تقارير

رغم آليات وسياسات التضليل السياسي والعسكري والإعلامي .. أخطاء كارثية وفشل عملياتي للذكاء الاصطناعي الأمريكي في الحرب على إيران؟!

الزيارات: 105

تحقيق : يحيى الربيعي:

تمثل الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، لحظة فارقة في تاريخ العقيدة العسكرية العالمية،

رغم آليات وسياسات التضليل السياسي والعسكري والإعلامي .. أخطاء كارثية وفشل عملياتي للذكاء الاصطناعي الأمريكي في الحرب على إيران؟!

حيث كانت المرة الأولى التي يتم فيها تسليم زمام "سلسلة القتل" (Kill Chain) بشكل شبه كامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي. أطلقت الولايات المتحدة على هذه العملية اسم "الغضب الملحمي" (Operation Epic Fury)، معلنةً عن فجر جديد من الحروب فائقة السرعة التي تعتمد على المعالجة اللحظية للبيانات الضخمة لتحديد الأهداف واغتيال القيادات وتدمير القدرات النووية والباليستية. ومع ذلك، فإن السيرورة الفعلية للعمليات كشفت عن فجوة عميقة بين الوعود التقنية بالدقة الجراحية وبين الواقع الميداني الملطخ بالأخطاء الكارثية الناتجة عن التضليل المنهجي، وتسمم البيانات، والانحياز المفرط للأتمتة.

نظام مافن ونموذج كلود والتحول نحو السرعة القاتلة
لفهم كيف تعرض الجيش الأمريكي للتضليل، يجب أولاً تحليل البنية التحتية التي اعتمد عليها في اتخاذ قراراته. في قلب العمليات العسكرية الأمريكية، برز "نظام مافن الذكي" (Maven Smart System)، وهو نتاج تعاون استراتيجي بين وزارة الدفاع الأمريكية وشركة "بالانتير" (Palantir) لدمج تقنيات تعلم الآلة في صلب العمليات القتالية. هذا النظام لم يكن مجرد أداة تحليلية، بل كان منصة اندماج كلي استوعبت ثمانية إلى تسعة أنظمة استخباراتية كانت تعمل بشكل منفصل في السابق، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية، وتغذيات الفيديو من طائرات "الدرون"، واستخبارات الإشارات (SIGINT)، والتقارير البشرية.
لتعزيز هذه المنصة، تم دمج نموذج اللغات الكبير "كلود" (Claude)، المطور من قبل شركة "أنثروبيك" (Anthropic)، لتوليد توصيات استهداف واضحة وتقييم الأسس القانونية للضربات بشكل آلي. كانت العقيدة العسكرية المحركة لهذا التوجه هي "السرعة تفوز"، حيث اعتبر البنتاغون أن مخاطر عدم التحرك بالسرعة الكافية تفوق مخاطر عدم المواءمة الكاملة مع المعايير الأخلاقية أو القانونية. هذا التوجه أدى إلى تقليص زمن "سلسلة القتل" من ساعات أو أيام إلى ثوانٍ معدودة، مما سمح بتنفيذ ضربات اغتيال معقدة، مثل تلك التي استهدفت القيادة العليا الإيرانية، في أقل من 60 ثانية من لحظة الرصد.

مقارنة كفاءة الأنظمة الهجينة في معالجة الأهداف
المعيار العملياتي الطريقة التقليدية (بشرية بالكامل) نظام مافن المعزز بالذكاء الاصطناعي
عدد المحللين المطلوبين 2,000 محلل 20 محللاً
زمن دورة الاستهداف 743 دقيقة أقل من دقيقة واحدة حجم معالجة الأهداف مئات الأهداف أسبوعياً 1,000 هدف في 24 ساعة دقة التصنيف في الظروف الصعبة 84% أقل من 30%
هذا الاعتماد الكلي على السرعة خلق بيئة خصبة للتضليل، حيث لم يعد لدى المحللين البشريين الوقت الكافي للتحقق من صحة البيانات التي تغذي الخوارزميات، مما أدى إلى ما يسمى "الإغراق المعلوماتي" الذي تسبب في فقدان القدرة على التمييز بين الأهداف العسكرية الحقيقية والشراك الخداعية.

