تقارير

حضرموت .. ساحة حساب جديد للحلفاء ودماء اليمنيين الثمن

الزيارات: 189

لا تُحسم المعارك الأكثر شراسة على مكاتب الدبلوماسيين فحسب، بل تندلع بين الجدران المتشققة لبيوت المدن التي تختارها ساحات لها.

حضرموت .. ساحة حساب جديد للحلفاء ودماء اليمنيين الثمن

هذا ما يحدث اليوم في حضرموت، حيث تحولت المحافظة الهادئة نسبياً إلى خط تماس ساخن بين حليفي الأمس: السعودية والإمارات، في مشهد يذكر بسيناريو الانقسامات الممولة خارجياً التي مزقت دول المنطقة.
لقد تجاوز التنافس السعودي الإماراتي مرحلة الهمس في قاعات القمم إلى صراع مفتوح عبر وكلاء محليين. ففي سابقة خطيرة، تظهر التقارير تبادلاً للاتهامات وإعلانات عسكرية مباشرة بين الفصائل الموالية لكل طرف.
تعتمد الرياض على حلف قبائل حضرموت بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش، والقوات المرتبطة به مثل "قوات حماية حضرموت". هذا التحالف يمثل الورقة المحلية الأبرز للسعودية للحفاظ على نفوذها المباشر في العمق الحضرمي.
وبالمقابل تلعب أبوظبي ببطاقة المجلس الانتقالي وأذرعه العسكرية في المنطقة، وأهمها "قوات النخبة الحضرمية". وهدف الإمارات واضح وهو تعزيز سيطرة الانتقالي، كرأس حربة لمشروعها السياسي لبسط النفوذ على الجنوب وعلى هذه المحافظة الاستراتيجية الغنية بالنفط .

تتصاعد حدة الصراع حيث حاصرت قوات الانتقالي مواقع القوات الموالية للسعودية في الهضبة النفطية، وردت قوات حماية حضرموت بتعبئة قبلية وإعلان "المقاومة بكل الطرق" والهدف الحقيقي هو ثروات اليمن ومستقبله ووراء هذه المعركة بالوكالة تكمن أطماع إستراتيجية واقتصادية صريحة :
الإمارات تعتبر السيطرة على حضرموت وشبوة والمهرة "خطاً أحمراً" لمشروعها الانفصالي في الجنوب. فبدون ثروات هذه المحافظات النفطية والغازية والموقع الاستراتيجي، يظل حلم "الدولة الجنوبية" هشاً.
والسعودية: ترى في أمن المحافظات الشرقية لليمن، وخاصة حضرموت ذات الحدود الطويلة معها، جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي. كما أن نفوذها المباشر هناك يحمي حدودها الجنوبية ويمنع قوى قد تعتبرها معادية من التواجد على تخومها.
وهكذا، تتحول ثروات اليمن من أمل للبناء إلى سبب للدمار، ويصبح موقعه الجيوستراتيجي نقمة على أهله.
الفاتورة التي لا يدفعها سوى اليمنيين تكمن المأساة الحقيقية في أن ثمن هذه الحسابات الإقليمية الباردة يدفعه بالكامل أبناء اليمن، وخاصة أبناء حضرموت حيث تتهاوى حالة الاستقرار النسبي التي تمتعت بها حضرموت، والتي جعلتها ملاذاً للنازحين من بقية المحافظات، لتدخل في دوامة عنف غير مسبوقة.
الوضع أصبح "الأخطر منذ عقود" حتى النسيج الاجتماعي يتمزق ويتم استنزاف علاقات القربى والجيرة والقبلية في حرب بالوكالة، حيث يتحول الجار إلى عدو محتمل بناء على ولائه الخارجي.
وفي خضم هذا الصراع، يغيب مشروع الدولة اليمنية الوطنية الموحدة تماماً. فالكل يناضل من أجل أجندة خارجية أو مشروع انفصالي، بينما تُدفن فكرة اليمن الواحد تحت ركام المصالح المتعارضة.
وهكذا تقف حضرموت اليوم كرمز مؤلم لتحول اليمن من دولة ذات سيادة إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات القوى الإقليمية. لقد أصبح اليمنيون وقوداً لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. ويبقى السؤال الذي يلوح في الأفق: إلى متى سيستمر اليمنيون في دفع فاتورة الدم والدمار لحسابات لا تعنيهم؟ وإلى أين ستمتد ساحات هذه الحرب الجديدة بعد حضرموت؟ يبدو أن جدران المدن اليمنية ستواصل سرد حكايات المعارك التي لا تعرف من يحارب من، ولكنها تعرف جيداً من يدفع الثمن.

طباعة