تقارير

صنعاء دروس في الأخلاق والتسامي والانحياز إلى اليمن الكبير

الزيارات: 103

تستمر الأوضاع في بعض محافظات جنوب وشرق اليمن في حالة من اللااستقرار التي تعيشها منذ أشهر، عقب اندلاع مواجهات في حضرموت والمهرة بين الإمارات والسعودية، وتستمر معها حروب إعلامية متعددة وفي كل اتجاه، في مشهد إعلامي يشهد تحولات وتقلبات في المواقف والسياسات.

صنعاء دروس في الأخلاق والتسامي والانحياز إلى اليمن الكبير

وسيم عبدالله حليف

حالة من الارتباك
مرّت أطراف عديدة من تلك التي تدين بالولاء للرياض وأبوظبي بمراحل حرجة ومحرجة، وحالة من الارتباك لأسباب عديدة، منها الحيرة في تحديد الموقف والتوجه الإعلامي بعد انقسام سعودي - إماراتي غير مسبوق.
وكان الأكثر ارتباكًا أولئك الذين حاولوا منذ البداية الحفاظ على ارتباط ثنائي وتبعية لكلا البلدين، كما هو الحال مع طارق صالح وفريقه. وإن كان الرجل أكثر ارتباطًا بأبوظبي، إلا أن علاقته بالسعودية لم تشبها شائبة خلال السنوات الماضية، نظرًا لعدم وجود ما قد يؤدي إلى ذلك، لانسجام العلاقة بينهما كتابع ومتبوع.

طبيعي وغير مستغرب
من الطبيعي وغير المستغرب أن نتابع وسائل إعلام تابعة لطارق صالح وهي تساند وتدعم معركة الانتقالي الإماراتي في حضرموت، إلى الحد الذي صنّفت فيه أوساط ثقافية وإعلامية يمنية قناة "الجمهورية" - حديثة البث من المخا - كقناة انفصالية، وشنوا ضدها حملة كبيرة أجبرتها في أحد الأيام على حذف كل منشوراتها في صفحتها الرسمية على منصة فيسبوك, كما اضطرت القناة إلى تغيير لهجتها الإعلامية وسياستها التحريرية تجاه هذه الأحداث، لكنها عادت لاحقًا إلى المربع الأول، تزامنًا مع وصول الخلاف السعودي - الإماراتي إلى ذروته، خصوصًا بعد إجبار أبوظبي لطارق صالح على تبني أو إصدار بيان مشترك مع كل من (الزُبيدي، المحرمي، البحسني).
لكن طارق صالح وإعلامه اضطروا للمرة العاشرة إلى الانتقال إلى مربع آخر في محاولة للوقوف على الحياد، مع الصعوبة الشديدة في ذلك، ثم تقرر الانتقال إلى التصفيق لكلا البلدين، لكن ذلك كان بالغ الصعوبة أيضًا، خصوصًا بعد قفز طارق صالح إلى الرياض لتجديد الكفالة، عقب التخلي الإماراتي - المالي والعسكري - عن كافة وكلائها في الداخل اليمني، ممن كانت تزودهم بالرواتب والعدة والعتاد، مقابل سيطرتها على قراراتهم ومصيرهم وتوجهاتهم جميعًا.
تحدثنا في كتابات سابقة عن التناول الإعلامي لوسائل إعلام مختلف الأطراف في اليمن لأحداث حضرموت، ووضحنا حجم التغطية الثأرية لإعلام حزب الإصلاح والقنوات الفضائية المقربة منه، التي نسفت الإمارات والانتقالي، وكانت أكثر وضوحًا في تحديد الموقف منذ البداية. وهذا طبيعي أيضًا، لكون العلاقة التي تربط الحزب بالإمارات والانتقالي غير جيدة من الأساس. وكانت التغطية الإعلامية لإعلام حزب الإصلاح تشبه إلى حد كبير تغطية إعلام الانتقالي لأحداث عدن ونقطة العلم وشبوة، يوم تعرّضت قوات يتهمها الانتقالي والإمارات بأنها "إخوانية" لضربات موجعة، بما في ذلك غارات جوية، فيما كانت السعودية تقف على الحياد آنذاك.