مأساة ميناب: كيف تسبب تضليل البيانات في أكبر كارثة إنسانية بالحرب
تعتبر الضربة الصاروخية التي استهدفت مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية للبنات في مدينة ميناب بجنوب إيران في 28 فبراير 2026، الحالة الدراسية الأبرز للفشل الخوارزمي الناتج عن تضليل البيانات. في صبيحة اليوم الأول للحرب، أطلق الجيش الأمريكي صواريخ "توماهوك" استهدفت مجمعاً تم تصنيفه آلياً كمنشأة تابعة للقوات البحرية للحرس الثوري الإيراني. أسفرت الضربة عن مقتل ما لا يقل عن 170 شخصاً، معظمهم من الطالبات اللواتي تراوحت أعمارهن بين السابعة والثانية عشرة.
كشفت التحقيقات اللاحقة أن نظام "مافن" قد تعرض للتضليل بسبب اعتماده على بيانات استخباراتية مجمعة من قبل وكالة استخبارات الدفاع (DIA) لم يتم تحديثها منذ سنوات. كانت المنشأة بالفعل تابعة للحرس الثوري في الفترة ما بين 2013 و2016، ولكن تم فصلها جغرافياً وبناء سور عازل وتحويلها إلى مدرسة ابتدائية منذ عام 2017. وعلى الرغم من أن هذا التحول كان واضحاً للعيان في صور الأقمار الصناعية التجارية الحديثة، حيث طُليت الجدران بألوان زاهية وأُنشئت ملاعب رياضية، إلا أن نظام الذكاء الاصطناعي استمر في تصنيف الإحداثيات كهدف عسكري بناءً على "الإرث المعلوماتي" في قاعدة البيانات.

عوامل الفشل المنهجي في ضربة ميناب
تتمثل أبعاد هذا الفشل في عدة نقاط تبرز كيف يضلل الذكاء الاصطناعي مستخدميه: أولاً، ظاهرة "الانحياز للأتمتة" (Automation Bias)، حيث افترض القادة العسكريون أن النظام الخوارزمي الذي يعالج مليارات نقاط البيانات يمتلك صورة أدق للواقع من التقارير الميدانية أو الصور المفتوحة. ثانياً، ضغط "سلسلة القتل" المتسارعة؛ ففي ظل السعي لضرب 1,000 هدف في أول 12 ساعة، تقلص الوقت المتاح للمراجعة القانونية والبشرية لكل هدف إلى الصفر تقريباً، مما جعل الإنسان مجرد "ختم مطاطي" لقرارات الآلة. ثالثاً، الفشل في رصد المتغيرات السياقية؛ فالخوارزمية التي صنفّت المبنى كمنشأة عسكرية لم تأخذ في الاعتبار "الأنماط الزمنية" للنشاط البشري (مثل دخول الأطفال في الصباح)، واكتفت بمطابقة الشكل الخارجي مع الصور الأرشيفية للمجمع العسكري.

الحرب الرقمية و"التنكر الجنائي"
لم يكن التضليل الذي واجهه الجيش الأمريكي ناتجاً عن أخطاء تقنية داخلية فحسب، بل كان جزءاً من استراتيجية إيرانية مضادة متطورة استخدمت الذكاء الاصطناعي كسلاح دفاعي ومعلوماتي. أحد أبرز التكتيكات التي وثقها الباحثون هو ما يُعرف بـ "التنكر الجنائي" (Forensic Cosplay)، وهو استخدام تحليلات فنية تبدو علمية لتزييف الحقائق أو التشكيك في الأدلة الحقيقية.
على سبيل المثال، عندما بدأت صور الدمار في ميناب بالانتشار، قامت مجموعات مرتبطة بالأجهزة الأمنية الإيرانية بنشر "خرائط حرارية" (Heatmaps) مزيفة تدعي أن الصور المنشورة مولدة بالذكاء الاصطناعي. استخدمت هذه المجموعات مصطلحات تقنية معقدة وخرائط تفتقر إلى المعنى العلمي لإقناع الجمهور العالمي بأن المأساة لم تكن حقيقية، بل كانت "تزييفاً أمريكياً" أو العكس، مما خلق حالة من "العدمية المعلوماتية" التي جعلت من المستحيل على القادة العسكريين الأمريكيين والمجتمع الدولي الوصول إلى حقيقة موضوعية في الوقت المناسب.

