تقارير

صنعاء تفرض شروطها بأداة ضغط استراتيجية من الدرجة الأولى

الزيارات: 120

منذ عام 2015، راهن النظام السعودي على خيارين لا ثالث لهما: القوة الجوية الأمريكية، والمال الخليجي، وبعض الأطراف المحلية الموالية له. كان الهدف المعلن: الإطاحة بسلطة صنعاء وإعادة اليمن بالكامل إلى دائرة النفوذ الغربي - الإسرائيلي. لكن بعد عشر سنوات، ها هي الرياض تعود إلى طاولة المفاوضات، ليس طواعية، بل اضطراها إلى ذلك تحول استراتيجي عميق لم تشهده المنطقة منذ عقود.

صنعاء تفرض شروطها بأداة ضغط استراتيجية من الدرجة الأولى

د. نجوى حسين الخزان *

ما يجري اليوم ليس خدعة أمريكية، وليس انكساراً عابراً، بل هو اعتراف ضمني بظهور قوة إقليمية جديدة على شواطئ البحر الأحمر: سلطة صنعاء. هذه القوة لم تعد مجرد طرف محلي، بل أصبحت لاعباً رئيسياً في معادلة الأمن الإقليمي، تمتلك أداة ضغط استراتيجية من الدرجة الأولى (مضيق باب المندب)، وعقيدة قتالية ردعية، وحليفاً استراتيجياً لمحور المقاومة لا يمكن تجاوزه.

أولاً: خرافة "الخداع الأمريكي" وسقوطها العملي
تردد بعض المحللين أن استئناف المفاوضات هو مجرد مسرحية أمريكية لطمأنة صنعاء ثم توجيه ضربة مباغتة. هذه القراءة تبدو مقنعة ظاهرياً، لكنها تصطدم بحقائق ميدانية وردعية لا يمكن تجاوزها:
• الحقيقة الأولى: سلطة صنعاء تمتلك قدرات استخباراتية وإنذار مبكر متطورة. كل المحاولات السابقة للتفوق عليها في مجال الاستخبارات فشلت. لا يمكن "خداع" طرف يمسك بملف كامل للقواعد الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
• الحقيقة الثانية: أي ضربة مباغتة تتطلب تحريكاً برياً للحلفاء المحليين. هؤلاء الحلفاء مايسمى ب(المجلس الانتقالي، الإصلاح، وغيرهم) أثبتوا فشلهم الذريع في كل معارك الساحل الغربي ومأرب والجوف. الاعتماد عليهم اليوم هو وصفة لانهيار أسرع.
• الحقيقة الثالثة (والأهم): ثمن أي مغامرة عسكرية ضد صنعاء سيكون إغلاق باب المندب بالكامل. وسائل الإعلام الغربية تغفل عن حقيقة واحدة: إغلاق هذا المضيق يعني توقف 12% من التجارة البحرية العالمية، وارتفاع أسعار النفط إلى أرقام قياسية، وانهيار اقتصادي في أوروبا وآسيا. واشنطن لن تخاطر بذلك من أجل "مباغتة" غير مضمونة النتائج.
الخلاصة: فرضية الخداع تهدمها القدرات الردعية اليمنية، وليس السذاجة السياسية.

ثانياً: التحول الاستراتيجي السعودي من التبعية إلى الاضطرار
لفهم السلوك السعودي الحالي، يجب التخلي عن النموذج القديم الذي يصور الرياض كـ"دمية أمريكية". الرياض اليوم تعاني من أزمة ثقة استراتيجية مع واشنطن لأسباب موضوعية:
1. فشل الضمانات الأمريكية: في 2019، بعد استهداف منشآت أرامكو بطائرات مسيّرة، لم تفعل أمريكا شيئاً يذكر. الرياض أدركت أن "الرد التلقائي" الأمريكي لم يعد موجوداً.
2. التحول نحو الشرق: السعودية تبحث عن شركاء جدد (الصين، روسيا) لتقليل الاعتماد على واشنطن. السلام مع صنعاء يخدم هذا التوجه، لأنه يحرر الرياض من قيود الوكالة الأمريكية في اليمن.
3. كابوس باب المندب: أكثر ما يخيف النظام السعودي ليس الصواريخ الباليستية التي تسقط على الرياض بين الحين والآخر، بل احتمال إغلاق المضيق بشكل كامل ومستدام. السعودية تصدر نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً، نصفها تقريباً يمر عبر باب المندب أو عبر خطوط أنابيب يمكن استهدافها من الأراضي اليمنية. لا يمكنها تحمل هذا السيناريو ولو لشهر واحد.
لهذا، فإن قراءة السلوك السعودي اليوم يجب أن تنطلق من فرضية "الاضطرار الاستراتيجي" وليس "التبعية العمياء". الرياض تتصالح مع صنعاء لأنها لم تعد تملك بديلاً، وليس لأن واشنطن سمحت لها بذلك. البيت الأبيض في حيرة: هو لا يريد السلام (لأنه يقوي محور المقاومة)، لكنه لا يستطيع منع الرياض من السعي إليه تحت ضغط مصالحها الحيوية.

