدمرة في المؤسسات الدستورية والنخب الحزبية ولن يبقى لها إلا الشارع لإشعال ثورة كمسار إجباري في مواجهة واقع يذهب باتجاه ترسيخ الاستبداد والعنصرية والدمار الذاتي.. أو الانتظار إلى أن يطلق ترمب حملة قمع وتطهير جماعي ممنهجة ليكون خيارهم الوحيد الهروب أو المقاومة في صورة متمردين.
وهذا التصور يكشف عن مخطط هندسي لحقل ألغام تم حبكه بعناية وتحضيره لمرحلة معينة ترسم ملامح الإجابة على التساؤل عن مستقبل وضع أمريكا وفرص بقاءها كقوة سياسية واستراتيجية ونفوذ مهيمن ومتحكم في المنطقة وهذا لا يعني لن أنه لن يكون هناك تواجد للقوات الأمريكية في حال سقوط إيران ، لكن هذا القوات لن يكون بقاءها إلا في إطار ودور ووضع مرتزقة بلا موجه سياسي أمريكي مهمتها وموجهاتها لخدمة سيطرة إسرائيل الكبرى ومواجهة وقمع أي مقاومة.
ولعل الأمر يخدم بقاءها حسابات سلطة ترمب في منع عودة قوات عسكرية لا يضمن ولاءها له وعدم انحيازها لصالح المجتمع الأمريكي في حال اندلاع أي مواجهة أو تمرد ضد سلطة ترمب ، ويبدو أن سعي مجموعة من أعضاء الكونغرس الأمريكي المعروفين بتعصبهم لإسرائيل أو حسب وصف إعلاميين أمريكيين مجموعة إسرائيل أولا ، إلى سن قانون يمنح المتطوعين من الجيش الأمريكي للقتال في الجيش الإسرائيلي جميع الامتيازات والحقوق الممنوحة لجنود وضباط الجيش الأمريكي يأتي في سياق التمهيد والشرعنة لسيناريو دور القوات الأمريكية بناء على فرضية ما بعد الحرب.
إضافة إلى قانون سابق عرف بقانون ربط القوات الأمريكية في الشرق الأوسط بالجيش الإسرائيلي ضمن هيكل عسكري إقليمي واحد يضم فيه بقية جيوش الدول الخليجية والأردن وهذا ما وصفه البعض بقانون توريث الوجود العسكري الأمريكي لإسرائيل.
ومن زاوية أخرى تتعلق بمنظور حسابات سيطرة إسرائيل على المنطقة لن تكون أمريكا في منظورها إلا خصم ينازعها التفرد في السيطرة على المنطقة.
كذلك الحال مع أوروبا والصين وروسيا التي ليست بعيدة عن اهتمام ذات الغرف المظلمة التي تخدم أطماع العنصرية الصهيونية للسيطرة على قلب العالم بمنطق خرافة إسرائيل الكبرى وحقها المقدس في التفرد بالسيطرة على العالم أو ما تبقى منه بعد تطوير الصراع في أوكرانيا لتصبح صاعق تفجير هرمجدون نووية ثالثة تزيح الغرب والشرق ببعضهما وتضمن تفرد إسرائيل الكبرى الحاكمة لقلب العالم ومصادر الطاقة والملاحة والثروة البشرية وسلة الغذاء في أفريقيا من التربع على عرش العالمية وإعادة تشكيل النظام الدولي كمنقذ مقابل الخضوع والطاعة والاعتناق بمستوى العبودية الفردية والجماعية لقواعد وقيم سيطرة العنصرية الصهيونية.
حجم ومستوى التهديد الصهيوني
هذا يكشف حجم ومستوى التهديد الصهيوني وإلى أي مدى يمتد حتى يبحث المراهنون على أمريكا ترمب ومن يستثمرون في حروب إسرائيل على شعوبنا ، ويتورطوا فيها تمويلا ومشاركة لوجستية وأمنية وغيرها عن مخارج للنجاة والتوقف عن المقامرات الانتحارية التي ستقدمهم قرابين لأطماع تتربص برؤس الجميع بلا استثناء وفي المقدمة رؤوس عروش النفط والزجاج، تنحر بأيدي وتمويل خليجي وهذا ما يجب إدراكه فصفقة الإمارات مع الكيان الصهيوني في الحرب على إيران مقابله ليس رأس إيران بل تمكينها من رأس السعودية، وعلى الأسر والمجتمعات والنخب فيها أن تنظر إلى عين بن سلمان وتسأله إلى أين ستذهب بنا بمواصلة الاستثمار في كوشنر ذراع نتياهو الذي يشكل أحد محركات الحرب وتسعير الحرائق في المنطقة؟!