أنواع التضليل الرقمي الموثقة في النزاع
التكتيك المعلوماتي الآلية التقنية الهدف الاستراتيجي
الخرائط الحرارية المزيفة استخدام أدوات معالجة الصور لمحاكاة مخرجات أنظمة الكشف التشكيك في صحة صور الضحايا المدنيين التزييف العميق للقيادات توليد فيديوهات لترامب وقادة عسكريين في مواقف مهينة ضرب الروح المعنوية والتحريض الشعبي
صور الأقمار الصناعية المصطنعة تعديل صور Google Earth القديمة لإظهار دمار وهمي في القواعد الأمريكية خلق انطباع بالردع العسكري الإيراني الناجح الإغراق بالبوتات شبكة من 62 ألف حساب آلي تنشر محتوى متناقضاً شل قدرة محللي الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT)
كما استخدمت إيران الذكاء الاصطناعي لتوليد محتوى دعائي موجه للداخل الأمريكي، حيث تم نشر فيديوهات تحاكي هجمات ناجحة على حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن"، مستغلة ثغرات في خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي لضمان وصول هذه الأخبار إلى عائلات الجنود، مما أثار موجة من القلق والضغط السياسي على إدارة ترامب.

الخداع الفيزيائي: كيف ضللت "الدهانات" و"النماذج المنفوخة" خوارزميات الرؤية الحاسوبية
واجهت أنظمة الرؤية الحاسوبية في طائرات "الدرون" وصواريخ "توماهوك" تحديات غير متوقعة ناتجة عن تكتيكات خداع فيزيائية بسيطة تم تطويرها لتضليل خوارزميات التعرف على الكائنات.
في عدة مناسبات، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) عن تدمير مروحيات ومنصات صواريخ إيرانية، ليتبين لاحقاً من خلال تحقيقات مستقلة أن الأهداف كانت عبارة عن "صور ظلية مدهونة" (Painted Silhouettes) على المدارج أو نماذج كرتونية ومطاطية قابلة للنفخ.
وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي في نظام "مافن" تم تدريبه على التعرف على أشكال هندسية محددة للطائرات والمعدات، ولكنه افتقر إلى القدرة على التمييز بين العمق الثلاثي الأبعاد وبين الرسم الثنائي الأبعاد في ظل ظروف إضاءة معينة أو زوايا تصوير محددة. هذا الفشل أدى إلى استهلاك مخزونات ثمينة من الذخائر الذكية باهظة الثمن في ضرب أهداف وهمية، مما منح القوات الإيرانية فرصة لإعادة تموضع معداتها الحقيقية تحت غطاء من الدخان أو التمويه الكثيف.
علاوة على ذلك، استخدمت إيران "البقع العدائية" (Adversarial Patches)، وهي أنماط بصرية مصممة خصيصاً لتشويش الشبكات العصبية العميقة. عند وضع هذه الأنماط فوق الآليات العسكرية، كانت الخوارزمية الأمريكية تصنف الدبابة أو منصة الصواريخ كأغراض مدنية (مثل شاحنة نقل أو مبنى سكني)، مما منع الأنظمة الآلية من إدراجها ضمن "قائمة الأهداف" التلقائية، وبالتالي وفّر حماية تقنية للمعدات الإيرانية في ساحة المعركة.

