رياضة

الجواب الحاسم

الزيارات: 139

سمير القاسمي/ 

‏كرة القدم ليست مجرد اندفاع أعمى إلى الأمام، إنها دهاء وخبث، مكرٌ يُغلفه العشب الأخضر، وميزان دقيق بين الهجوم والدفاع. فيها من ينتصر فيُكتب اسمه على جدران الذاكرة، وفيها من يخسر فلا يجني إلا حسرةً تبقى طويلاً.

الجواب الحاسم

سمير القاسمي/ 

‏كرة القدم ليست مجرد اندفاع أعمى إلى الأمام، إنها دهاء وخبث، مكرٌ يُغلفه العشب الأخضر، وميزان دقيق بين الهجوم والدفاع. فيها من ينتصر فيُكتب اسمه على جدران الذاكرة، وفيها من يخسر فلا يجني إلا حسرةً تبقى طويلاً.

‏كانوا يتهكمون على كارلو أنشيلوتي حين يركن للدفاع، يسخرون من واقعيته وكأنها عيب، فجاءت مباراة أتلتيكو مدريد لتكون الجواب الحاسم: كرة القدم لعبة توازنات قبل أن تكون لعبة جماليات.
‏دييغو سيميوني، بثوبه الأسود وهيبته الصارمة، قدّم لتشابي ألونسو درسًا لا يُنسى، درسًا في الواقعية حين خانت الفلسفة، وفي الحذر حين انكشف الاندفاع. خمسة أهداف مقابل هدفين.. نتيجة قاسية على الميرنغي، وجرس إنذار مدوٍّ في أذن الإسباني الشاب الذي أراد أن يفتح الملعب على مصراعيه في يوم لم يحتمل فيه المغامرة.
‏قد تكون ثلاث نقاط فقط على الورق، لكنها في الروح أكثر من ذلك بكثير. خسارة مؤلمة لريال مدريد، وعودة صاخبة لأتلتيكو في يوم كبير، يوم أثبت فيه الجار الأحمر أن في مدريد قلبًا آخر ينبض، لا يرضى أن يعيش في الظل طويلًا.
‏صدقوني..لقد عرفنا ريال مدريد منذ زمن بعيد، فريق الكرة المباشرة، الفريق الذي لا يرحم، الذي يختصر الطريق من الدفاع إلى الشباك بلمحات قاتلة، لا يعرف كثرة الزينة ولا الاستعراض المفرط. ريال مدريد هو سرعة القرار، وضربة الخنجر التي تأتي دون مقدمات.
‏لكن مع تشابي ألونسو تغيّر المشهد. أراد الإسباني أن يبدل الجلد، أن يكسو الميرنغي بثوب جديد من كثرة التمريرات ودوران الكرة بلا توقف. أراد أن يرسم هوية أشبه بلوحة فنية، لكنها بعيدة عن دي إن إيه هذا النادي.
‏ريال مدريد ليس فريق التمرير من أجل التمرير، بل فريق الضربة القاضية. حين يطيل الحديث بالكرة يضيع بريقه، وحين يذهب مباشرة إلى المرمى يُخيف العالم بأسره.
‏ألونسو يحاول أن يكتب سطرًا جديدًا في كتاب الميرنغي، لكن السطور القديمة ترفض أن تُمحى. فهل ينجح في تغيير القدر؟ أم أن الريال سيظل وفيًا لرسالته الخالدة: الكرة المباشرة، الضربة السريعة، والهيبة التي لا تُشترى؟
‏في المقابل كل ديربي اعتدنا على سيناريو محفوظ، أتلتيكو مدريد يبدأ بقوة، يضغط، يصنع الفرص، يُربك الريال، لكنه في النهاية يعجز عن استغلال أفضليته، فينقلب المشهد من لمحة خاطفة للميرنغي، ثم يتراجع الروخي بلانكوس وكأن شيئًا لم يكن.
لكن الليلة كان المشهد مختلفًا. أتلتيكو قدّم أفضل ظهور له في الديربي منذ سنوات، لم يكتفِ بالتفوّق الفني، بل ترجم سيطرته إلى أهداف، وهذا هو الفارق الحقيقي الذي غاب طويلًا. لم يعد الفريق مجرد خصم مزعج، بل أصبح خصمًا قاتلًا في لحظاته الذهبية.
بعد بداية مرتبكة هذا الموسم، جاءت هذه المباراة لتكون بمثابة إعلان ميلاد جديد. على التشولو سيميوني أن يبني القادم على هذا الانتصار، أن يجعل منه نقطة ارتكاز تعيد أتلتيكو إلى مكانه الطبيعي بين الكبار.
فالفريق يملك عناصر مميزة في كل الخطوط: صلابة في الخلف، وسط متماسك، وهجوم يعرف طريق الشباك. وإن حافظ على هذا الشكل، فإن الروخي بلانكوس لا يكتفي بإزعاج المنافسين… بل قد يحقق الكثير، وربما يكتب فصلًا جديدًا في تاريخ العاصمة المدريدية.

طباعة