ويكثر كذلك الحديث الرسمي لساسة وعسكريين من أدوات الرياض في تلك المناطق عن قرب إعلان الحرب على صنعاء، ويتحدثون عن الجاهزية والاستعداد لبدء عملية عسكرية باتجاه صنعاء، لكنهم لا يعلمون حتى اللحظة ما إذا كانت الرياض تنوي بالفعل خوض حرب كهذه وإنهاء الهدنة الإجبارية طويلة الأمد مع صنعاء، كونهم لا يمتلكون هذا القرار وينتظرون توجيهات القيادة السعودية في هذا الشأن.
يعلم الجميع أن قراراً كهذا قد يكلف الرياض الكثير، في الوقت الذي لا تبدو فيه مستعدة لبدء مغامرة كهذه، لإدراكها جيداً الثمن الصعب الذي قد تدفعه مقابل ذلك، والجاهزية القصوى التي تبديها صنعاء لمواجهة أي طارئ؛ حيث لا شك في توجيهها ما يلزم من الآلة العسكرية الفتاكة من الصواريخ والطائرات المسيرة صوب المناطق والأراضي والمعسكرات السعودية حال إقدامها على هذه المغامرة. لكنها ما تزال تبدو أكثر حذراً من الانسياق وراء خطابات حماسية لـ "صغير بن عزيز" أو غيره، سبق أن سمعناها أكثر من مرة طيلة الفترات الماضية دون أن تلقى آذاناً صاغية لدى الرياض للأسباب ذاتها، وليس التزاماً أخلاقياً بضبط النفس تجاه تعهدات وتفاهمات قطعتها سابقاً.
مع كل ما سبق، يلزم صنعاء في الوقت الحالي أن تكون أكثر جاهزية لأي سيناريوهات قد تتبع هذا الهيجان البري لأدوات السعودية، الأشبه بالاستسلام والتسليم أكثر منه مواجهة عسكرية حقيقية. والأمر ذاته لا يمكن أن يحصل فيما لو تقرر خوض مغامرة جديدة باتجاه صنعاء بكل تأكيد، وقد جربت الرياض ذلك لسنوات طويلة وفي بداية الأمر، حين كانت هي وتحالفها العالمي الأكثر قدرة على إنجاز الكثير عسكرياً، ومع ذلك باءت بالخسران بشهادة الجميع، وفي فترات لم تكن فيها صنعاء على ذات الجاهزية التي هي عليها اليوم.
من التجارب التي تجعل السعودية الآن أكثر تعقلاً وتردداً نحو خوض عمل عسكري جديد باتجاه صنعاء، الحروب الأمريكية ذات التحالفات المتعددة والمرات العديدة على اليمن، والتي قوبلت بمقاومة يمنية شرسة أذهلت الجميع، بما في ذلك من راهنوا على الترسانة الأمريكية في إسقاط قوة صنعاء وإيقاف استهدافها للكيان الإسرائيلي فترة الإسناد اليمني لغزة، وفشل الأمريكيون فشلاً ذريعاً في تحقيق أي من أهداف حروبهم تلك خلال فترتي بايدن وترامب. الأمر ذاته ينطبق على الحرب الإسرائيلية الأخيرة على صنعاء، والتي فشلت في إيقاف الإسناد اليمني لغزة، وكانت الطلقة الأخيرة قبيل إعلان وقف إطلاق النار لليمن. ومن هنا لا يمكن الجزم بأن تتجاهل السعودية كل ذلك وتشرع في مغامرة جديدة دون أي حسابات تذكر!