كان البحر الأحمر ولا يزال هدفًا حيويًا يدخل في سياسات الدول الكبرى والشعوب المطلة عليه، ومنذ القدم كان التنافس المباشر بين اليمن والحجاز والأحباش في السيطرة عليه يعكس صورة الصراع البيزنطي الفارسي آنذاك،
وبعد انحسار الاستعمار الإيطالي والفرنسي والإنكليزي عنه، أصبحت مصالح بعض الدول المطلة عليه، مثل السودان والأردن وإريتريا، مرتبطة حصريًا به كمنفذ بحري وحيد تطل منه على العالم، بينما دول أخرى مشاطئة له تملك منافذ بحرية أخرى مثل السعودية، ومصر، وفلسطين المحتلة، ومن هذا المنطلق فإنّ البحر الأحمر من الناحية الجيوسياسية أكثر اتساعا من حدوده الجغرافية.
ولكن الأهمية السياسية والقومية للبحر الأحمر تكمن في وقوعه في قلب كتلة من سبع دول عربية تشرف عليه، الأردن والسعودية واليمن والصومال وجيبوتي والسودان ومصر، تمتد على نحو %90 من سواحله، وهذا ما يجعلها عاملًا مؤثرًا وحساسًا في ميزان القوى والسياسات الدولية.
أمّا الدولتان غير العربيتين المشرفتان على سواحله، أريتريا، اسرائيل فقد انعكست الهزيمةُ العربية عام 1967م على وضع البحر الأحمر ككل ومضيق باب المندب خصوصاً، وتحول الكيان الصهيوني من مرحلة محاولة التستر وإخفاء نشاطه العسكري المتزايد في الجُزُر الإرتيرية، وما تقوم به طائراته وطواريده وقِطَعُه البحرية من عربدة في المياه الإقليمية اليمنية وخطوط الملاحة الدولية إلى مرحلة التحدّي الواضح والصريح لأيَّة محاولات أَوْ جُهُود (وأغلبها جهودٌ دبلوماسية)؛ لمجابهة هذا التواجد فكان تصريحُ وزير الخارجية الإسرائيلي وقتَها آبا ايبان الذي قال فيه إن أمنَ إسرائيل محدّدٌ ببقاء مخرجها الأمني الحر إلى البحر الأحمر وبأنها ستدافِعُ عنه بأي ثمن. وقال أبا إيبان، "إن موطئ قدم لإسرائيل على البحر الأحمر يعوضها عن الحصار الإقليمي المفروض عليها، وعن طريق ربط المحيطات الشرقية والغربية عبر قطاع ضيق من الأرض، يمكن لإسرائيل أن تصبح الجسر الذي تعبره تجارة الشعوب في القارات جميعها، وبذلك يمكن تحرير شعوب آسيا وأفريقيا من الاعتماد على قناة السويس", وفي عام 1956، قال قائد البحرية الإسرائيلية السابق: "نحن نملك أسطولاً بحرياً ضخماً يعمل في كافة موانئ العالم، ولهذا علينا أن نعد العدة في المستقبل كي تستطيع أساطيلنا البحرية والحربية أن تحطم الحصار العربي المفروض علينا، وأن نفرض الحصار بدورنا على الدول العربية عن طريق تحويل البحر الأحمر إلى بحيرة يهودية", وقد شرع الإسرائيليون في تنفيذ تلك الأهداف منذ وقت مبكر، حيث استطاعوا استثمار علاقتهم مع إثيوبيا -قبل استقلال إريتريا- والحصول على جزيرة "دهلك" في البحر الأحمر، سنة 1975، ليقام عليها أول قاعدة عسكرية إسرائيلية. ثم تمكنوا من التغلغل في الدولة المستقلة إريتريا، وعززوا تواجدهم في البحر الأحمر من خلال استئجار جزيرتي "حالب" و"فاطمة" في الجنوب الغربي للبحر الأحمر، ثم جزيرتي "سنشيان" و"دميرا"، والأخيرة هي أقرب الجزر الإيريترية -التي تتواجد فيها القوات الإسرائيلية- إلى باب المندب.