تسويق أعذار بمبررات سخيفة
الأربعاء 11 فبراير 2026، خرجت تظاهرات مؤيدة للمجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا، تدخّلت على إثرها قوات مدعومة سعوديًا - اتهم أنصار الانتقالي محافظ شبوة عوض الوزير، الموالي سابقًا للإمارات والانتقالي، بإخراجها لمواجهة المحتجين - وسقط العشرات بين قتيل وجريح. فتجاوز تبرير القتل هذه المرة الإعلام المناوئ للانتقالي، حيث حاول الانتقاليون الملتحقون بالرياض وبعض ممن يوالونهم تسويق بعض الأعذار لعمليات القتل هذه بمبررات سخيفة، لربما كان الغرض منها إخراج السعودية من دائرة الاتهام، في انقسام إعلامي واضح وصل داخل البيت الانتقالي بفعل خلخلة الصفوف التي مارستها الرياض طيلة الفترة الماضية، واستقطابها عددًا كبيرًا من قادة ومؤيدي الانتقالي في عدن ومحافظات جنوبية أخرى، ووهبتهم كل أسباب الراحة والرفاهية في فنادقها الفارهة. ليتصاعد الغضب في أوساط الغاضبين منهم في عدن ويافع والضالع، ممن يعتبرون كل تلك المواقف طعنات غدر من إخوان لهم تم شراؤهم بالمال، حسب تعبيرهم.

دروس في الوطنية والأخلاق
ماذا عن صنعاء، التي تعاطت مع الضربات السعودية للانتقالي ومعسكراته في حضرموت باعتبارها عدوانًا سافرًا على اليمن، منذ اليوم الأول لتلك الضربات التي أعقبت طفو الخلاف السعودي - الإماراتي على السطح، على خلفية صراع النفوذ والسيطرة بينهما؟
لم تنسَ صنعاء أن الانتقالي بقادته وسياسييه وإعلامه كانوا ضمن أكبر المبتهجين بالقصف الذي كانت تتعرض له اليمن منذ العام 2015 من قبل الرياض وأبوظبي وتحالفهما، ولم تنسَ أن الأهازيج بتلك الجرائم التي ارتكبها الطيران السعودي في صنعاء ومحافظات يمنية عديدة كانت موجودة في محافظات يمنية أخرى تحكمها أطراف موالية للرياض وأبو ظبي، من بينها الانتقالي.
رصدنا خلال الفترة القليلة الماضية عددًا من الفيديوهات والبوستات لمشاهير من محافظات جنوبية، معظمهم مع الانتقالي، يشيدون بالدور الأخلاقي الكبير الذي برز من صنعاء بجانبيها الرسمي والإعلامي في التعاطي مع ما حصل في الجنوب مؤخرًا، وتعامل صنعاء الثابت مع التدخل العسكري الأجنبي كعدوان سافر على اليمن. وصل الأمر إلى تحدي ناشط جنوبي في ظهور مصور لأي شخص يأتي حتى بمجرد شخص واحد من صنعاء أبدى التشفي والشماتة تجاه الجنوب خلال الفترة الماضية، إبان المعارك التي شهدتها حضرموت والمهرة وغيرها من الأحداث التي تلت.
منذ غزو الانتقالي - بإيعاز إماراتي - لكل من حضرموت والمهرة، مرورًا بالتدخل العسكري السعودي المباشر وترجيح الكفة لصالح القوى المعادية للانتقالي، حتى أحداث شبوة الأربعاء الفائت، لم يلحظ أحد أن صنعاء استدعت الماضي أو تعاملت بالمثل مع الخصوم الذين تراقصوا يومًا ما وهي تُقصف بأحدث الأسلحة الفتاكة، حتى من قبل العدو الإسرائيلي مؤخرًا. إنما ندّدت بشكل رسمي بالإمارات والسعودية معًا، واستهجنت تدخلهما السافر وعبثهما المستمر في اليمن، وإن اختلفتا ضمن سباق النفوذ والسيطرة. حتى ناشطو صنعاء كانوا في سوادهم الأعظم أكثر تمسكًا بذات النهج الرسمي، لتواصل صنعاء تلقين الجميع دروس الوطنية والأخلاق، بكل تسامٍ وانحياز لليمن الكبير.

طباعة