وبدلا من أن تتحول بنود اتفاق "الهدنة" الذي تم توقيعه في أبريل 2022، إلى قاعدة انطلاق صلبة الاستمرار في مسار تفاوضي يقود في النهاية إلى حل شامل من خلال معالجة الملف الإنساني والاقتصادي اليمني أولا تحولت "الهدنة" نفسها إلى هدف للسعودية التي لم تكتف فقط بالتلكؤ في تنفيذ بعض البنود ورفض بعضها الآخر إلى قاعدة انطلاق نحو التصعيد الجديد وبدء الإعداد والتخطيط والترتيب لخرق وقف إطلاق النار وافتعال شروط جديدة، وإبقاء الباب مفتوحا أمام تحركات أمريكية وإسرائيلية عسكرية وأمنية وسياسية زادت من تعقيد المشهد، وجعلته أكثر حساسية.
هذا التراجعُ ليسَ مُجَـرّد خيانةٍ لاتّفاق إقليميٍّ، بل هوَ رُضوخٌ مُهِينٌ ومتعمّدٌ للإملاءاتِ الجيوسياسيةِ التي تُدارُ من غرفِ القرارِ الغربيةِ، تحديدًا من الدوائرِ الأمريكيةِ والإسرائيليةِ، التي تتّخذُ من الرياضِ أدَاة لتصعيدٍ مُعادٍ لليمنِ.
وتتجلى بذلك وبوضوح تام حقيقة أنَّ قرارَ الحربِ والسلمِ السعودي مُرتهنًا بالكاملِ لأجنداتِ الوصايةِ الأمريكية الصهيونية التي لا ترى في استقرار المنطقةِ سوى تهديدٍ لمصالحِها .. وعرقلة لاستمرار السير نحو تحقيق المشاريع الاحتلالية الأمريكية الإسرائيلية لكافة أقطار المنطقة العربية ونهب خيراتها وثرواتها وطمس هوية شعوبها العربية الإسلامية.
وفي هذا السياق لم تكن التحركات المكثّـفةَ للمبعوثِ الأمميِّ إلى اليمنِ هانس غروندبرغ، ولقاءاتِه المتعاقبةَ بالوفدِ الوطنيِّ المفاوضِ والمسؤولينaَ العُمانيينَ، سوى أدلّةً تأكيد دامغةً على إصرار الرياضِ على التمسك بموقفها المتصلّبِ على الارتماء في أحضانِ خيارِ العودةِ إلى الحربِ، مستندةً إلى دعمٍ أمريكيٍّ مباشرٍ لا يقفُ عند حدودِ التأييدِ السياسيِّ، بل يمتدُّ إلى الدعم والإسناد العسكري بالأسلحة الأمريكية الحديثة والمتطورة والتخطيطِ الاستراتيجيِّ الأمريكي السعودي المشتركِ الذي تجلت أبرز مظاهره في اتفاقيات الشراكة والتعاون التي تم التوقيع عليها خلال زيارة بن سلمان الأخيرة لواشنطن وفي مقدمتها اتفاقية تزويد الرياض ب 50 طائرة أمريكية حديثة من طراز إف 35 إضافة إلى توقيع ما سمي باتفاقية التعاون الدفاع الأمني المشترك .