دراسات وبحوث

النصف الاخر 3

الزيارات: 191

جلس زيد في زاوية المجلس وتناول دوائه المسكن.. شرب منه أكثر من حبة، حذرته شقيقته وداد من سوء استخدامه قبل أن تعطيه إياه، انتزع

صحيفة اليمن - أمل محمد الحداد

النصف الاخر 3

جلس زيد في زاوية المجلس وتناول دوائه المسكن.. شرب منه أكثر من حبة، حذرته شقيقته وداد من سوء استخدامه قبل أن تعطيه إياه، انتزع

صحيفة اليمن - أمل محمد الحداد

الشريط من يدها وخرج، رويداً ..رويداً تسلل الخدر إلى جسده، حلقة تدريب النشيد مستمرة أمامه وكلماتها تنادي بالمبالغة بالزهد والتقشف في الحياة، استمع زيد إلى الكلمات وشعر بحرقة، وأخذ يسأل نفسه هل الصوفية هي الاختيار الأفضل؟
يعتبر زيد أنه عاش حياة حرمان، فقد عاش مع أمه وشقيقته وداد في قرية صغيرة على طرف محافظة إب، بينما نصف شقيقه حسين وأسرته له بيت كبير في العاصمة، مع ذلك لم يتجرأ زيد على الاحتجاج ..لماذا؟ شخصيته جعلته يتألم بصمت، بالتأكيد أبي يعلم ما حاجتي للكلام! زيد يكلم نفسه.
تفاعل المنشد سيء الصوت أكثر، انزعج زيد أكثر ..الخدر بدأ يضايقه صرخ: أخرس.. صوت نشاز استغرب الجميع من هذا النهي من رئيس الشباب!
مُصلح نائب زيد لاحظ أن الأخير ليس على ما يرام، ابتسم باستهزاء وطلب من كل الحاضرين الهدوء والاستمرار، وهو يضمر استفزاز زيد، رأس زيد يضج بذكريات التفرقة، ودماغه شبه مخدر ..أراد زيد إخراج غضبه فقام متوجهاً إلى المنشد وجذبه من ياقته وصرخ في وجهه: قلت لك أخرس.
رمقه نائبه وهو يقول داخل نفسه يبدو أنك ستقع هذه المرة يا زيد ، تدخل بعض الشباب الموجودين لإزالة الخلاف بينهم دون جدوى، انفعال زيد مستمر.. قرر الشباب إخراجه من هذا المكان إلى الزقاق المجاور، مُصلح يراقب من على بعد، شعر أن الفرصة فاتته.. كلا ربما لم تفت بعد، دخل بين الشابين الذين يهدأنه ويسحبانه إلى الخارج، تظاهر بالتهدئة مرة أخرى.. وبمجرد وصولهم إلى الزقاق الخالي من المارة صرخ في زيد : لم نعد نحتمل عقدك. ككلمات أبيه مؤلمة ومؤثرة .. مع اختلاف الاسلوب ..
المشكلة أن زيد غير متوازن، أحد الشابين أشار لمُصلح بالنهر فرد عليه: هذه المرة يجب أن لا نحتمل. من حين لآخر ينفعل زيد على الشباب، لكنه يصحح خطأه .
مُصلح يتمنى أن يؤلم زيد حتى يضمن له الهيبة عليه! ويجبره على التنازل عن رئاسة الشباب، رحل الشاب الثاني فلا يتوقع شيء مهم سيحدث، بدأ مُصلح باستثارة زيد أكثر : ما الذي يحدث هل أنت يتيم؟
أَسَرَ زيد بألمه لشيخه، هل أفشى السر؟ استنكر الشاب مرة أخرى بسبب هذا الكلام الجارح ، شد زيد قبضته ليضرب مُصلح في كتفه، أشاح الشاب بوجهه يأساً منهما ثم قال: يبدو أنكما لابد من تتفاهما معاً.. وغادرهما.
زيد : لطالما كنت شديد الغيرة مني يا مُصلح.
مُصلح: أنا أراك في غير مكانك.. ورد لزيد اللكمة في صدره.
زيد: تقصد أني تفوقت عليك باجتهادي وإتقاني لعملي.
مُصلح جيد أنك تبوح لي بأسرار نجاحك.
رد زيد بسخرية: 3 سنوات ولم تتعلم بالملاحظة يا مُصلح وأمسك حجر صغير ورماه به.. يقف زيد بصعوبة تأثير العلاج عليه في تزايد. خاف مُصلح من رمية زيد لكنه تجاوزها بسهولة، وزاد حنقه فقرر أن يؤذي زيد كما ينبغي، قال له: مسكين زيد يعاني من التفرقة ..طبعاً فهو ابن الجارية.
كيف أُفشى السر؟ رد زيد: أيها الحقير وصفعه في وجهه ثم ترنح متعباً من العراك.
مُصلح: لن أسامحك على هذه وأخرج خنجر صغير مطوي في جيبه مستغلاً ضعف زيد وأسرع ليطعن زيد في جانب بطنه، هنا خارت قوى زيد وفي نفس الوقت مرَّ من الزقاق عبد العلي، شاب يعرف زيد مع أخيه الصغير - 12سنة - فقال :عبد العلي للطفل أذهب ونادي أخوتك الكبار وأولاد عمك.
جرى الولد وصرخ الشاب نحو مُصلح: يا مجرم.
فزع مُصلح من صوت الشاهد فأسرع هارباً وسقط زيد على الأرض، صحيح أن مُصلح أراد تأديب زيد أما تقطيع جزء من أمعاءه فكان أكثر مما توقع..كلا.. بل زيد يستحق.