وماذا يحضر مع نتياهو وبن زايد في لبنان من طبخات ومؤامرات تهدف إلى تفجير حرب أهلية وإشعال فتنة إقليمية تصنع من جماجم شعوب دول الخليج ومحور أنظمة التصهين جسورا لأطماع نتياهو المأزوم وكيانه المهزوم.؟
في لحظة تنهار فيها كل رهانات وحسابات الحرب وتتكسر معاولها أمام صمود غزة وإيران.. وباتت المنطقة والعالم على بُعد خطوة واحدة من الخروح من النفق المظلم بالحروب والمؤامرات والأطماع الصهيونية التي تتربص بالجميع ، وعلى مرمى حجر من شاطئ الاستقرار وتحرير مصير المنطقة العربية والإسلامية وتأمين مستقبل مزدهر للجميع يبدأ بإنتاج شبكة مصالح وربط اقتصادي بين الدول العربية والإسلامية تعيد توزيع المصالح وحركة الطاقة والثروات لصالح ازدهار شعوب أمتنا وهذا يعني تحرير الثروات التي صادرتها الهيمنة الغربية طيلة قرن.
وكل ما هو اليوم مطلوب من دول الخليج التي تشكل البوابة الوحيدة لاستمرار هو إغلاق تلك البوابة في وجه أمريكا وإسرائيل لإنقاذ عروشهم وشعوبهم ومنع تقديمهم قرابين لحروب نتياهو والمتورطين معه في صفقات مشبوهة.
وهذا يتطلب من العقلاء في الأسر والأنظمة الحاكمة الجرأة في تحييد الأيادي المأزومة والمتورطة في تلك الصفقات المشبوهة واتخاذ قرار صريح يعلن التوجه المستقل ومنع استخدام أدواتها لخدمة أجندة الحروب التي تقدمها قربان لأطماع تحمل تهديد وجودي لها كممالك وشعوب.
جدول أعمال إسرائيل الكبرى في المنطقة
تكشف ملامح السيناريو الذي كان ومايزال يسعى له المهندس الصهيوني وهو إسقاط إيران وتمزيقها وإغراقها بالفوضى والتناحر بتمويل خليجي.
ولأن السابع من أكتوبر أفشل المسار الناعم لتحقيق هدف السيطرة على الموارد وتشكيل نظام أمني إقليمي يضمن سيطرة الكيان الصهيوني.
فإن محاولاته الانتحارية وجر أمريكا معه في هذا الانتحار لإسقاط إيران اليوم ترى فيها مفتاح إخضاع دول المنطقة جملة واحدة من الخليج إلى تركيا ومصر وحتى المغرب لربط الثروات والموارد بمنظومة لوجستية هياكل مالية واقتصادية وحركة ملاحية تتحكم بها إسرائيل والانضمام إلى حلف عسكري إقليمي بقواعد السيطرة الأمنية والسياسية لإسرائيل.
ومن ثم إطلاق مرحلة هيكلة الجغرافيا السياسية والوطنية في المنطقة بمقاييس السيطرة الإسرائيلية التي ستبدأ بتمزيق تركيا ومصر والسعودية والعراق وسوريا والسودان وليبيا وكل هذه الدول مفخخة بأزمات دمار ذاتي وأدوات محلية عرقية وإثنية وحزبية تحت حماية وغطاء منظومة النفوذ الصهيوغربي وإطلاق دورها لتكون خناجر التمزيق لن يكون صعباً بتمويل محافظ خليجية وإدارة فوضى وتناحر بإدارة وحماية مباشرة من إسرائيل الزعامة الإقليمية التي لن تقوى أمامها سلطات وأنظمة الانبطاح على التمرد أو التمنع أو التصدي لهذه المخططات خارج النص الصهيوني.
بالتوازي يتم استغلال الفوضى لتتفيذ أطماع التوسع الصهيوني من النيل إلى الفرات الذي تمتد من مصر إلى سوريا والعراق وتركيا والأردن والسعودية يلي ذلك باكستان بجرها لصراع شامل مع الهند ، والجزائر بجرها إلى حرب مع المغرب وحلفها الصهيوني.
ومن الأهمية بمكان التذكير بما أنجزه السابع من أكتوبر وطوفان تضحيات غزة التي أسقطت أخطر سيناريوهات المخطط الصهيوني، واستبقت ساعة صفر ولادة إسرائيل الكبرى في وقت كان يتحضر الإعلان عن قيام حلف عسكري صهيوني وربط موارد المنطقة بيد الكيان الصهيوني بما يسمى الربط الدولي أو القطار الهندي المتمد من الإمارات والسعودية ودول الخليج والأردن إلى فلسطين المحتلة.