استهداف "كعب أخيل" الأمريكي
بينما كان الجيش الأمريكي يركز على الضربات الحركية، شنت إيران وحلفاؤها حرباً سيبرانية صامتة ومعززة بالذكاء الاصطناعي استهدفت البنية التحتية الحيوية داخل الولايات المتحدة. فور بدء العمليات في 28 فبراير، نشطت أكثر من 60 مجموعة قرصنة موالية لإيران على منصة "تليجرام"، مستخدمة أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة عمليات الاستطلاع وتحديد الثغرات في أنظمة التحكم الصناعية (ICS).
أحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في "سلسلة الاستطلاع" السيبراني، حيث مكن المهاجمين من مسح آلاف الأجهزة المرتبطة بالإنترنت في محطات المياه والكهرباء الأمريكية وتحديد تلك التي لا تزال تستخدم كلمات مرور افتراضية في أقل من خمس دقائق. هذا الانهيار في الحواجز التقنية سمح لمهاجمين غير محترفين بتنفيذ عمليات تعطيل معقدة، مثل تلك التي استهدفت محطة مياه "أليكيبيبا" وشركة التكنولوجيا الطبية "سترايكر"، مما نقل الحرب من سماء طهران إلى عمق المدن الأمريكية.

هجوم أليكيبيبا السيبراني (نوفمبر 2023 - مارس 2026)
عنصر الهجوم التفاصيل الفنية دور الذكاء الاصطناعي
الهدف محطة المياه البلدية في أليكيبيبا، بنسلفانيا أتمتة اكتشاف الأجهزة عبر Shodan
الثغرة المستغلة كلمات مرور افتراضية لأجهزة Unitronics توليد سكربتات الاختراق بلغة Python تلقائياً النطاق العملياتي استهداف عشرات المواقع في وقت واحد تقليص وقت البحث من أيام إلى ثوانٍ
التأثير الاستراتيجي زعزعة الثقة في الأمن القومي الداخلي تمكين المجموعات الصغيرة من ضرب أهداف سيادية
هذا التضليل السيبراني أدى إلى تشتيت انتباه القيادة العسكرية الأمريكية، التي اضطرت لتخصيص موارد هائلة للدفاع عن الجبهة الداخلية، مما أضعف التركيز على العمليات الهجومية في الشرق الأوسط.

نزاع "أنثروبيك" والبنتاغون حول "أخلاقيات القتل"
كشفت الحرب عن توتر عميق بين الدولة الأمريكية وقطاع التكنولوجيا الذي يوفر المحركات الذكية لهذه الحرب. في فبراير 2026، واجهت شركة "أنثروبيك" (Anthropic) ضغوطاً هائلة من وزير الدفاع بيت هيغسيث للتخلي عن قيودها الأخلاقية ومنح الجيش وصولاً غير مشروط لنماذج "كلود". رفضت الشركة هذا الطلب، معربة عن قلقها من استخدام تقنياتها في "الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل" والمراقبة الجماعية للمواطنين الأمريكيين.
أدى هذا الرفض إلى تصنيف الشركة كـ "خطر على سلسلة التوريد"، وهو إجراء عقابي غير مسبوق ضد شركة أمريكية. هذا النزاع لم يكن مجرد خلاف قانوني، بل تسبب في إرباك العمليات الميدانية؛ حيث فقدت بعض الوحدات العسكرية التي كانت تعتمد على نماذج "كلود" الدعم التقني اللازم لتحديث خوارزمياتها في مواجهة الخداع الإيراني، مما تركها تعتمد على نسخ قديمة وغير محصنة ضد "تسمم البيانات" والتضليل البصري.
لقد أثبت هذا الصدام أن الجيش الأمريكي، في سعيه نحو الهيمنة الخوارزمية، أصبح رهينة لشركات خاصة قد تختلف أجنداتها مع الضرورات القتالية، مما خلق ثغرة استراتيجية استغلتها إيران من خلال استهداف مراكز بيانات هذه الشركات في المنطقة (مثل مراكز AWS في الإمارات والبحرين) لتعطيل تدفق الذكاء الاصطناعي إلى ساحة المعركة.