تم إسعاف زيد على عجل و أنجاز عملية الترقيع للقطع، جلست وداد على كرسي بجوار شقيقها بعد ما أعطته وجبة الغداء وقالت: لو نسيت لأبي كل ما ذكرتْ لما استطعت نسيان إهماله لأمي في مرضها، نعم أشرف على علاجها بعد خسرانها لصحتها وضعفها وانتشار مرض سرطان البنكرياس.
زيد: ومازال يفاخر بحبه للشريفة! ألا يكفي ما عانته أمي بسببه.
خلف الباب كانت أميمة تسمع مصدومة مما قاله الشابان، هل هذه حقيقة؟ تبعت أميمة وداد لما نسيت أن تأخذ معها الخبز وقد كان الوقت مقارباً لموعد زيارتها في كل الأحوال ، وداد لم تتوقع قدوم أحد في وقت الغداء فتركت الباب موارباً. قال زيد : وأخر الأخبار السارة هو وظيفة حسين! ألا يفكر أحد بأهمية وظيفة زيد؟
وداد: والغباء وربما الحماقة هي في ترك هذا كله والذهاب إلى الجهاد رغم أنه وحيد من جهة الأم.
نزلت هذه الكلمات كالصاعقة على أميمة كيف يفكر هؤلاء الأولاد بالتقصير في أداء الواجب تجاه الوطن!
زيد : وداد أين الخبز؟
وداد : تأكد.. لابد من أن رقية وضعته.
هنا تراجعت بسرعة أميمة لمسافة تزيد عن متر ثم نادت : وداد ....وداد
وأخيراً بدأت تعرف أميمة النصف الآخر من الحقيقة ! ..وتعرفت على بعض أسباب حساسية ..بل البغضاء التي يكنها وداد وزيد لحسين ورقية ووالدهما ، وهذا الجفاء المستمر ..وحسب هذه الحقيقة فلديهم سبب وجيه ، فموت الأم بسبب تقصير الأب ليس بالأمر الهين أو يسهل نسيانه ، الغير معقول أن شقيقها بما يملك من خُلق وبما يتصف من الهمة أن يفعل ذلك.. هل من الممكن أن يفعل؟ لابد وأن في الأمر سر ، أما وظيفة حسين فلم يتدخل الأب فيها بشيء، أولاد خالة حسين مما وجدوا فيه القدرة على العمل الجاد والتجديد فيه عندما جربوه في فترة تدريبية قرروا احتياجهم له وضرورة انضمامه إليهم .
كيف أقنع هؤلاء الأولاد بذلك فأنا من ضمن محور الشر!
فزعت وداد عندما سمعت صوت عمتها ، فما يقولونه لا يخرج من بينهما ، وكيف يقولون أن أباهم ساهم في قتل أمهم بالإهمال ؟ خف خوفها عندما أطلت من الباب فتيقنت من بُعد خطوات عمتها عن الباب .
دخلت العمة واطمأنت على ابن أخيها وظلت تستفسر عن صحته ، وسألت كيف حصلت هذه المشاجرة ومن حضرها ، ثم غادرت ..أغلقت وداد الباب هذه المرة ، سألها زيد : هل سمعت ؟
وداد : لا اعتقد رأيتها على مسافة من الباب .
زيد : أحياناً اتمنى لو أنهم يسمعون .. لربما ارتاح .
وداد : ربما تحصل على مشكلة كبيرة ..مشكلة من الحجم العملاق!
زيد : معك حق ..رأيت كيف جاءت للتحري والتقصي عما حصل.
وداد : هذا ما كان ينقصنا .. دعنا منهم وقل لي كيف ستتعامل مع من أوصلك إلى هذه الحالة ، كبرنا فوجدنا لنا خصم جديد.
زيد : سنبحث عن شهود .
وداد : ما لم ؟
زيد : لست أدري يا وداد غادريني الآن ..احتاج للراحة .
وصلت أميمة إلى البيت مشغولة البال وقد دخل الشك قلبها ، شقيقها به شدة ولذلك كنا نفسر انزواء الطفلين الصغيرين عنه في زيارات العمل المتكررة إلى قريتهم ، لا يمكن ..لا يمكن لشقيقها مهما كانت شدته أن يهمل زوجته إلى هذا الحد ، كيف اتحقق؟ والجدة التي كانت معها كبيرة السن الآن . استمرت الافكار السلبية تصول وتجول في رأسها وقد دخلت غرفة شقيقها لتبحث عن دليل إدانة أو براءة ، طرقت رقية الباب ..انتبهت أميمة بتوتر للطارق وسألت : من ؟
وداد : وصل أبي ..ثم فتحت الباب .
أميمة : حسناً يا أبنتي سأنزل حالاً .
وداد : كيف حال أخي زيد ؟
أميمة بصوت مرتبك: بخير .. أقصد في تحسن كبير.
ابتسمت رقية من ارتباك عمتها غير المبرر ، ثم قالت : هل يستطيع زيد الآن تقديم شكواه ضد الآثم الذي طعنه.
آه ..يا رقية .. امتعض زيد من سؤالها عن ما حصل ، فما بالك بالكلام عن الشكوى .
أميمة : طبعاً سيفعل .. لابد من ذلك.
كيف أصلح بين هؤلاء الفرقاء ؟ كيف أكسب ثقة الشابين الصغيرين ؟ والأهم .. كيف اتبين من النصف الآخر من الحقيقة؟
تفاءلت وداد وقالت : جيد ..سننتظرك بالأسفل وغادرت الغرفة تبعتها أميمة .

طباعة

مواضيع ذات صلة