وبدء مرحلة تصفية القضية والحق الفلسطيني وتهجير الفلسطينيين بإطلاق حملات إبادة وتهجير بغطاء ومظلة التحالف الصهيوني بذريعة محاربة الإرهاب وتنفيذ وخارطة الطريق السعودية لحل القضية الفلسطينية.
بالتوازي مع ساعة صفر إسرائيلية بغطاء وجيوش أمريكا والخليج في إطار حلف قرابين يهوذا المنتحل لاسم أبراهام للعدوان على إيران واليمن ولبنان المقاومة وسوريا الأسد في سياق يقدم شرعية إقليمية تجبر الغرب وحلفاء أمريكا وكل من ترتبط مصالحه بالنفط الخليجي في أوروبا وشرق آسيا على الاصطفاف خلف سردية وإرادة الحرب على إيران.
وفي اعتقاد الكثير وهم محقين أن هذه المخططات كانت التهديد الأخطر والطريق الأقرب والتذكرة الذهبية لتحقيق الأطماع الصهيونية وخرافات إسرائيل الكبرى.
ولذلك كان استباق السابع من أكتوبر وطوفان تضحيات غزة قاتلا حرفيا لمخططات وأطماع التطرف الصهيوني وانتصار إيران هو المدفن لهذه الأطماع التوسعية والتهديد الوجودي الصهيوني.
وما نراه اليوم من سعي صهيوني لتسعير حروب إسرائيل الكبرى على إيران ومحاولات إعادة التموضع بعد كل جولة تنتهي بهزيمة وانكسار وانكشاف صهيوني وأمريكي بالرغم من خطورتها في رفع الكلفة بفتح أبواب الجحيم على المنطقة وإمكانية إحداث خرق قد يسقط المنطقة برمتها وهذا لن يحدث إلا بإصرار خليجي على مسار الانتحار بالاستثمار في حروب نتياهو والسماح للنتن بمواصلة إشعال الحريق في المنطقة.
إلا أنها في الحقيقة وجوهر منطق الحقائق الجديدة لم تعد سوى محاولات تموضع يائسة للحرب وإعادة ترميم أوراق محروقة وتوظيف أدوات مستهلكة ومتهالكة في وضع انكشاف وتفكك واختناق استراتيجي مميت على مستوى الكيان الغارق في مستنقع الزوال من الداخل والخارج وأفول المظلة الأمريكية المتصدعة والمفلسة استراتيجيا في وضع عزلة ومحيط غربي وعالمي معادي يعيد تشكيله جيل عاش الحقيقة لحظة بلحظة في بيئة ملتهبة ومحتقنة تضع مواجهة الابتزاز الإسرائيلي وشبكات النفوذ الصهيوني في عقيدة نجاة أمريكا والغرب والعالم .
ومع ذلك لابد من إدراك خطورة أن جدول أعمال الأطماع الصهيونية ما يزال قائماً ويحمل في طياته فرص محتملة وتهديد وجودي للجميع.
جدول أعمال إسرائيل الكبرى في السياق الدولي
يتبادر هنا سؤال ما الذي سيمنع القوى الكبرى في الشرق والغرب في حال لا قدر الله تمكن الصهيوني في إيران ، من التدخل لتأمين مصالحهم في غرب آسيا وتقويض السيطرة الصهيونية المتفردة على المنطقة ؟
والحقيقة أن صناع الاستراتيجيات والقرار في مراكز هندسة المشاريع الدولية يدركون أن العالم يتنازع مصيره ثلاث توجهات كبرى:
الأول : الغرب متمثل في أمريكا أو ما تبقى من مؤسسات الامبراطورية العميقة، وكذا أوروبا المحتارة الذين يسعون إلى الحفاظ على هياكل النفوذ والهيمنة الاستعمارية التقليدية على العالم عبر استراتيجيات الإخضاع والإرهاب والقمع.
الثاني: التوجه الشرقي والذي يسعى إلى التحول إلى نظام عالمي متعدد تشاركي من خلال اتباع استراتيجيات تعديل التوجهات والتوازنات في الهياكل الدولية بسياسة ناعمة.