كيف ضلل الإغلاق "الذكي" لمضيق هرمز الحسابات الأمريكية؟
أحد أكبر حالات التضليل الاستراتيجي كان التقليل الأمريكي من قدرة إيران على فرض حصار بحري "انتقائي" باستخدام الذكاء الاصطناعي. بينما كانت التقديرات الأمريكية تشير إلى أن أي إغلاق للمضيق سيكون مؤقتاً ويمكن كسره بالقوة، استخدمت إيران أسراباً من طائرات "شاهد-136" الانتحارية الموجهة بالذكاء الاصطناعي والألغام الذكية لفرض نظام مرور طبقي.
من خلال معالجة بيانات السفن آلياً، سمحت إيران بمرور ناقلات النفط المتجهة إلى الصين وروسيا وبعض دول جنوب شرق آسيا، بينما منعت تماماً السفن المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما. والأخطر من ذلك، هو فرض نظام رسوم مرور (Toll) يتم تحصيله باليوان الصيني أو العملات الرقمية المستقرة (Stablecoins)، مما وفر لإيران تدفقاً نقدياً هائلاً خارج نظام "سويفت" المالي.

الأثر الاقتصادي لإغلاق مضيق هرمز مارس 2026
المتغير الاقتصادي القيمة المسجلة التأثير الاستراتيجي
سعر نفط برنت 126 دولاراً للبرميل صدمة تضخمية عالمية تضعف الداخل الأمريكي
رسوم المرور الإيرانية 2 مليون دولار لكل سفينة تمويل المجهود الحربي الإيراني بشكل مستدام
حجم حركة الناقلات انخفاض بنسبة 70% أزمة طاقة في أوروبا واليابان
عملة التبادل المفروضة اليوان الصيني تهديد مباشر لمكانة الدولار الأمريكي كعملة احتياط
لقد ضلل الذكاء الاصطناعي الاستراتيجي الأمريكيين بجعلهم يعتقدون أن التفوق الجوي والبحري كافٍ لتأمين المضيق، متجاهلين أن "الحرب الهجينة" التي تعتمد على الدرونات الرخيصة الموجهة خوارزمياً يمكنها تحويل أحد أهم ممرات العالم إلى "طريق خاص" يتحكم فيه الخصم، مما أدى إلى فقدان السيطرة المالية والعسكرية في آن واحد، وهو ما وصفه الاقتصاديون بـ "لحظة سويس" التي قد تنهي عهد البترودولار.

دروس الحرب الخوارزمية الأولى
إن مراجعة أحداث فبراير ومارس 2026 تكشف أن الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يكون "المُضاعف للقوة" الذي وعدت به مراكز الأبحاث، أصبح في كثير من الأحيان "المُضاعف للفشل". التضليل الذي تعرض له الجيش الأمريكي لم يكن مجرد نتيجة لبراعة الخصم، بل كان نتيجة لثغرات بنيوية في فلسفة دمج التكنولوجيا في الحرب:
أولاً، الفشل في إدراك أن الذكاء الاصطناعي هو نظام "تنبؤي" وليس "يقينياً"؛ فبناء قرارات الحياة والموت على احتمالات إحصائية دون مراجعة بشرية معمقة أدى إلى كوارث أخلاقية وميدانية مثل مأساة مدرسة ميناب. ثانياً، هشاشة الأنظمة المعقدة أمام الحلول الرخيصة؛ حيث استطاعت إيران باستخدام الدهانات والخرائط المزيفة والدرونات الانتحارية التي لا تتجاوز تكلفتها 35 ألف دولار تضليل أنظمة تكلفت مليارات الدولارات. ثالثاً، مخاطر "تسمم البيئة المعلوماتية"؛ ففي عصر التزييف العميق و"التنكر الجنائي"، أصبح الوصول إلى "الحقيقة" في ساحة المعركة أصعب من أي وقت مضى، مما جعل القادة العسكريين يتخذون قرارات بناءً على بيانات ملوثة أدت إلى فشل استراتيجي شامل.
في الختام، تشير حرب 2026 إلى أن المستقبل لن يكون للجيش الذي يمتلك أسرع الذكاءات الاصطناعية فحسب، بل للجيش الذي يمتلك القدرة على حماية أنظمته من التضليل، والحفاظ على دور الإنسان كحكم نهائي يمتلك السياق التاريخي والأخلاقي الذي تفتقر إليه الآلة. إن مأساة "شجرة طيبة" والانهيار الوشيك لنظام البترودولار ليسا سوى تحذيرات دموية من عواقب الثقة العمياء في الخوارزميات وسط ضباب الحرب.

طباعة