أعقبته تصريحاتٌ ناريةٌ أطلقها شيمون بيريز وكان يشغَلُ وقتَها (مارس 1973م) وزيرَ المواصلات في الحكومة الإسرائيلية الذي قال: لو تعرَّضت المواصلاتُ البحرية الإسرائيلية لأي خطر فإن الردَّ سيكونُ بأقصى عنف.
لعل الوقوفَ على تصريحات قادة الكيان الصهيوني ونخُصُّ منهم القادةَ العسكريين يؤكد حقيقةَ الأطماع الصهيونية في باب المندب فقائد سلاح البحرية الصهيونية سبق وَتحدَّثَ عن منطقة باب المندب تحديداً والبحر الأحمر عموماً بالقول: إن سيطرةَ مصر على قناة السويس لا يضعُ بين يدها سوى مفتاح واحد فقط في البحر الأحمر أما المفتاح الثاني والأكثر أَهميّة من الناحية الاستراتيجية فمِن المحتمل أن يقعَ بين أيدينا ويقصدُ هنا بالمفتاح الثاني والأكثر أَهميّة هو باب المندب. ولفت مراقبون إلى أن إسرائيل تتحرك بكثافة، لاسيما عبر دول في منطقة القرن الإفريقي أبرزها ارتيريا، لبسط سيطرتها على البحر الأحمر.
يقول عبد الوهاب دراوشة عضو الكنيست العربي عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» أن إسرائيل تجني مكاسب من إقامة قواعد عسكرية لها بتلك الجزر، تبدأ بدعم وسرعة تموين قطع الأسطول البحري الإسرائيلي المنتشر في البحر الأحمر، كما أن الكارثة الأخرى التي تنذر البحر الأحمر وهي أنها تجري تجارب نووية في البحر الأحمر، مستغلة بعدها عن السكان الإسرائيليين وحمايتهم من أخطار أي تسريب إشعاعي قاتل، ثم تستغلها في دفن النفايات النووية التي ستؤثر حتما على الأجيال الجديدة للشعوب العربية المحيطة بها.
سياسية التطبيع :
نهجت السياسية الإسرائيلية في عقد الثمانينات وإلى اليوم على عقد اتفاقية السلام بدء مع مصر باتفاقية كامب ديفيد 1979م ومرورا بالأردن 1994 والسلطة الفلسطينية التي لم تجني من تلك الاتفاقيات إلا مزيد من مصادرة الأراضي الفلسطينية وفي تسعينيات القرن الماضي عملت إسرائيل على توثيق علاقات تجارية بدول الخليج العربي وغيرها من الدول وفي العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين كثفت إسرائيل سياستها تجاه الوطن العربي وبالذات مع دول الخليج بحجة محاربة التمدد الفارسي في المنطقة فقامت علاقات التطبيع بين الإمارات وإسرائيل ، وإسرائيل والبحرين حيث تم توقيع ما سمي الاتفاق التاريخي في واشنطن في 15 سبتمبر/أيلول، وكشفت “هيئة البث الرسمية” للعدو الإسرائيلي عن وثيقة صادرة من وزارة الاستخبارات الإسرائيلية تحدد مجالات التعاون المحتمل مع الإمارات ، وتطرقت الوثيقة إلى أن اتفاق “تل أبيب وأبوظبي” يمهد لتكثيف التعاون العسكري بينهما في البحر الأحمر ولفت مراقبون إلى أن إسرائيل تتحرك بكثافة، لاسيما عبر دول في منطقة القرن الإفريقي أبرزها ارتيريا، لبسط سيطرتها على البحر الأحمر.