الثالث : التوجه الذي يقوم على معتقد خرافة الحق المقدس في السيطرة على العالم ، وبدأت أولى خطواته قبل مائة عام بتأمين موطئ قدم باستخدام بريطانيا في ظروف ابتزاز مكلفة أحرقت أوروبا مرتين في مشهد تم هندسته بعناية أفرز تقاطع مع المصالح الغربية قصيرة النظر مكنت من احتلال فلسطين لإقامة كيان بلا حدود يشكل نقطة تموضع للأطماع التوسعية ، ويسعى اليوم بالحروب والإبادة إلى إقامة إسرائيل الكبرى بالسيطرة على منطقة تشكل قلب العالم للانتقال إلى مرحلة السيطرة العالمية بإشعال هرمجدون ثالثة نووية تزيح الغرب والشرق لتكلل مسار بدأته بهرمجدون إبادة شعوب في أوروبا..
ولذلك إذا ما سقطت إيران آخر عائق يمنع الكيان الصهيوني من السيطرة على المنطقة فإن الوضع والمعادلات الإقليمية ستتغير وستكون كالتالي:
- الشرق بعد سقوط المنطقة سيفرض واقعاً يجعل الصين أمام تهديد إيقاف مصادر الطاقة وقطع شريانها الملاحي مع الغرب وتمويل وتعبئة وتحشيد عناصر الفوضى والمنظمات الإرهابية والصراعات العرقية.
بالمقابل روسيا ستكون أمام تهديد ضخ النفط في السوق العالمية لتدمير الأسعار لكسر ظهر الاقتصاد الروسي وتصعيد الوضع في أوكرانيا لإغراقها واستنزافها.
كذلك الغرب أمريكا على حافة انفجار الحرب الأهلية والسقوط من الداخل ، وأوروبا أسيرة الديون والمهددة باليمين المتطرف الذي يهدد صعوده سقوط أوروبا الموحدة وإغراقها في صراعات قومية وعرقية الخ واستقرار أنظمتها رهين مصادر الطاقة.
بدون بيئة عالمية مستقرة تساعد على تخلق رؤى مشتركة وتسيطر على الصراعات في إطار تنافسي عادل ، فإن الجميع سيكون عاجزا أمام تفرد إسرائيل بالمنطقة أو التدخل في منع إعادة تشكيلها وفرض نظام سيطرتها عليه، تمهيدا للانتقال إلى مرحلة تمكن خرافة إسرائيل الكبرى عالمياً بتوظيف الصراعات والأزمات الدولية والمحلية وفي المقدمة أوكرانيا وتايوان لتكونا صاعق تفجير هرمجدون نووية ثالثة تدمر الوجود الحضاري في الشرق الغرب ببعضهم
الخلاصات والختام
أولا : الحرب لن تنتهي باتفاق مهما قدمت إيران من تنازلات أقل من سقف الاستسلام الكامل وتسليم كل شيء لنتياهو ونتياهو فقط. وهكذا تم هندسة معادلة الحرب الترمبية الصهيونية وإغلاق خطوط الرجعة أمام ترمب وإدارته وهذا ما يلاحظه الجميع.
ثانيا : هذه الحرب نهايتها المحتومة والوحيدة هو انهيار الوجود الأمريكي في المنطقة وقد دخلت فعليا آخر مرحلة من الانهيار الاستراتيجي والأمني القسري والسقوط الجيوسياسي ولم يتبق منها إلا تواجد عسكري مجرد من قدرة إدارة الاستراتيجيات وعناصر الوجود المستقر والمستدام، ولذلك تعيد ترميم تموضعاتها في مسار الانحدار والتقهقهر لتدير معارك شكلية بلا قواعد ولا استراتيجية ولا أفق.
وهذا الوجود المتقهقر في حقيقته رغم التحشيد الاستعراضي يرتبط بآخر أنبوب يمنح الوجود الصهيوأمريكي أنبوب التنفس الصناعي وهو أنظمة البترودولار وهذا عامل حاسم في وضع نهاية للحرب أو عودتها من جديد الذي يعني أن أنظمة الخليج قدمت مصيرها قربان لمقامرات نتياهو وترمب.
ثالثا: إقدام الصين وإثبات الجرأة بشرعية الحق والقوة كقوة دولية عظمى تمتلك الاقتدار على فرض التوازن القهري في مسرح عمليات مضيق هرمز وتأمين حركتها الملاحية المرتبطة بالنفط والتجارة مع إيران ولجم عربدة امبراطورية طاغية حولت حلفاءها إلى أعداء وأصبحت معزولة خاضعة لابتزاز شرذمة صهيونية مكشوفة بلا غطاء تعيش آخر مراحل الأفول وباتت ترقص على حافة الدمار الذاتي من الداخل والخارج تقودها عصابات مأزومة ومهزومة ومتناحرة لا تمتلك جرأة وإرادة وقرار جامع للمواجهة مع الصين.
