فالضفة تتعرض لتحول عميق وصامت يعيد تشكيل واقعها الجغرافي على نحو جذري، بل عملية بطيئة وممنهجة تستهدف إعادة هندسة الأرض والإنسان معاً بما يقوض إمكانية وجود فلسطيني متماسك في المستقبل.
فخلال الأسابيع الماضية كشفت المعطيات الميدانية عن تصعيد نوعي في اعتداءات المستوطنين سواء من حيث العدد أو مستوى التنظيم وهذه الاعتداءات باتت جزءاً من نمط عمل منظم يهدف إلى فرض واقع جديد بالقوة، فالقتل وإحراق الممتلكات والاعتداء على المزارعين وفرض الحصار على القرى كلها أدوات لترهيب ممنهج يدفع السكان إلى الرحيل القسري وما يحدث ليس مجرد عنف، بل عملية اقتلاع تدريجي للسكان الأصليين من أرضهم، فالتهجير يأخذ طابعاً لا يرتبط بقرارات رسمية معلنة، بل بتراكم الضغوط اليومية التي تجعل الحياة مستحيلة، فهناك تجمعات بدوية تُفرغ بالكامل وعائلات تُجبر على الرحيل، وأراضٍ تُترك قسراً تحت وطأة الخوف وانعدام الأمان، وهذه أهداف مباشرة لسياسة تسعى إلى إعادة توزيع السكان بما يخدم التوسع الاستيطاني وهذه عملية تطهير عرقي تُنفذ ببطء محسوب، لكنه يُحدث تحولاً عميقاً في الواقع.
وبالتالي فإن الأخطر في هذا الواقع هو الطابع المؤسسي المتزايد لهذه العملية، فالعلاقة بين المستوطنين وأجهزة الدولة تحولت إلى تكامل وظيفي واضح فالمستوطنين يفرضون الوقائع على الأرض عبر العنف، ثم تتدخل المؤسسات الرسمية لتثبيت هذه الوقائع قانونياً وإدارياً، سواء عبر شرعنة البؤر الاستيطانية أو توفير الحماية العسكرية لها وبذلك لم يعد الاستيطان مشروعاً هامشياً لجماعات متطرفة، بل سياسة دولة متكاملة تستخدم أدوات متعددة لتحقيق هدف واحد هو السيطرة على الأرض وتهجير سكانها، وفي ظل هذا الواقع تتكرس معادلة إفلات المستوطنين والجنود من العقاب كقاعدة ثابتة، فهم يدركون أن احتمالات المساءلة تكاد تكون معدومة، وأن ما يُفرض بالقوة يمكن تثبيته لاحقاً بالقانون وهذه القناعة لا تعزز فقط استمرار الاعتداءات، بل تدفع نحو مزيد من الجرأة والتصعيد خاصة في ظل بيئة سياسية داخلية تشجع على التوسع وتمنح غطاءً رسمياً له، ونتيجة لهذا يحدث تحول تدريجي في بنية الضفة الغربية يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، العودة إلى ما كان عليه الوضع سابقاً؛ فالتهجير المستمر وتفكك الجغرافيا وتآكل الموارد كلها عوامل تُعيد تشكيل الواقع على نحو دائم ومع مرور الوقت يتحول الضم الصامت إلى حقيقة قائمة لا تحتاج إلى إعلان رسمي لأنها تحققت فعلياً على الأرض ولهذا ستبقى الضفة الغربية ساحة مفتوحة لعملية ضم تدريجي تتقدم بثبات مستفيدة من غياب الردع الدولي والانقسام الداخلي وخلق واقع لا يمكن تغييره لاحقاً ومستقبلاً، فالظروف المعيشية للفلسطينيين في الضفة الغربية خطيرة ومجرّدة بشكل صارخ من أي حسّ بالإنسانية.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تم تهجير ما لا يقل عن 4765 فلسطينياً من (97) موقعاً بين يناير 2023م ومنتصف فبراير 2026م بسبب عنف المستوطنين، وكان معظم المهجرين من التجمعات البدوية والرعوية في المنطقة "ج"، واليوم يتزايد تركيز عنف المستوطنين على القرى الفلسطينية المبنية مثل دير الحطب الواقعة في المنطقة "ب"، حيث تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية بينما تتولى السلطة الفلسطينية الصلاحيات المدنية، وفي مقابل ذلك حلت الذكرى الخمسين ليوم الأرض الفلسطيني لتجدد التأكيد على مركزية الأرض في الوعي الوطني الفلسطيني بوصفها جوهر الصراع وركيزته التاريخية والسياسية، فالاحتلال الإسرائيلي يكرس لوقائع قضم الأرض في الضفة المحتلّة، كما تمثل هذه المناسبة للمواطن الفلسطيني محطة مفصلية في تاريخ النضال الفلسطيني منذ عام 1976م، حين قدم الفلسطينيون نموذجاً متقدماً في الدفاع عن الأرض والهوية في مواجهة سياسات المصادرة والاقتلاع، فإحياءهم الذكرى هذا العام تأتي في ظل واقع معقّد تتسارع فيه إجراءات السيطرة على الأرض وفرض الوقائع الاستعمارية ما يعكس استمرار السياسات ذاتها التي واجهها الفلسطينيون لعقود، لكن بأدوات أكثر كثافة وتنظيماً، فإرادة الصمود والتحدي الفلسطينية قادرة على إفشال كل مخططات السيطرة والتهجير اليهودية رغم تصاعد التحديات وعليهم أن يعتمدوا على أنفسهم في انتزاع حقوقهم واسترجاع أراضيهم المنهوبة، وما أخذ بالقوة لا يعود إلا بالقوة.