وفتحت سفارات إسرائيل في بلدانها وبضغوطات أمريكية وإغراءات إماراتية وسعودية وقعت السودان في 23 أكتوبر2020، اتفاقية التطبيع وبتوقيعها أصبحت السودان خامس دولة عربية وثالث دولة عربية تقع على البحر لاحمر تقيم علاقات مع إسرائيل ، يتم بموجبها رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب ،وصرحت تل أبيب أنه : لم يقتصر الإنجاز الكبير لرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بتوقيع اتفاقية السلام مع السودان، على إلغاء ثلاث لاءات تبنتها السودان منذ ثلاث وخمسين سنة، التي صاغتها قمة جامعة الدول العربية عام 1967 في السودان، وهي: لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل ولا مفاوضات مع إسرائيل. إنما يكمن الإنجاز الأكبر في أن هذه الاتفاقية ألغت محورا مركزيا لتهريب الأسلحة الإيرانية إلى حماس في قطاع غزة، حد وصفه وهو محور هام جدا لكون دولة السودان تقع على شواطئ البحر الأحمر. وقال نتنياهو إن هذه الاتفاقية ستتيح للطيران الإسرائيلي التحليق شرقا إلى الإمارات والبحرين والهند والشرق. وهذا يوفر ساعات كثيرة من مدة الرحلات الجوية ومالا كثيرا يتعلق بتكاليف الرحلات. وأضاف : «سنطير الآن غربا فوق السودان وستمر الرحلات الجوية فوق تشاد، التي أقمنا علاقات معها، وأيضا إلى البرازيل وأميركا اللاتينية. هذا تحول هائل يغيّر الأوضاع كليا. إسرائيل كانت معزولة كليا وقالوا لنا إننا نتوجه نحو تسونامي دبلوماسي والعكس التام حدث. إسرائيل ترتبط بجميع دول العالم ونحن سنستمر في هذه السياسة.
في هذا الجانب يقول عاموس يدلين، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية «تكمن أهمية اتفاقية التطبيع بين إسرائيل والسودان، أساسا، في الزخم الدبلوماسي لإسرائيل مع العالم العربي والإسلامي وفي تعزيز قطع السودان عن إيران، وبقدر أقل في الإمكانية الكامنة الأمنية والاقتصادية الفورية له. أما في المدى البعيد فموقع السودان كجسر بين شمال أفريقيا العربي وأفريقيا جنوب الصحراء يمكن في أن يحقق إنجازات كبيرة- سياسية، أمنية واقتصادية. وإذا تمكنا من توجيه التطبيع إلى سلام حار أكثر، نطفئ المواجهة مع الفلسطينيين.
بتوقيع الاتفاقية حققت إسرائيل إنجازاً استراتيجياً، بضمان الملاحة عبر البحر الأحمر إلى مدينة إيلات، التي كانت معرضة على مدار عشرات السنين من خطر علاقة السودان مع إيران وحماس وصارت مملكة المغرب على نفس النهج حيث وقعت اتفاقية التطبيع في 10ديسمبر2020م ، وستحذو دول عربية وإسلامية أخرى على نهج سياسة التطبيع مع إسرائيل. طالما وبقاء حال الشعوب العربية والإسلامية في صمت مدقع.
من خلال تحالفات "إسرائيل" الاستراتيجية مع دول حوض البحر الأحمر، يمكنها أن تحقق ما ردده شمعون بيرس لعقود طويلة "باجتماع المال العربي مع العقل اليهودي"، ليحقّق أكبر أحلام الحركة الصهيونية، وهو التفوق اليهودي الصهيوني الدائم، بتمويل عربي مع ديمومة التخلف العربي، فـ"إسرائيل" اليوم، في ظل أزمة اقتصادية خانقة، تحتاج إلى استثمارات عربية خليجية في التكنولوجيا والطب وعلم الفضاء ومجالات إنتاجية عديدة تخشى أن تتفوّق فيها إيران، فتفقد "إسرائيل" عوامل الهيمنة والوجود، لأنّ مقومات وجودها واستمراريته مرتبطان إلى حد كبير بتفوقها الذي يسمح لها بالهيمنة التامة، إضافةً إلى الرعاية الغربية التي تحمي تفوّقها.
ختاماً كان لطوفان الأقصى ودخول اليمن مباشرة معركة الصراع العربي الصهيوني الأثر الأكبر في إيقاف مشاريع التطبيع والهيمنة الإسرائيلية وأحلام النتنياهو في إقامة دولة إسرائيل الكبرى التي ستظل أحلام يقظة طالما ومحور المقاومة متماسك ومتمسك بمبادئه وأهدافه النبيلة في مقاومة الكيان الصهيوني والأنظمة المتصهينة فالشعوب الحرة لن ترضى بالظلم ولن تخذل مقدساتها الإسلامية في فلسطين فقضيتنا عادلة والنصر وعد إلهي بقوله تعالى " إن تنصروا الله ينصركم ".