هذا سيفرض نهاية الحقبة الأمريكية والصهيونية ونهاية مسار الحروب الكبرى وينقل العالم مباشرة إلى مرحلة انتقالية تدار بتوافق القوى الكبرى وظروف الأمر الواقع تضع أمريكا والكيان الصهيوني في وضع حجر صحي وتمنح العالم فرص استقرار التحول المالي والجيوسياسي الآمن وتعزلهما في مسار تقرير المصير من الداخل.
رابعاً : تطوير الموقف والجرأة الإيرانية وحلفاءها في المنطقة والتقدير الواعي الذي يضمن تحصين الموقف من أي التفاف بعدم المراهنة على مسارات وعروض ونصائح من جهات دولية صديقة في خندق مواجهة الغرب لكن رصيدها التاريخي يقدم مواقف مهزوزة ومغشوشة وغير موثقة قابلة للطرق والسحب والمقايضات المشبوهة، وهذا لا يعني التخلي عن الصداقة معها لكن يفرض التعاطي المدروس والحذر لتحقيق المنافع والمكاسب.
وعلى الصين وحلفاءها إدارة موقف لإنتاج توافق إقليمي ودولي يوظف التفكك والتفسخ للمنظومات الغربية التقليدية والبترودولار لتسريع سقوط الهياكل وعملية الاحتواء وإعادة بناء التوازنات والتوجهات وتأمينها بأوراق وأدوات صارمة وفعالة وراسخة.
خامسا : لم تطلب شعوبنا من أمريكا والغرب أن لا يحاربونا فالصراع خاصة في حالة الاستكبار الغربي الذي يعاني من تضخم الأنا وهوس السيطرة والنهب ، ولكن كل ما تريده شعوبنا إن أراد الغرب خوض الحروب ضدها أن تكون بحساباتهم التي تسيطر قراراتهم حتى وجد الغرب نفسه أمام طريق مسدود بصمود شعوبنا تستطيع أن تفتح لهم مخارج تنقذ الغرب من الانتحار في مربع حسابات ميتة لصالح طرف ثالث ، وتؤمن حقوق شعوبنا وتوقف فاتورة النزيف على الجميع.
سادسا: على الغرب الأمريكي المتوحش أن يدرك أن شعوبنا تعي وتدرك قدرته على أذيتها وإلحاق الضرر بها وقد عاشت تجارب مريرة في ذلك لكن في المقابل عليه أن يعرف الشعب الامريكي أن الإصرار على مواصلة الحرب على شعوبنا هو انتحار أمريكي يعني الغرق في مستنقع فتنامي مضروب بعدد من أزمات الدمار الشامل التي تفخخ أمريكا طولا وعرضا.
سابعاً وهو الأخطر: يجب التركيز على ما يحيكه بن سلمان ونتياهو في لبنان من خلال توجيه جوزيف عون المحسوب رئيساً للبنان ومعه رئيس حكومة مثلت منجز صهيوني لحملة الغدر والاغتيالات للمقاومة اللبنانية، إلى التفاوض المباشر مع الكيان الصهيوني لعقد صفقة تطبيع وإخضاع في تحرك غادر يطعن لبنان والمقاومة والعروبة في الظهر ويذبح مصير استقلال وسيادة الشعب اللبناني من الوريد إلى الوريد.
هذه الطبخة تحمل ملامح إعادة إنتاج سيناريو اغتيال الحريري من جديد لكن هذه ليس إخراج سوريا بل تبرير اجتياح الجولاني وتفجير فتنة في لبنان تتطور إلى فتنة وانقسام إقليمي ينقذ نتياهو وكيانه المأزوم ويعيد الحياة إلى أطماع خرافة إسرائيل الكبرى.
ختاماً:
غزة أسقطت الأقنعة وعرت الأذرع السرطانية للصهيونية العالمية.
وإيران كشفت حجم التهديد والخطر الذي يشكله الكيان للعالم وفي المقدمة الغرب.
وحروب أمريكا وإسرائيل دخلت اليوم مربع ميت والاستمرار فيها محظ مقامرة انتحارية بلا أفق ولا جدوى غير أنها ترفع الكلفة على الجميع دون تغيير حقيقة أن مصير المعركة محسوم بنصر مستحق وكامل لشعوب أمتنا والعالم العادل بهذا الجيل أو الجيل الذي سيخلفه.
وكحقيقة مهمة تبقى الجرأة وثبات الموقف في الحزم والإرادة الصارمة لشعوبنا بعد الثقة بالله هي الضامن للحسم السريع.