ثالثاً: صنعاء كنموذج ردعي جديد في المنطقة
ما حققته القوات المسلحة اليمنية خلال السنوات الماضية هو إنجاز استراتيجي نادر في التاريخ الحديث:
• تحويل العدو (التحالف السعودي - الإماراتي - الأمريكي) من مهاجم إلى طالب للتفاوض.
• فرض معادلة ردع جديدة ومؤثرة: "لا أمان للمياه العربية دون أمان اليمن".
• ترسيخ فكرة أن مضيق باب المندب هو ممر مائي يمني بامتياز، وليس ممراً دولياً مفتوحاً دون قيود، وأن لصنعاء حقاً أصيلاً في تنظيمه أو إغلاقه دفاعاً عن النفس.
هذا النموذج أثار قلقاً عميقاً في واشنطن وتل أبيب، لأنه يقدم دليلاً عملياً على أن دول "محور المقاومة" يمكنها تطوير أسلحة ردع غير تقليدية (مسيّرات، صواريخ مجنحة، ألغام بحرية) بتكاليف منخفضة، وتغيير موازين القوى لصالحها دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة مع الجيوش النظامية.

رابعاً: السيناريوهات الثلاثة المقبلة أيهما الأقرب؟
السيناريو الأول: السلام المفروض بالتهديد (الأكثر ترجيحاً – نحو 60%)
تستمر المفاوضات بشكل جاد، وتقدم الرياض تنازلات تدريجية (رفع جزئي للحظر، فتح مطار صنعاء، الإفراج عن أموال ومخصصات)، مقابل تعهدات من صنعاء بعدم إغلاق المضيق واستهداف السفن المرتبطة بإسرائيل. هذا السيناريو يحقق مكسباً استراتيجياً لصنعاء (اعتراف دولي غير مباشر بثقلها)، وينقذ السعودية من كارثة اقتصادية محققة. واشنطن تتذمر لكنها لا تستطيع فعل شيء جوهري.

السيناريو الثاني: الجمود الطويل (احتمال 30%)
تصر واشنطن على عرقلة أي اتفاق حقيقي عبر فيتو خفي على البنك الدولي والصندوق العربي، وتضغط على الرياض لتعطيل التنفيذ. عندها، تحافظ صنعاء على خيار إغلاق المضيق كورقة ضغط دائمة، وتعيش المنطقة على حافة الهاوية. هذا السيناريو مؤلم للجميع، لكنه قد يستمر لسنوات دون حسم.

السيناريو الثالث: الحرب المفتوحة (احتمال 10% – الأقل ترجيحاً)
إذا قررت إسرائيل أو أمريكا شن حرب واسعة ضد إيران، ستكون صنعاء في قلب المعركة تلقائياً، وستغلق المضيق بشكل كامل وفوري. هذا السيناريو كارثي على الاقتصاد العالمي بأسره، لكنه يظل الاحتمال الأقل بسبب التكلفة الباهظة التي سيدفعها الجميع، بمن فيهم واشنطن وحلفاؤها.

الخاتمة: درس باب المندب
ما يحدث اليوم في اليمن هو أكثر من مجرد مفاوضات لإنهاء حرب. إنه إعادة كتابة لقواعد اللعبة الإقليمية. لقد أثبتت القوات المسلحة اليمنية أن الدولة القوية ليست من تمتلك طائرات إف-35، بل من تمتلك القدرة على حماية مياهها الإقليمية وفرض شروطها على أقوى جيوش العالم.
النظام السعودي، الذي دخل الحرب بتنفيذ أوامر أمريكية – إسرائيلية، يحاول اليوم الخروج منها وفق شروطه الخاصة. لكنه يدرك جيداً أن المفتاح الحقيقي لاستقراره ليس في البنتاغون ولا في واشنطن، بل في صنعاء. فإما أن يقر بالحقيقة الجديدة التي أثبتتها السنوات العشر: باب المندب هو خط أحمر يمني، ولا عبور آمناً دونه دون موافقة سلطة صنعاء. وهذا هو الدرس الأهم الذي يجب أن تتعلمه كل عواصم العالم، وعلى رأسها الرياض.

* دكتورة علوم سياسية واقتصادية

طباعة